ماذا عن التطبيع بعد طوفان الأقصى؟
ميادة إبراهيم رزوق –
يعني “التطبيع” إقامة علاقات طبيعية مع كيان الاحتلال الصهيوني ومؤسساته وأجهزته و(مواطنيه)، ومن ذلك المشاركة في الأنشطة والمبادرات التي تجمع العرب مع كيان العدو الصهيونيّ، مؤسساتٍ كانوا أم أفراداً. وهناك عدة أنواع للتطبيع العلني أو السري، أهمها التطبيع (السياسي، والاقتصادي، والأمني، والثقافي، والإعلامي). ومن أهم أشكال التطبيع الأنشطة التي تهدف إلى التعاون العلمي أو المهني أو الفني أو الرياضي أو الاجتماعي (النسوي أو الشبابي)، بما يعمل على إزالة الحواجز النفسية بين الطرفين بغرض التقارب، وبالتالي تجاهل حالة العداء والحرب القائمة بين الشعب العربي والاحتلال الصهيوني، والاعتراف بمشروعية كيان الاحتلال الصهيونيّ على حساب الأرض والشعب الفلسطيني، وتجاوز حقيقة أن الشعب الفلسطيني شعب محتل من قبل كيان الاحتلال الصهيوني.
مر التطبيع بعدة مراحل بدأ أولها بزيارة الرئيس أنور السادات القدس المحتلة لمخاطبة الكنيست عام 1977، ثم توقيعه اتفاق كامب ديفيد عام 1978، ثم “معاهدة السلام” بين مصر وكيان الاحتلال الصهيونيّ عام 1979. وتخلل ذلك مفاوضات كثيفة نتج عنها توقيع المعاهدة التي تلخصت بما جاء في المادة الثالثة منها، والتي نصت على ما يلي: “يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد انتقال الأفراد والسلع”.
تلا ذلك الخطوة الأخطر من قبل منظمة التحرير الفلسطينية التي توجت بتوقيع اتفاق “أوسلو” عام 1993، والذي نص على أن يعترف كيان الاحتلال الصهيوني بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، مقابل اعتراف منظمة التحرير بكيان الاحتلال الصهيوني على 78% من الأراضي الفلسطينية، علماً أن هذه الاتفاقية لاقت رفضاً كبيراً في الشارع الفلسطيني والعربي حتى هذه اللحظة.
توالت بعد ذلك الاتفاقيات والمعاهدات، وتشعبت العلاقات بين كيان الاحتلال الصهيوني والدول العربية (وغير العربية التي كانت تقاطع العدو الصهيوني دعماً للقضية الفلسطينية)، وكان من أبرزها معاهدة السلام أو ما يعرف باتفاق “وادي عربة” بين الأردن وكيان العدو الصهيونيّ عام 1994، والتي تضمنت اعتراف كلا الطرفين بسيادة الأخر، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الطرفين، وتوزيع مياه نهر الأردن وأحواض وادي عربة الجوفية بين الأردن وكيان الاحتلال الصهيونيّ، بالإضافة إلى حرية تنقل الأفراد والسلع بينهما.
كانت تلك الاتفاقيات بداية العلاقات المباشرة (الرسمية العلنية) بين العرب وكيان الاحتلال الصهيونيّ، وتشير دراسة نشرت في مجلة “شؤون فلسطينية” أنه في عام 2006 كان لدى كيان الاحتلال علاقات تجارية مع 11 دولة عربية، وأن مجمل صادرات كيان الاحتلال إلى تلك الدول العربية بلغ 410 مليون دولار وارتفع خلال السنوات اللاحقة.
نتيجة لذلك، وعلى مدار العقدين السابقين فتحت العديد من المكاتب التمثيلية والتجارية بين عدد من الدول العربية وكيان الاحتلال، ولو بشكل غير علني وبأسماء وهمية، وجميع هذه العلاقات كان الرابح فيها كيان الاحتلال فقط، فقد حقق هدفين في آن واحد من تطبيع علاقاته مع الدول العربية:
- ترسيخ وجوده وتأثيره في المنطقة العربية، وزعزعة التمسك بالثوابت العربية والإسلامية، وبالتالي التخلي عن القضية الفلسطينية، قضية التحرر من الاحتلال الصهيونيّ.
