ماذا بعد عملية باريس؟
د. اعلية علاني- جامعة منوبة . تونس
يوم الجمعة 13 نوفمبر 2015 اهتزت باريس على وقع أحداث إرهابية ستغير مسار الحرب الكونية على الإرهاب. وفي يوم الجمعة 20 نوفمبر 2015 ضرب الارهاب بقوة مكانا حصينا في مالي فندق راديسون حيث تتواجد به بعثات رسمية للتفاوض وجنسيات مختلفة تَعْمَلُ في حقل السياسة والمال والأعمال. هذا التزامن في يومي جُمعة يُراد منه إضفاء صبغة مقدسة على نشاط الارهابيين. لكن عملية باريس وسان دوني الأخيرة ما تزال تخطف الأضواء فما هي أهم دلالاتها وما هي أبرز تداعياتها؟
-
هل دخلت أوروبا منطقة الزوابـــــــع؟يؤكد معظم المحللين السياسيين الأوروبيين أنّ عملية باريس وسان دوني لها عدة دلالات:
-
-
الدلالة ألأولى :هي أنّ اوروبا لم تعد آمنة كما كانت قبل 13 نوفمبر 2015 بعد أن اعتقد الفرنسيون أن حادثة شارلي هبدو في يناير 2015 كانت استثناء لن يتكرر.
-
الدلالة الثانية : هي أنّ الحرب السورية والتغيرات الاقليمية الأخيرة بعد تدخل روسيا وحّدت الأحلاف الدولية ضد داعش التي تلقت ضربات أكثر إيلاما هذه المرة مما جعل هذه الأخيرة ترد الفعل ضد دول الحلف فكانت البداية بفرنسا، وهددت في بياناتها الدول الفاعلة في الحلف بعمليات مماثلة.
-
الدلالة الثالثة: أنّ عملية باريس أظهرت خللا استخباراتيا واضحا لدى الأجهزة الأوروبية إذ أنّ جولان عبد الحميد أباعود وصلاح عبد السلام وغيرهما بحرية في فضاء شنغن دون مراقبة لصيقة لهم ودون التدقيق في مسارهم القتالي بين سوريا وأوروبا مكّن هؤلاء من الإعداد الدقيق لعملية باريس.
-
الدلالة الرّابعة : أنّ الإرهاب الذي ضرب في فرنسا امتد تأثيره إلى باقي أوروبا وأمريكا فكان الاستنفار في مطاري نيويورك وواشنطن قويا، وكان توقيف المقابلات الرياضية في ألمانيا بناء على إشاعات بوجود قنابل في الملعب قد شحن الرأي العام الألماني ضد الأجانب، وكانت حالة الاستنفار القصوى في بلجيكا بعد ورود أنباء عن تهديدات جدية، كافية لدعوة كل وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لرسم خطة جديدة لمقاومة الإرهاب الزاحف على أوروبا.
-
الدلالة الخامسة : هو أن كلفة مقاومة الإرهاب ستكون ثقيلة على الدول الأوروبية باعتبار أنّ الارهابيين لا يخوضون حربا كلاسيكية وأنّ ضرباتهم يمكن أن تكون موجعة في قطاع الطاقة أو في قطاع السياحة مثلما حصل في عملية 13 نوفمبر 2015 في باريس من تخوف كبير لتقلص في عدد السواح علما وأن العاصمة الفرنسية تستحوذ علــــــى % 60 مـن مداخيل السياحة. هذه العوامل مجتمعة دفعت أوروبا إلى الشروع في وضع استراتيجية أمنية جديدة ستكون لها تداعيات داخل الفضاء الأوروبي بما في ذلك الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا، وكذلك تداعيات تتعلق بشكل العلاقة القادمة مع العالم العربي العالم بعد عملية باريسيعتبر العديد من الباحثين والمحللين السياسيين أنّ العلاقة بين أوروبا والعالم الخارجي في الفترة القادمة ستكون محكومة بضوابط جديدة وستكون لها تداعيات.
-
-
أولا: على المستوى الأوروبي ستكون هناك إجراءات أكثر تشددا في قبول مطالب اللجوء ومطالب الهجرة.
-
ثانيا: ستكون مراقبة الحدود داخل فضاء شنغن أكثر حزما. وقد بدأ التحضير لهذه القرارات في الاجتماع الأخير لوزراء الداخلية الأوروبيين في بروكسال.
-
ثالثا: سيتم تفعيل سحب الجنسية عن المقاتلين الأوروبيين العائدين من سوريا لا في فرنسا فحسب بل يُرجّح أن يصبح هذا الإجراء مُعَمما قريبا على كلّ الأوروبيين.
-
رابعا : ستمرّ الجاليات العربية والمسلمة بفترة صعبة خلال المرحلة القادمة إلى أنّ تتحمل هذه الجاليات مسؤوليتها وتكون طرفا فاعلا في مقاومة الإرهاب عبر تبنّي قيم الحداثة والتسامح والانفتاح على الآخر وهي القيم التي يتبناها الأوروبيون، ولعل ذلك سيجنبها ظاهرة الإسلاموفوبيا والهجرة فوبيا. وهي ظاهرة امتدت مؤخرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مطالبة الحزب الجمهوري في الكنغرس بتعطيل قرار استقبال مهاجرين سوريين بالأراضي الأمريكية، بالإضافة إلى المضايقات التي يتلقاها المسلمون في الشارع الأمريكي ووسائل النقل.
-
خامسا : سيتم التضييق على الجمعيات المسلمة في أوروبا بعد أنّ اكتشف الأوروبيون أنّ جزءا هاما منها أصبح بمثابة الخزان الفكري والمالي للجماعات الإرهابية . وهناك دعوات لغلق بعض المساجد وطرد بعض الأئمة المتشددين، ودعوات أيضا للتدقيق في مصادر تمويل هذه الجمعيات. وتنتمي هذه الجمعيات الاسلامية الاوروبية في معظمها لتيار الاسلام السياسي الإخواني و للتيار السلفي ، في حين أنّ حجم حضور تيار الاسلام التنويري محدود جدا في القارة الأوروبية، وبالتالي فليس من المستبعد أنّ يتم غلق بعض الجمعيات وإبعاد رموزها خارج أوروبا.
-
والسؤال المطروح هل أنّ هذه الاجراءات كافية لاحتواء الظاهرة الإرهابية في أوروبا؟ وهل أنّ العلاقات العربية الأوروبية مستقبلا ستشهد تحولات جذرية؟ وفي أي اتجاه ستكون ؟
-
2015-12-17
