مع دخول الحرب شهرها السادس :حصاد الدم غزة ذات الوجهين : المأساة والملحمة!
بقلم د. رفعت سيدأحمد
*مع أجواء شهر الصيام ومع زفرات المسلمين في العالم أجمع علي ما يجري من دمار وقتل لم يسبق له مثيل في قطاع غزة الفلسطيني ؛تدخل الحرب الوحشية الاسرائيلية شهرها السادس بدون توقف وكأن ألة الذبح لا تشبع من دماء الاطفال والمدنيين العزل ..وحشية صغرت الي جوارها كل المآسي الانسانية عبر تاريخ المنطقة ..ولعل أبلغ ما يعبر عن مآساة الحرب هذا المشهد المؤلم ..حين سأل مذيعٌ لقناة فضائية عربية طفلًا فلسطينيًا: «ماذا يريد أن يكون عندما يكبر؟»، فأجابه الطفل قائلًا:«نحن أطفال غزة لا نكبر، لأنَّ الاحتلال يقتلنا، ونستشهد».!! تلك هي قصة غزة وفلسطين منذ 1948 وحتي اليوم ..قصة تجمع ثنائيتين دائميتين :ثنائية البطولة والالم وثنائية المآساة والملحمة.. ثنائية عالية الرمزية تلخصها الاية الكريمة﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾: النساء (104) ..ثنائية الالم والايلام المضاد للعدو ..فماذا عن حصاد تلك الثنائية بعد ستة أشهر من الحرب الدامية ؟ ****************
أولا : الحصاد الدامي فلسطينيا:
إن الحقائق علي أرض غزة تقول إن حصاد العدوان بعد ستة أشهر هي إستشهاد واصابة واعتقال وفقدان عشرات الآلاف، حيث استشهد عدد أكبر مما أوردته التقارير الرسمية لان ثمة مدفونين ومفقودين تحت الركام ..والترجيحات تصل بعدد الشهداء الي سبعين ألف شهيد %70 منهم من الأطفال والنساء، واصابة أكثر من مائة ألف جريح، من الفلسطينيين الأبرياء المدنيين العُزَّل من الأطفال والنساء والفتيات والشبان والشيوخ والعجائز والمرضي والمقعدين والعَجَزة، أكثر من نصفهم أصيبوا بجراحٍ خطرة، من بينهم أكثر من ثلاثين ألف جريح أصيبوا بإعاقات وعاهات دائمة، وفقد أكثر من 30ألف طفل فلسطيني أباءهم ومعيليهم وأصبحوا أيتام الأب، وهناك من الأطفال من فقد الأبوين أو جميع أفراد الأسرة والعائلة، ومسح الاحتلال المجرم أكثر من خمسة ألاف أسرة من السجل المدني بشكلٍ كامل، ودمرَّالبنية التحتية بشكلٍ كامل في قطاع غزة وحوالي 80%من المباني والمساكن والأحياء، وجميع الجامعات والمقار والمؤسسات والأجهزة الحكومية والبلدية، ومعظم المدارس والمساجد والكنائس والمؤسسات والجمعيات الخيرية والاجتماعية ، إضافة إلى المقابر ومقامات الأولياء والصالحين، وكذلك قصف وتدمير جميع الأماكن والمباني والمواقع الحضارية والأثرية والتاريخية، في مقدمتها المساجد الأكثر قِدَماً وعراقةً في فلسطين والعالم الإسلامي، وفي مقدمتها المسجد العمري الكبير في غزة، والذي تم بناءه في الأعوام الأولى للهجرة النبوية الشريفة، وهو أول مسجد بُني خارج الجزيرة العربية وفي فلسطين وبلاد الشام وعلى ساحل المتوسط، ومسجد السيد هاشم الذي شُيدَّ على أكناف مقام الجد الأكبر للرسول (صلى الله وبارك وسلم عليه واله)، وهو ثاني المساجد التي تم بناءها في فلسطين وبلاد الشام.