- 2 الأرباح التي حققها كيان الاحتلال الصهيوني نتيجة العلاقات التجارية مع الدول العربية، فقد بلغت على سبيل المثال قيمة الصادرات الصناعية لكيان الاحتلال إلى الدول العربية عام 2008 أرقاماً لافتة للنظر. وبعد مصر والأردن، جاءت الإمارات في المرتبة الثالثة، حيث بلغ حجم الصادرات الصناعية لكيان الاحتلال للإمارات 25,5 مليون دولار، يليها المغرب بـ 17,2 مليون دولار، ولم تتضمن هذه الأرقام صادرات كيان الاحتلال من المجوهرات والمصوغات الذهبية، والتي بلغت ما صدر منها لسوق دبي فقط 200 مليون دولار، ناهيك من صفقات الأسلحة التي لا يعلن عنها في الغالب.
وبعد الفشل في ترويض الجماهير العربية على فكرة التطبيع، وبالتعاون بين كيان الاحتلال الصهيوني وبعض الأنظمة الرجعية، ومن خلال بعض النشاطات الفكرية والثقافية للترويج لفكرة التطبيع ومقبولية وجود كيان الاحتلال الصهيوني كجزء من نسيج المنطقة بهدف تصفية القضية الفلسطينية، تبلورت نسخة جديدة من اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام)، أو اتفاقيات السلام مقابل السلام، في عام 2020، بين كيان الاحتلال الصهيوني وكل من البحرين والإمارات والسودان والمغرب.
رؤية شمعون بيريز للتطبيع كاستراتيجية هيمنة
ولمناقشة مراحل التطبيع ومآلاته بأشكاله ونسخه المختلفة لا بد من العودة إلى البدايات. وبقراءة متأنية لاستراتيجية أمن وبناء مشروع كيان الاحتلال الصهيونيّ، كان حلم ديفيد بن غوريون مؤسس كيان الاحتلال رؤية (إسرائيل الكبرى) التي تمتد حدودها حيث يصل حذاء الجندي “الإسرائيلي” الأخير، أما شمعون بيريز فقد أدرك استحالة تحقق (إسرائيل الكبرى) فبحث عن نظرية وجودية أخرى تتحدث عن (إسرائيل العظمى) ليس بحدودها الجغرافية، بل بحدودها الأمنية التي تصل إلى مياه الخليج وبحر العرب وباب المندب، وحدود اقتصادية تتحقق وفق مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تحدث عنه في كتاب يحمل ذات العنوان، صدر عام 1993.
يحمل الكتاب بين ضفتيه أفكاراً ومقترحاتٍ وخطةَ عمل يتم تطبيقها على مراحل وفق تحليل واقعي مفاده أن الاستراتيجية التقليدية والقائمة على “الوقت والكم والفراغ” سقط مضمونها مع التطور التكنولوجي وتطور الصواريخ الباليستية، الأمر الذي أبطل عامل الوقت بسبب سرعة الصواريخ، وتجاوزها لمسافات شاسعة في وقت قياسي، وكذلك عامل الفراغ، حيث أبطلت الصواريخ جدوى الموانع الطبيعية، والكم، حيث تستطيع الصواريخ تجاوز الأسلحة والعتاد المتراكم، وبالتالي سقطت نظريات العمق الاستراتيجي، ليكون الاقتصاد أو المصلحة هو العقيدة البديلة، حيث تذوب وتتلاشى كل العقائد المتعلقة بالصراع سواء كانت قومية أو دينية بفعل المصالح الاقتصادية والرخاء والقضاء على الفقر، والذي لن يتحقق سوى بالسلام، فرسم في الكتاب نظاماً إقليمياً جديداً، وبخطط اقتصادية ضخمة، مع التأكيد على فشل الحرب وأهمية السلام، السلام الذي لا يخفي استراتيجية كيان الاحتلال التوسعية، والتي تقوم على ضرورة استمرار هيمنته على المنطقة مع اختلاف الوسيلة، مؤكداً أن الحروب التي خاضها كيان الاحتلال الصهيوني لم تستطع أن تضمن له الأمن والنصر النهائي، وهذا ما أثبتته حرب الأيام الستة عام 1967، التي تلتها قمة الخرطوم، قمة اللاءات الثلاثة، لا للاعتراف، لا للصلح، لا للتفاوض، وبعدها بأيام قليلة أطلق الزعيم جمال عبد الناصر شعار “ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة”.
