نقطة ضوء .
نجوم السماء .
فريد العليبي
قام قيس سعيد يوم الأربعاء 30 مارس 2022 بحل البرلمان، أي بعد ثمانية أشهر من تجميده ، و هذا ما كان يريد تلافيه عند اتخاذه اجراءات 25 جويلية وفق الفصل 80 من الدستور . فقد كان وقتها يحاول التلاؤم مع مقتضيات الدستور، بما تفرضه فصوله من جهة ، وما أراده الشعب في هبته العارمة يومها من جهة ثانية ، خاصة المطالبة بحل البرلمان ، بينما كان منتظرا منه الذهاب الى مدى أبعد، مقتديا بالحل المصري وما يعنيه من احداث تغيير كبير في أجهزة السلطة والدولة ، حيث لا يلغي البرلمان فقط وانما الدستور أيضا .
ولكن تونس غير مصر ، التي فيها مؤسسة عسكرية ضخمة عدة واقتصادا ، تعد حاضنة لرجل خارج من بين أضلعها ، وهو ما لا يصح على قيس سعيد ، فكانت الصدمة التي أحدثها في صفوف الإسلام السياسي أقل وطأة وأخف ضررا، مما أتاح له استجماع الأنفاس شيئا فشيئا ، خاصة أن سعيد واجه معضلة حقيقية، فبعض القضاء ظل في صف خصومه فأبطأ حركته.
وتأتي الخطوة الأخيرة لتخلط الأرواق مجددا على أكثر من صعيد ، والسؤال هو لماذا اتخذها الرئيس الآن فقط ؟ هل كان ينتظر وقوع شيخ حركة النهضة في فخ الانقلاب ليضعه وصحبه تحت طائلة العدالة ، وهم الذين وصفهم بجماعة متناقضة مع الدولة ومن ثمة يحل البرلمان وفق الفصل 72 القائل إن “رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها يضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور “؟
وهذا معناه انه لم يستقدم ولم يستأخر مرة أخرى وأن خطوته الأخيرة لم تكن اضطرارية وانما اختيارية . ولا يخلو هدا التأويل من وجاهة فقدد قال الرئيس نفسه قبل أيام قليلة أنه لم يحل البرلمان لأن الدستور في فصله 80 لا يمكنه من ذلك ، و مع اعتباره الآن أن الأمر يتعلق بمحاولة انقلابية وجد كما قلنا السبب لتفعيل الفصل 72.
لقد كان حل البرلمان رد فعل على اجتماع نواب مجمد ين واتخاذهم قرارات استفزازية واذا كان من المُرجح بنسبة ضئيلة أننا سنكون خلال الأيام القليلة القادمة ازاء ما يشبه لعبة كرة الطاولة ، قرار من هنا وقرار من هناك ، حتى استقرار الكرة في هذا الجانب أو ذاك ، أو ربما انفجارها في وجه الجميع فإنه من المرجح بنسبة كبيرة وضع حد لذلك الاستفزاز بأمر القضاء وسلطته.
وبالعودة الى سياق الأحداث المُمهدة لهذا المنعطف ، نذكر زيارة السفيرة البريطانية لراشد الغنوشي بصفته رئيس برلمان ، وتصريحات مستشارة وزير الخارجية الأمريكية المسايرة لوجهة نظر الإسلام السياسي وحلفائه في اللعب على وتر الحريات ، وتهديدات مبطنة بعرقلة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بعد اغراق تونس في الاستعباد المالي . و خلال ذلك بدا أن البريطانيين والأمريكيين قد أضحوا قاب قوسين أو أدنى من التخلص من قيس سعيد ، وهو ما جازف الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي بالتعبير عنه عندما قال إن بديله قد أضحى جاهزا .
ولكن شعبية قيس سعيد كانت دوما تقف كصخرة ، ثم كانت زيارة مفوض الاتحاد الأوربي ، التي قلبت الحسابات الأمريكية ، و خطبته الطويلة في قصر قرطاج بالذات وما فيها من تعبير عن استعداد لتقديم الدعم السخي ، وهو ما فهم منه أن هناك صراعا بين الاتحاد الأوربي من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة ثانية على تونس .
ومن هنا استنتاج أن الانقلاب على 25 جويلية لن ينجح لجملة من الاعتبارات التي يجب أخذها في الحسبان، أولها الشعبية الكبيرة التي لا يزال يتمتع بها رئيس الجمهورية ، وثانيها كره الشعب العارم للغنوشي الحالم بعود ة قال قيس سعيد انها أبعد عنه من نجوم السماء، وثالثها وقوف المؤسسة الأمنية العسكرية الى جانب الرئيس، ورابعها انحياز الاتحاد العام التونسي للشغل الى 25 جويلية ، و خامسها أن الدعم الدولي و الاقليمي والعربي المفترض للانقلاب سيقابله دعم آخر يتضمن دولا قريبة ومؤثرة ، مثل الجزائر ومصر والاتحاد الأوربي الذي لا تخفى تناقضاته مع أمريكا وإنكلترا ، وهو العالم أن غرق تونس في حرب أهلية معناه بقاء أوربا دون باب .
جريدة الأنوار.
2022-04-02