وسرق ونهب الجنود المجرمون البيوت وخاصة الأموال والمجوهرات وجميع المقتنيات الخاصة الثمينة والمؤسسات والبنوك والوثائق والمخطوطات التراثية والآثار وكل شيء له علاقة بالتاريخ والحضارة، ودمَّروا الأرشيف البلدي والوطني، وسرقوا شهادات وسجلات الملكية (شهادات الطابو) والأرشيف والسجلات القضائية، وسرقوا كل ما طالته أياديهم القذرة على امتداد قطاع غزة، وبلغت الإحصائية التقديرية الأولى لحجم مسروقاتهم من البيوت (فقط)، مالا يقل عن مليار دولار، بينما زادت قيمة مسروقاتهم من بنك فلسطين وبعض البنوك الأخرى من الأموال السائلة والودائع النقدية أكثر من نصف مليار دولار، بينما المقتنيات الثمينة والوثائق التاريخية والمخطوطات والكتب النادرة والنفائس التي سرقوها من المنازل والمساجد والمؤسسات، لا يمكن تقديرها بثمن.
*******************
ثانيا :حصاد الحرب إسرائيليا :
وكما تألم الفلسطينين ودفعوا ثمنا باهظا وتضحيات عظام فإن العدو تألم أيضا ولم يكن في نزهة ..حيث يقول حصاد الحرب وخسائرها إسرائليا أن المعتدي الاسرائيلي تكبد نتيجة المقاومة الباسلة ضده خسائر وصلت إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي لاسرائيل مع تراجع النمو الاقتصادي للعام الجاري بمقدار 1.1 نقطة مئوية بعد خسائر متوقعة قدرها 1.4 نقطة مئوية العام الماضي،
فيما قدر الخبراء الخسائر المالية للحرب بعد ستة اشهر من إندلاعها بنحو (60 مليار دولار) هذا بالاضافة الي أن الخسائر المالية ليست فقط هي ما خسره الاسرائيلي إذا ثمة خسائر أخري كبيرة حيث سقط مفهوم الامن القومي الاسرائيلي بشكا مؤكد رغم الدم والمجازر التي يحاول جيش الاحتلال استعمالها للتغطية علي سقوط هذا الامن وأهتزازه تاريخيا فضلا عن أنه لا يزال 132 أسيراً إسرائيلياً محتجزين في غزة.
كما أن شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تراجعت بشكل مزلزل وكبير وسط خلافات كبيرة تعصف بتماسك حكومة الحرب المصغرة.والتي مصيرها السجن إن توقفت الحرب ولذلك هو يرفض ذلك ويستمر في الايغال في الدم الفلسطيني .. بالاضافة – كما ذكر الخبراء في الندوة-إلى ذلك، غصت العديد من العيادات النفسية في البلاد بمرضى سواء من الجيش أو غيره من المستوطنين
كذلك،من خسائر الحرب تنامي التأييد الدولي الواسع للحق الفلسطيني وإعادة إحياء القضية بعد سبات طويل مع صعود دور القانونين الدوليين ضد اسرائيل وخاصة بعد قرارات ومحاكمات ( محكمة العدل الدولية )
يضاف إلى كل ذلك، خسائر في صفوف جيش الاحتلال زادت علي الالف وخمسمائة قتيل مع إطلاق أكثر من ١٥ ألف صاروخ من غزة ولبنان وسوريا نحو القلب ( العسكري والاستيطاني )للكيان المحتل
————————————————-
*************** خلاصة الامر بعد ستة أشهر من الحرب ومقاومتها أن (المأساة -الملحمة )ستستمر ولسنين آخري قادمة لان إسرائيل مشروع إستعماري توسعي بالاساس وهو لن يتوقف ولكي تعود غزة الي دورها و لكي يتم إفشال مخطط الابادة الهادف لإخراج غزة من ( الجغرافيا).. الي ( التاريخ).. فلابد من أدوار عربية فعالة لاتكتفي بالكلام وجلد الذات والهجوم علي بعضنا البعض .. إن المشاركة والمساندة العربية الواسعة بكافة السبل (لان فلسطين قضية الامة وليست قضية الفلسطينين فقط )..هكذا يؤكد التاريخ والحقائق الجغرافية والاستراتيجية ) هذة المشاركة العربية الفعالة ..هي الامل في عدم ضياع فلسطين وليس غزة فقط.. والله أعلم
2024-03-22