لتتدحرج الأحداث إلى عام 1973 حرب تشرين التحريرية، الذي أنهى عهد السكينة لكيان الاحتلال الصهيوني، وفجر ثقته المنفوخة بالنفس، وعرضه إلى خسائر فادحة، فلم تعد الحرب عديمة الغاية فقط، بل إن الرغبة في حكم أمة أخرى والسيطرة عليها لم تعد ممكنة، وترسخت هذه القناعة مع الحرب على لبنان عام 1982. لذلك، ووفقاً لهذا الكتاب، تحدث شمعون بيريز عن نظام إقليمي “شرق أوسطي” على غرار الاتحاد الأوروبي، وبالتالي الانتقال بـ”الشرق الأوسط” من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام بتطوير بنية تحتية تلائم العصر الجديد من السلام ببناء الطرق وتمديد خطوط السكك الحديدية، وتحديد المسارات الجوية وربط شبكات النقل وتحديث وسائل الاتصالات، وتوفير النفط والماء في كل مكان، وإنتاج البضائع والخدمات عن طريق الكمبيوتر، بما يفتح حياة جديدة فيه، لتأتي “صفقة القرن”، و(اتفافيات أبراهام)، ورؤية محمد بن سلمان 2030 (مشروع نيوم)، وما سبق ذلك مما سمي ثورات (الربيع العربي)، وفيما بعد تفجير ميناء بيروت، والممر الهندي الأوروبي، في صلب هذا المشروع، وتنفيذاً لتفاصيله.
رؤية بنيامين نتنياهو للتطبيع: “السلام مقابل السلام” وتصفية القضية الفلسطينية
في ذات الاستراتيجية، واستكمالاً لمشروع بيريز، تحدث بنيامين نتيناهو في كتابه “مكان تحت الشمس”، والذي صدر عام 1993، عن كيفية الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، مع الانتقاد الشديد لمبدأ التفاوض مع الفلسطينيين والعرب عموماً الذي كان قائماً على مبدأ “الأرض مقابل السلام” ليستبدله بمبدأ “السلام مقابل السلام” الذي اعتمده ضمن رؤيته الشاملة، والذي تم ترجمته فعلياً بعدم قابلية التفاوض على الجولان السوري المحتل باعتباره يشكل العمق الاستراتيجي لكيان الاحتلال الصهيوني، ووضع كامل مدينة القدس تحت سيادة كيان الاحتلال الصهيوني، وإعلان نيته ضم غور الأردن والضفة الغربية، إضافةً إلى ضمان استمرار التفوق العسكري والتكنولوجي لكيان الاحتلال الصهيوني في المنطقة، واستكمالاً للواقع المستقبلي الذي يسمح لكيان الاحتلال بأن يأخذ مكاناً بارزاً تحت شمس المنطقة، أكدّ نتنياهو في أكثر من مكان من كتابه على أهمية التطبيع مع الدول العربية، وتحديداً الدول النفطية.
عزز نتنياهو رؤيته تلك في كتابٍ آخر بعنوان “الأيديولوجيا والسياسات” عام 1996، فكان هذا الكتاب بمثابة برنامج سياسي لحزب الليكود الذي أجمع عليه كيان العدو الصهيونيّ، والصهيونية العالمية، والذي يتضمن وجوب استسلام القيادات الفلسطينية والعربية للمخططات الصهيونية، والموافقة على ضم القدس والأغوار وتوطين اللاجئين خارج فلسطين، وإقامة الحكم الذاتي من خلال الوطن البديل في الأردن، وتصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع، وشطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، والاعتراف بيهودية الدولة، وترحيل فلسطيني الداخل إلى دولتهم الفلسطينية في الأردن، وإقامة (إسرائيل العظمى) الاقتصادية من خلال مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والتحالف الأمني مع الأنظمة الرجعية العربية خصوصاً في السعودية والأردن والإمارات لمواجهة قوى محور المقاومة والحكومات الوطنية في المنطقة العربية والإسلامية وبقية بلدان العالم، وفي تفاصيل الكتاب نقرأ وقائع ترمي إلى تخليد وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي والبلدان الإسلامية كأكبر كانتون يهودي معادٍ لشعوب المنطقة ظهر في التاريخ البشري، وبضرورة إنهاء الصراع العربي-الصهيوني، ولكن ليس، بالحل السياسي للقضية الفلسطينية، بل بتصفيتها.
