من يُراهن على الدم؟!
نبيه البرجي.
لا شك في أن هناك جهات عربية، وغير عربية، راهنت ولا تزال تراهن، على انفجار الدم في لبنان…
هذا، في نظرها، السبيل الوحيد لاحداث تغيير دراماتيكي في المعادلة الراهنة، وقد تعدى تأثيرها، بما في ذلك التأثير العملاني، حدود لبنان الذي لطالما نظر اليه على أنه الحلقة الأضعف في الطوق حول «اسرائيل».
الكلام ليس استنتاجاً. هنا ننقل حديث ديبلوماسي عربي لديه الكثير حول أحداث السنوات الفائتة، كما حول الأحداث الحالية. ثمة ندم كبير لأن التفجير لم يحصل حين كانت الحدود مع سوريا في حالة من التسيب والفوضى. وكانت الفصائل المسلحة قد اخترقت الحدود، وحولت سفوح السلسلة الشرقية، بما في ذلك بلدة عرسال، الى معسكرات للانطلاق الى ما هو أشد هولاً بكثير.
لا ننسى، في أي حال، الخلايا والشبكات التي انتشرت، عنكبوتياً، في العديد من المناطق اللبنانية.
بغطاء سياسي ومالي عربي، كان رجب طيب اردوغان يخطط لوصول تلك الفصائل الى مدينة طرابلس، ما يمهد لاقامة قاعدة بحرية تركية متقدمة شرق المتوسط. ما لبث أن تراجع بعدما ارتطم بلاءات غربية حادة. كان واثقاً من أن دمشق ستقع، بين لحظة وأخرى، بين يديه ليغدو الساحل السوري امتداداً للساحل التركي.
المشهد تغيّر كلياً. من حال دون ضرب طائرات «مجهولة» قوات حزب الله وهي تقاتل لاجتثاث قبائل ياجوج وماجوج من الجرود؟
الديبلوماسي العربي قال ان هناك جهات دولية مانعت في توظيف الحراك اللبناني لزعزعة الوضع الأمني، والدخول في لعبة دموية قد تفضي، وهي تفضي حتماً، الى زوال الدولة اللبنانية.
من الأسباب التي طرحت لتبرير ذلك الموقف أن الجيش الروسي، لا الجيش السوري، سيدخل، هذه المرة، الى لبنان، ما يشكل صدمة استراتيجية لاتساع دور الكرملين في نقاط حساسة من الشرق الأوسط. وكان الأسطول الروسي قد حط رحاله في مرفأ بيروت خريف عام 1773، ورفعت صورة الملكة كاترين على مدخل المدينة.
اللعبة تبقى في الاطار السياسي والاقتصادي. الفاتيكان، وتؤيده في ذلك فرنسا، يعتبر أن سقوط لبنان في أوديسه الدم يؤدي، تلقائياً، الى زوال الحالة المسيحية في هذا البلد الذي استحدث عام 1920 ليكون ملاذاً مقدساً للمسيحيين.
حتى ابان الحرب الأهلية لم يدخل لبنان في مثل هذا النفق. ما يقال في المحافل الدولية عن الطبقة السياسية يثير الخجل. في كل بلدان المنطقة تستشري ظاهرة الفساد، كخيار فلسفي وأخلاقي، بوجود البنى التوتاليتارية للأنظمة. في لبنان، الفساد تجاوز كل الحدود. ادارة الدولة تمت بطريقة جهنمية. صفقات سوداء في غياب أي رؤية، أو أي استراتيجية، تتعلق حتى بمعالجة قضية القمامة.
انفصال تام بين الأوليغارشيا والرعية. مشكلة الكهرباء الفضيحة ذات الأجراس. لو كانت هناك دولة لكان كل الذين تعاقبوا على الملف على الكرسي الكهربائي.
الاتجاه الآن الى تشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري، وتحت وصاية صندوق النقد الدولي. مثلما تمكن من وضع الأطراف أمام أمر واقع (أنا أو لا أحد)، لدى هذه الأطراف أوراقها التي تتقن استعمالها لاحراقه. ولكن ألا يفضي احراقه الى احراق كل المراكب؟
التآكل الاقتصادي، والمالي، قي ذروته. في مؤتمر باريس قيل للوفد اللبناني «بينكم وبين الانهيار خيط العنكبوت». أي حكومة تأتي، ويفترض أن تأتي في الحال، لن يكون لها أي تأثير على المسار الديبلوماسي، والاستراتيجي، للبلاد.
ثمة معادلة تستحيل زعزعتها. من فضلكم، أعطوا الضوء الأخضر…!
2019-12-15