ماركو روبيو وتيد كروز ومورغان أورتاغوس: ثلاثي تجمعه «عقدة خليج الخنازير»!
الطيب الدجاني*
ثلاثة مؤثرين وفاعلين بالسياسة الخارجية الأميركية يجمعهم، وذويهم وذاكرة دوائرهم الجمعية في ولايتي فلوريدا وتكساس، الفشل الذريع والهزيمة في خليج الخنازير.
الأول، هو كوبي الأصل من ناحية أبيه وأمه، المدعو ماركو روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية في رئاسة ترامب الحالية، والذي يتمتع بتاريخ طويل في العمل السياسي المؤيد للكيان الصهيوني، وهو معروف بمواقفه العنصرية المحافظة على الصعيدين المحلي والدولي، والمغالاة في قضايا مثل الهجرة مع كونه الابن الأكبر لمهاجرين، وفي الاقتصاد ينتمي إلى مدرسة الرأسمالية المتوحشة، وفي السياسة الخارجية يجاهر دائماً بدعمه للصهيونية وللحرب والغزو العسكري، ولا يزال أحد الأسماء البارزة في الحزب الجمهوري المرشحة لخلافة ترامب.
أمّا الثاني، فهو تيد كروز، السناتور من تكساس ذو الأصول الكوبية أيضاً، والمرشح السابق والمستقبلي للرئاسة. وقد كان والده رفائيل كروز أحد عملاء وكالة الاستخبارات الأميركية (السي أي إيه) حتى تقاعده ليضحي مبشّراً بالأساطير التلمودية والصهيونية وقساً من قساوسة البروتستانتية المتعصبين. ومن المعروف أن نشأة تيد كروز التكساسية جعلت منه، كما رعاة البقر الذين استولوا على ولاية تكساس في الحرب على المكسيك عام 1836، مستمسكاً بثنائية المسدس والدولار، حيث يتحصل المرء على حيثيته ومكانته في تكساس من كونه غنياً ومسلحاً من جانب، ومؤمناً من جانب آخر بالخزعبلات ذات الصلة بنصرة الصهاينة وكيانهم الغاصب في فلسطين للتعجيل بظهور سيدنا المسيح عيسى بن مريم وحكمه الأرض لألف سنة.
على صعيد متصل، من المعلوم أنه في عام 1821، أصبحت المكسيك دولة مستقلة عن إسبانيا، وأضحت تكساس إثر ذلك جزءاً من المكسيك. ورغم أن المكسيك كانت قد منحت أراضيَ لرعاة البقر من المستوطنين الأميركيين في تكساس في محاولة لتطوير المنطقة، إلا أن العلاقات بين المستوطنين الأميركيين والحكومة المكسيكية تدهورت بسبب أطماع رعاة البقر والاختلافات الثقافية والسياسية والدينية واللغوية. وفي عام 1835، بدأ المستوطنون الأميركيون في تكساس بالتمرّد ضد السلطة المكسيكية.
وفي 2 آذار 1836، أعلنت جمهورية تكساس استقلالها عن المكسيك. وفي 21 نيسان 1836، تم تحقيق الحسم في معركة سان جاسينتو، حيث هُزمت القوات المكسيكية بقيادة الجنرال أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا، وتم أسر سانتا آنا نفسه. وكانت النتيجة أن وُقّعت اتفاقية بين ولاية تكساس والمكسيك في أيار 1836، حيث اعترف الجنرال سانتا آنا في النهاية بالاستقلال الفعلي لتكساس. ورغم أن المكسيك لم تعترف رسمياً باستقلال تكساس في البداية، فإن جمهورية تكساس استمرت كدولة مستقلة حتى عام 1845، عندما انضمت تكساس مختارة إلى الولايات المتحدة كولاية.
أمّا ثالثة الثلاثة، فهي مورغان أورتاغوس، ذات الأصول المختلطة، حيث الأم من أصل ألماني والأب من أصل ياباني والزوج الضابط السابق في البحرية الأميركية من أصل كوبي في أصح الروايات. نشأت أورتاغوس في بيئة ميامي حيث مركز الجالية الكوبية المناهضة للثورة في كوبا ولكاسترو. فتبلورت عقيدتها السياسية والدينية لتضحي كسابقيها مؤيدة للصهيونية الغربية وللحرب والغزو والمجاهرة بدعم اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني.