نجح زعيم الليكود ومجرم الحرب مناحيم بيغن وبعد طرح الحكم الذاتي الفلسطيني عام 1977، بتكريسه وتكريس الاعتراف الفلسطيني خاصةً والعربي عامةً بكيان الاحتلال الصهيوني (ما يسمى “دولة إسرائيل”) بتوقيع اتفاقيات أوسلو ووادي عربة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والنظام الأردني عامي [1993 و 1994] كما أسلفنا أعلاه، فكانت بداية تنازلات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عن الوطن والقضية وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم.
استمرت ذات الاستراتيجية والمخططات الصهيونية، في حقبة رئاسة الحكومة من طرف حزب العمل الصهيوني، بالاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وبالتأكيد على أن القدس بشطريها المحتلين (عاصمة إسرائيل) الموحدة والأبدية، وبسيطرتها على الأرض والمياه والمعابر والحدود والأجواء وإقامة أكبر معسكر اعتقال في تاريخ البشرية، ومنح السلطة الفلسطينية صلاحية الحكم الذاتي الإداري المحدود، ومهمات قمع النضال الفلسطيني، ومحاربة المقاومة وترسيخ التعاون الأمني بين حكومة الاحتلال وأجهزة السلطة للحفاظ على أمن كيان الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه، وركز حزب العمل أيضاً على مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهويد فلسطين وإلغاء وجهها الحضاري العربي والإسلامي واستبداله بالهوية اليهودية و”الشرق أوسطية”.
سقوف تزداد انخفاضاً للعلاقة التطبيع مع العدو الصهيوني
كما تمكن بنيامين نتيناهو من خلال رئاسته لحكومات كيان الاحتلال الخمس الماضية من تحقيق جزء غير قليل من رؤاه التي شرحها في كتابيه، ابتداء من تطبيق مبدأ “السلام مقابل السلام” من خلال (اتفاقيات أبراهام) ونجاحه باختراق منظومة دول الخليج إضافةً إلى المغرب، وتوقيع اتفاقيات التطبيع مع أنظمتها السياسية، ونجاحه كذلك بإعلان دولته باعتبارها دولة قومية يهودية، وتكثيف الاستيطان، وانتزاع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار القدس عاصمة موحدة لـ (إسرائيل)، والتعامل مع الجولان المحتل باعتباره جزءاً لا ينفصل عن الكيان الصهيونيّ، فاستطاع أن يحطم اتفاقيتي أوسلو بتطويق القدس بالمستوطنات وتكثيف الاستيطان بشكل جنوني، حتى لم يعد بالإمكان الحديث عن تقسيم القدس أو “حل الدولتين”، وحاول بكل قوة السيطرة على سلوان وتفريغها من سكانها، وكذلك العمل على تفريغ عشرات ألوف الفلسطينيين من القدس الشرقية بالضغوط والتضييق وهدم البيوت ومصادرة الأراضي، ومنع أي فلسطيني جديد من دخولها.
وفي حكومته السادسة اليمنية المتطرفة والأكثر تشدداً في تاريخ كيان الاحتلال الصهيوني (اتفاق نتيناهو – بن غفير- سموتريتش) أمعن نتيناهو بتنفيذ رؤاه في كتابي “مكان تحت الشمس” و”الأيديولوجيا والسياسات” بخطى متسارعة، فسلم رئيس حزب العظمة اليهودية إيتمار بن غفير حقيبة الأمن القومي والتي تتضمن حقيبة الأمن الداخلي سابقاً مع صلاحيات أمنية موسعة، إضافةً إلى مواقع اقتصادية وأمنية أخرى حساسة تشمل ملف الاستيطان في الضفة الغربية، وصلاحيات شبه مطلقة على الأجهزة الأمنية ذات الاحتكاك بالفلسطينيين مثل قوات (حرس الحدود) التابعة لشرطة الاحتلال، والتي عمل من خلالها على تطبيق خططه، ومنها تغيير أوامر إطلاق النار على الفلسطينيين، لتغيير الوقائع في الضفة الغربية من خلال الترخيص لبناء مستوطنات جديدة، ومنح الترخيص للمستوطنات القائمة، وترحيل جزء من الفلسطينيين، وتطبيق عقوبة الإعدام على من يسميهم (المخربين)، وبالتالي واجه الفلسطينيون تحديات وجودية حقيقية كبيرة في ظل الواقع السياسي الجديد في كيان الاحتلال الصهيوني.
