من كتاب «المفارقة اليهودية» لغولدمان!

رنا علوان
اسمع يا ناحوم … لقد أصبحت على مشارف السبعين من عمري … فإن سألتني ما إذا كان سيتم دفني إثر موتي ، في دولة إسرائيل لقلت لك …نعم … فبعد عشر سنوات أو عشرين سنة سيبقى هنالك دولة يهودية… ولكن إذا سألتني ما إذا كان ابني عاموس ، الذي سيبلغ الخمسين من عمره في أواخر السنة الجارية (1956) … سيكون له الحظ بأن يدفن بعد موته في دولة يهودية فسوف أجيبك … 50% إحتمال … قاطعه ناحوم غولدمان مذعورًا [ كيف لك أن تنام على هذا التوقّع فيما أنت رئيسٌ لحكومة إسرائيل؟؟؟…!!! …] فأجابه بعمق وهدوء وحزن … ومن قال لك إنني أعرف ما هو النوم يا ناحوم
يصف ناحوم غولدمان بدقة الوضع النفسي لبن غوريون الذي خصّه بثقة لم يمنحها لأحد غيره ، إذ جعل منه صندوق اسراره
ويُعلق ناحوم على ما سمعه من بن غوريون بعد هذا الباع الطويل مع الحنكة السياسة والدهاء “برأيه” قائلاً … «لقد فجعني هذا التشاؤم»… واراد ان يُفسر هذا التناقض الصارخ عند بن غوريون ، ما بين هذا المنطق و… السلوك القائم على القوة العسكرية ولا شيء غير القوة العسكرية
إن الطبع العدواني والعنيد لبن غورين يجعله غير قابل على إجراء أي تنازلات ، وهذا الطبع هو الذي منعه من الإصغاء إلى بنات افكاره … ويستطرد غولدمان أن الدليل القاطع على ذلك هو أن [ابتعاد بن غوريون عن السلطة سمح لذكائه بأن يأخذ حقه… فأعلن على الملأ ضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة (1967) ما عدا القدس]
بن غوريون كان يتوقع أيضًا الأسوأ لهذا الكيان الذي شارك في تركيبه ، وهو أحد آبائه الثلاثة [حاييم وايزمن وديفيد بن غوريون وناحوم غولدمان]
الأول انتزع وعد بلفور ، والثاني قاد العمل العسكري على الأرض وأمر بالمجازر ضد الفلسطينيين وبتهجيرهم ، والثالث نظّم حملات المستوطنين وجمع الأموال ونسج العلاقات الدولية
وكما هو معروف ، ان وايزمن كان يكره بن غوريون وينظر إليه بتعالٍ ، فيما غولدمان كان صديقًا لبن غوريون وبينهما مودّة مميزة تسمح لناحوم بأن يصارحه في أدقّ الأمور التي لم يكن أحد من القاده الصهاينة يجرؤ على طرحها
لقد كان بن غوريون في قرارة نفسه يعترف بحق الفلسطينيين ببلادهم من النهر إلى البحر ، بالتمام والكمال ، لكنه ابن الغريزة العنصرية وأسيرها أيضًا
وغريزته هذه هي جزء من تركيبة المخلوق الإسرائيلي
يُكمل غولدمان سردية حواره مع بن غورين ، فيقول : « لقد قلت له ذات يوم ، أنت نجحت في تحقيق ما لم يحققه أحد إلا الله من قبلك … ولم تكتف بخلق دولة إسرائيل … بل قمت بصقل اليهودي الإسرائيلي الجديد على صورتك أنت
… فصاح بي قائلاً : ألا ترى أن لا بأس في ذلك؟…» فأجابه غولدمان بجدية مطلقة : «لست متأكدًا من أنك نجحت في خلق الإسرائيلي»
لقد وجد ناحوم ، أن هذا الموضوع الذي كان يشكل هاجس الهواجس عند الأب المؤسس للكيان الصهيوني ديفيد بن غوريون ، والذي عاش ومات وهو مقتنع بحتمية زوال هذا الكيان بعزائم الأجيال الفلسطينية الجديدة ، بات يؤرقه هو أيضًا مذ تأكد منه
[ فبالنهاية ، سيكون هناك مواجهة كبرى لا مفر منها … وإن نتيجة المواجهة مؤكّدة … وكما توقعها بن غوريون … الزوال ]
لذلك نجد انه في أواخر أيامه ، حاول ناحوم غولدمان فتح صفحة جديدة في محاولة منه لجعل الكيان يتفكّك بأقل قدر ممكن من الكلفة البشرية
ففتح أمام منظمة التحرير الفلسطينية بوابات أوروبا بواسطة تلامذته ” النمسَوي برونو كرايسكي والألماني فيلي برانت والإيطالي برونو كراكسي والفرنسي بيار منديس فرانس”
وعند حصار بيروت في عام 1982 ، وتحديدًا في 3 تموز ، أصدر بيانًا مُنددًا بالاجتياح ومطالبًا بالانسحاب ، وشاركه في النداء منديس واليهودي الأميركي فيليب كلوتزنك ، وحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فكرة [التسوية السلمية] مُتأملاً نجاحها في تفكيك الكيان ، إذ كان يحتقر الساسة الإسرائيليين من بيغن إلى بيريز فرابين وغيرهم ، ويرى فيهم مصدر خطر على اليهود في العالم ، كما كان يحتقر جدًا حكام أوروبا ، فهو يعرف تمام المعرفة كرههم لليهود وسعيهم للتخلص منهم
ختامًا ، نحن في هذه القراءة لا نريد تلميع صورة ناحوم بل على العكس ، اردنا تسليط الضوء على فكرة القلق والخوف وعدم الشعور بالأمان الذي يعانون منه في هذه الأرض التي اغتصبوها ، وكيف ان لعنة الإغتصاب والسرقة ، لازمتهم حتى حرمتهم الهدوء النفسي ، وهو عذاب من الله يبدأ في عدالة الأرض الفطريّة ، رحمةً منه ، علَّ الإنسان الظالم يرتد ويتوب قبل ان ينصر الله الحق ، ويجزي الصابرين احسن الجزاء ، وكيف ان هؤلاء يعرفون نهايتهم الحتمية جيدًا
2024-01-17