لقد عُيّنت أورتاغوس أخيراً مبعوثة خاصة للولايات المتحدة إلى لبنان في إدارة ترامب خليفةً لهوكستاين. وكانت قد عملت في مناصب عدة داخل وزارة الخارجية قبل ذلك منها متحدثة رسمية باسم الوزارة، و«مستشارة». وكانت قد عملت في مجالي الإعلام والتمويل خاصة ما يتصل بالترويج للحروب الخارجية الأميركية التوسعية. ومعلوم تطور ارتباط عقيدة الجيش الأميركي بعقيدة السمو القومي والتفوق العرقي للرجل الأبيض كما اضطراد تطور ارتباط عقيدته القتالية بالفاشية والصهيونية الغربية وقيامه مع الكيان «ذراعه الخبيثة في العالم العربي» بحروب الإبادة والمجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إنّ علاقة الثلاثة المذكورين أعلاه بخليج الخنازير ملتبسة وعميقة، فالمعروف جغرافياً أنه خليج يقع على الساحل الجنوبي الشرقي لكوبا، ويشتهر بكونه موقعاً لحدث تاريخي مهم في الحرب الباردة، هو غزو خليج الخنازير في عام 1961. هذا الحدث كان محاولة فاشلة من قبل مجموعة من المنفيين الكوبيين المدعومين من الولايات المتحدة للإطاحة بنظام فيدل كاسترو الثوري في كوبا. ففي ذروة الحرب الباردة، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا متوترة جداً بعد أن تولى كاسترو السلطة عام 1959، حيث أعلن النظام الكوبي الجديد اشتراكياً.
فقرّرت الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دوايت آيزنهاور، ثم الدولة العميقة في عهد جون ف. كينيدي، دعم مجموعة من الكوبيين المنفيين لتدريبهم وتجهيزهم للقيام بغزو عسكري بهدف الإطاحة بنظام كاسترو. وفي 17 نيسان 1961، بدأت العملية بالغزو الفاشل لقوة من المنفيين الكوبيين في خليج الخنازير، حيث كانت العملية سيئة التخطيط، وفشل الغزاة في الحصول على الدعم المحلي من الشعب الكوبي كما كانوا يطمحون. وكانت القوات الكوبية بقيادة كاسترو قوية ومنظمة بشكل جيد، ما أدى إلى هزيمة عملاء «السي أي إيه» الكوبيين. بعد ثلاثة أيام من المعارك، استسلمت قوات الغزو، ما أدى إلى سقوطهم في الأسر.
لقد كانت التأثيرات النفسية على المنهزمين كبيرة. فتولدت عقدة خليج الخنازير، وبعدها بعقد من الزمان تولدت عقدة فييتنام التي زادت من حدة عقدة خليج الخنازير عند الكوبيين في ميامي، حيث كان غزو خليج الخنازير نقطة تحول كبيرة في علاقتهم مع الحزب الديموقراطي وأجهزته في الدولة العميقة والحكومة الأميركية. فبينما كان عدد من الكوبيين في الولايات المتحدة يأملون في نجاح الغزو للإطاحة بكاسترو، فإن فشل الغزو تركهم في وضع حرج وأدى إلى مشاعر خيبة أمل وغضب تجاه السياسة الأميركية الليبرالية في تلك المدة، والتي مثلها حكم الرئيس كينيدي. وبعد الغزو الفاشل، بدأ عدد من الكوبيين في ميامي ينظرون إلى السياسة الأميركية الليبرالية بحذر أكبر، وتزايدت مشاعر العداء تجاه كاسترو والحزب الديموقراطي في آن واحد. وأدت هذه الأحداث إلى تعزيز انتمائهم إلى جانب الصقور في الحزب الجمهوري.
لقد كان غزو خليج الخنازير نقطة تحول في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا. وزاد هذا الفشل من تأكيد كاسترو توجهاته الاشتراكية ثم الشيوعية، كما زادت التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق. فكانت هذه الغزوة من العوامل التي أسهمت في تصاعد الأزمة الكوبية في عام 1962، والتي كانت ذروتها في أزمة الصواريخ الكوبية عندما اكتشف الأميركيون وجود صواريخ نووية سوفياتية في كوبا. وفي السنوات التالية، أسهمت عقدة خليج الخنازير في تشكيل نظرة الجالية الكوبية إلى السياسة الأميركية الخارجية.
وكانت ميامي بمنزلة قاعدة للمعارضة الكوبية المستمرة ضد كوبا وكاسترو. وعززت هذه الحادثة شعوراً بالانفصال بين الكوبيين في ميامي وشعبهم في جزيرة كوبا، واستمرت الأجيال الكوبية المتعاقبة في ميامي بدعم السياسات الصهيوأميركية التوسعية الهادفة إلى الهيمنة على مقدرات وثروات العالم والوطن العربي بشكل خاص.
* كاتب وباحث فلسطيني
2025-04-05