شكل هذا فرصة لتوحيد الساحات المقاومة ضد الاحتلال، وإلغاء مصوغات الجدل حول موضوع التسوية وحل الدولتين، وهذا ما أكدته مجزرة جنين في 19 يونيو/حزيران 2023 عندما توغَّلت قواتٌ من جيش كيان الاحتلال الصهيوني في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، والتي كانت بمثابة عملية استعراض للقوة واستخدام القوة المفرطة والممارسة الإجرامية للقوة، فكان الرد الفلسطيني السريع والقوي بتسارع عمليات المقاومة الجهادية والاستشهادية، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر عمليتي القدس في مستوطنة النبي يعقوب التي نفذها الشهيد خيري علقم ابن الـ21 ربيعاً، وفي حي سلوان التي نفذها الشهيد محمد عليوات ابن الـ 13 ربيعاً، اللتين حملتا أكبر صفعة لحكومة كيان الاحتلال الجديدة، وحسب تصريحات عدد من المحللين السياسيين على القنوات العبرية الصهيونية أنهما الأصعب منذ 15 عاماً، وبدل أن تكون المواجهة التي توقعها كيان الاحتلال قادمة من قطاع غزة أو من مخيم جنين، فإنّها جاءت من القدس التي ينظر إليها على أنها خاصرة رخوة أمنياً للاحتلال في ظل سهولة دخول وتنقل المواطنين الفلسطينيين هناك.
وبالتالي نتج عن تنامي البطش والإجرام الصهيوني، جيل فلسطيني متأهب متوثب قادر على اجتراح مسار جديد للمقاومة، كرس معادلات جديدة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة تنطلق من القدس المحتلة، تكشف مقدار القوة الفلسطينية، وفشل مجمل السياسات الاحتلالية في إعادة بناء الفلسطيني الجديد غير المتفاعل مع قضاياه الوطنية، والمؤمن بالتطبيع بل بالجنسية “الإسرائيلية” كفرد “غوييم” ضمن الدولة اليهودية.
فمثلت عمليات القدس البطولية من بعد معركة سيف القدس عام 2021، التي بقي سيفها مشرعاً لم يغمد، درساً قاسياً لكيان الاحتلال الصهيوني بمقدار ما هي درس للفلسطيني في القدرة على الرد، فالفلسطيني لا يُكسر، وكل التجارب تقول إن مقاوماً فلسطينياً واحداً وبأدوات بدائية قادر على الرد، بالإضافة إلى أن فصائل المقاومة في غزة يدها على الزناد وفق تصريح قادة الفصائل في غير مناسبة، وبأنها لن تسمح بتفكيك المقاومة وتفريقها والاستفراد بالضفة الغربية، أو بمزيدٍ من انتهاكات المسجد الأقصى.
عملية طوفان الأقصى في سياق مناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني
حتى جاء يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، ذلك اليوم الموعود الذي نفذت فيه كتائب عز الدين القسام /الجناح العسكري لحركة حماس/ عملية عسكرية واسعة ضد كيان الاحتلال الصهيوني في الأرض المحتلة عام 1948 حملت اسم “طوفان الأقصى” سطرت فيها أروع الملاحم البطولية، فقضت القضاء على قوة غلاف غزة الصهيونية، وأسرت وجرحت الآلاف من الجنود والمستوطنين الصهاينة، تأكيداً على وحدة أرض فلسطين من النهر إلى البحر أولاً، ومن ثم رداً على تنامي سياسة البطش والاعتداءات المستمرة التي تشنها قوات كيان الاحتلال وحكومته الدينية اليمنية الفاشية المتطرفة، التي تضم غلاة المتطرفين الصهاينة، ضمن برنامج ممنهج لتهويد القدس وللسيطرة عليها بشكل كامل، ولهدم المسجد الأقصى، والسيطرة على الضفة الغربية برمتها، وطرد الفلسطينيين وتهجيرهم من بيوتهم وأراضيهم ومضاعفة عدد المستوطنين فيها، وحرق القرى والمدن التي يخرج منها المقاومون وإبادتها، واستمرار الاعتقال الإداري في السجون “الإسرائيلية” والتنكيل بالأسرى، بمن فيهم الفتيات والسيدات والأطفال، وتسميم المحتجزين ومنع الماء والهواء والغذاء والدواء ونور الشمس عنهم، وفرض أشد أنواع الحصار الخانق على قطاع غزة، مع تقدم مسار تطبيع العلاقات السعودية مع كيان الاحتلال الصهيوني بما يسفر عن تحول جيوسياسي كبير، يتضمن دمج كيان الاحتلال في المنطقة بمشاريع الربط الأمني والاقتصادي، وبناء نظام إقليمي جديد (الشرق الأوسط الجديد) وفق مشروعي شمعون بيريز وبنيامين نتيناهو كما ذكرنا أعلاه، يتسيده ويديره كيان الاحتلال الصهيوني، وبالتالي إنهاء الصراع العربي الصهيوني، وتصفية القضية الفلسطينية.
مع حكمة اختيار التوقيت بذكرى حرب تشرين التحريرية، “حرب أكتوبر” 1973، بما تحمله في العقل والوجدان العربي والفلسطيني من مخزون الفخر والعزة والكرامة، حيث كان هذا التاريخ محطة فاصلة بين الهزيمة وإمكانية النصر، بين العربدة والتفوق الصهيوني والبطولة والتضحية والكبرياء العربي.
نقلت عملية طوفان الأقصى الصراع مع الكيان المسخ وداعميه، رغم الهولوكست الصهيوأمريكية في غزة، وكل الدعاية الإعلامية الغربية لشيطنة حماس والمقاومة الفلسطينية، إلى مرحلة جديدة عناوينها الرئيسية “لم يعد هناك جيش إسرائيلي لا يقهر”، و”أمنية اجتثاث الوجود الفلسطيني من أرض فلسطين بالقوة لن تتحقق”، و”حلم تهميش القضية الفلسطينية من خلال التطبيع تبخر”.
فأسقطت عملية “طوفان الأقصى” صورة التفوق الاستخباري والتكنولوجي والأمني والعسكري الصهيوني، وحطمت هيبة كيان الاحتلال، وجعلت ردعه في خبر كان، وأتت كصاعقة للولايات المتحدة الأمريكية وكيان الاحتلال الصهيونيّ في آنٍ واحد، بآثارها المدمرة لمشاريع الرئيس الأمريكي جو بايدن بدفع مسار تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وكيان الاحتلال الصهيونيّ (توقف مسار التطبيع وفق تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان)، ونعي مشروع الممر الهندي-“الشرق أوسطي”-الأوروبي الذي يحتل كيان الاحتلال فيه موقع الريادة كمركز اقتصادي وتنموي، وبالتالي يمكن أن نقول بأن ما بعد طوفان الأقصى ليس كما قبله، ومعادلات المنطقة والإقليم قيد التغيير، فالتحول الذي أرساه محور المقاومة أظهر فاعليته في تغيير موازين القوى.
لقد غيرت عملية طوفان الأقصى المعادلة ليس فقط في قطاع غزة، إنما بشأن وجود كيان الاحتلال بالذات، وهذا ما أرعب كيان الاحتلال، وحمل بايدن على إشهار الحرب على حماس وغزة والمقاومة الفلسطينية، وكل من يحاول فتح جبهات موازية، وأرسلت الأساطيل الغربية وحاملة الطائرات الأمريكية إلى شرق المتوسط، حيث يعتبر كيان الاحتلال الصهيوني الذراع الفولاذية والثكنة العسكرية الأهم للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من دول الغرب الإمبريالي في المنطقة، وأي حرب ستندلع بتوسع عملية طوفان الأقصى بفتح جبهات أخرى ستؤدي إلى تغيير المشهد الاستراتيجي في منطقة غرب آسيا بما يقوض الوجود الأمريكي، بل كافة المصالح الأمريكية في المنطقة، بما فيها انحياز حلفائها التقليديين بعلاقاتهم نحو إيران وروسيا والصين، لذلك عملوا وما زالوا على دعم كيان الاحتلال الصهيوني لوجستياً واستخبارياً وأمنياً وعسكرياً لاستعادة موقعه ومهابته لضمان تفوقه، وعدم خسارته هذه المعركة، بل لتحقيق نتائج يتم التفاوض بناء عليها، مع التخطيط لحكومة جديدة لا تتضمن متطرفين وتلتزم بتعليمات الإدارة الأمريكية، ويأتي مواقف بعض الأنظمة الرجعية العربية منسجماً مع الموقف الأمريكي، ومغايراً لموقف الشعب العربي المتعاطف والمساند للشعب الفلسطيني سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال الاعتصامات والمظاهرات والمسيرات المليونية التي ترفع العلم الفلسطيني.
لا يمكن عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني أن نغفل عن أهمية الدور السوري، حجر رحى محور المقاومة، إذ رغم العشرية السوداء والحرب الكونية التي شنت على سورية، والتي كان أحد أهم أسبابها موقفها المبدئي من القضية الفلسطينية، ودعم قوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين المحتلة، لم تتخلَ سورية “قلب العروبة النابض” عن فلسطين ولم تحد بوصلتها عن القضية يوماً، بل عملت القيادة السورية بوسائل إعجازية، بالتعاون مع سائر أطراف محور المقاومة، لضمان وصول السلاح السوري إلى الداخل الفلسطيني المحتل، مع استمرار الدعم لفصائل المقاومة الفلسطينية.
وليس استهداف كيان الاحتلال الصهيوني خلال الأيام القليلة الماضية، ولعدة مرات، المطارات في دمشق وحلب إلا تحسباً وتهديداً لسورية من فتح جبهة الجولان، إلا أن هذا الاستهداف، مع استمرار ارتكاب المجازر الصهيونية بحق المدنيين في غزة /معظمهم من الأطفال والنساء/، ترافق مع استهداف القواعد الأمريكية في منطقة غرب آسيا من مختلف أطراف محور المقاومة، بما ينبئ بازدياد فرص اتخاذ قرار التوسع نحو حرب إقليمية، تضع وجود كيان الاحتلال الصهيوني تحت المقصلة.
وفي الختام تعيش حكومة نتيناهو بعد عملية طوفان الأقصى أحلك أيامها سواداً، إن لم نقل كيان الاحتلال الصهيوني برمته، مع ما سبق ذلك من أزمات حقيقية شديدة التعقيد داخل المجتمع بما فيه من انقسامات وشروخ وفساد في مؤسسة الجيش، بالإضافة إلى تنامي المعارضة الداخلية وتصاعد وتيرة الاحتجاجات وانضمام القطاع الاقتصادي، والتهديد بخروج رجال الأعمال والشركات ومغادرة فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، مع استمرار التغول والوحشية والسادية والعنصرية وأعمال العنف وانتهاك المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، واقتراف المجازر بحق الشعب الفلسطيني بشكل عام، وفلسطيني غزة بشكل خاص، لتؤول النتائج والتداعيات إلى مواجهة واسعة مع كيان الاحتلال الصهيوني إن أقدم على الاجتياح البري لقطاع غزة لن تكون ساحتها الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، بل قد تتدحرج إلى حرب كبرى تشترك فيها كل أطراف وقوى محور المقاومة التي تعاني من بطش الولايات المتحدة الأمريكية من خلال سياسات التقسيم والتجويع وسرقة الثروات والمحاصيل الزراعية أو إشعال الفتن والاضطرابات واستخدام أدواتها الإقليمية ومجاميع العصابات الإرهابية التكفيرية والانفصالية لتحقيق ذلك، من لبنان إلى سورية إلى العراق إلى إيران، وحتى صواريخ اليمن قد تكون شريكاً أساسياً في هذه الحرب التي تطرح وجود كيان الاحتلال الصهيوني على طاولة البحث وفق تصريحات قادة محور المقاومة… أو تجترح القوى الإمبريالية حلول تسوية تطيل أمد وجود كيان الاحتلال الصهيوني بضع سنين قادمة ثمنها رأس نتيناهو؟
لنسأل في الخلاصة: هل يمكن لمسار التطبيع بنسختيه القديمة والجديدة أن يستمر أو يتجدد وفق طوفان الجماهير العربية الذي ملأ الساحات نصرةً لأهل غزة ورفضاً لوجود كيان الاحتلال الغاصب لأرض فلسطين العربية؟
طلقة تنوير 90*
2023-11-02
