لعل السر يكمن [ بممر زانغزور ]!
![لعل السر يكمن [ بممر زانغزور ]!رنا علوان 1 rana](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2023/05/rana-150x150.jpg)
رنا علوان
يُعدّ إقليم ناغورني كاراباخ الذي يبعد عن باكو [ عاصمة أذربيجان ]نحو 270 كلم ، فقيرًا في موارده الاقتصادية ، ويعتمد النشاط الاقتصادي فيه على الزراعة وتربية الماشية وبعض الصناعات الغذائية من المحاصيل المشهورة كالحبوب والقطن والتبغ ، تبلغ مساحته 4 آلاف و 800 كلم ، تغلب عليها الطبيعة الجبلية ، ويقطن الإقليم نحو مئة وخمسين ألف نسمة ، ويمثل الأرمن حاليًا نحو 95 بالمئة من عددهم
في عشرينيات القرن الماضي ، ومع الحقبة السوفيتيه بدأ الصراع في الاقليم وذلك بعد ان قرر جوزيف ستالين في عام 1923 ضم الأقلية الأرمينية ، المُتمثلة بسكان كاراباخ ، داخل حدود أذربيجان ، وفي المقابل تظل الأقلية الأذربيجانية في إقليم “ناختشيفان” معزولة داخل جمهورية أرمينيا
بالإضافة إلى أن السلطة السوفييتية منحت “كاراباخ” صلاحية الحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، وهو ما كان أشبه بقنبلة موقوتة ، انفجرت مع انتهاء الحقبة السوفيتية ، ولم تتمكن المنظمات الدولية حينها من احتواء الصراع ، قبل أن تتدخل روسيا وتضع حلاً لوقف الصراع ، الذي تم التوقيع عليه في مايو/ايار 1994 ، بواسطة مؤتمر الأسس الأمنية والتعاونية الأوروبية (مجموعة مينسك)، وقد عقدت من جانب أرمينيا وأذربيجان
في أبريل/ نيسان 2016 ، حصل صراع أدى إلى مقتل 110 أشخاص ، كما تواجهت أرمينيا وأذربيجان من جديد في خريف العام 2020 للسيطرة على منطقة ناغورني كاراباخ الجبلية ، وأسفرت الحرب الأخيرة عن مقتل نحو 6500 شخص ، وانتهت بهدنة تم التوصل إليها بوساطة روسية
في مطلع هذا الشهر أعلنت وزارة الدفاع الأذربيجانية الثلاثاء الماضي ، إطلاق عملية “لمكافحة الإرهاب” في قره باغ ، [قالت إنها تهدف لفرض النظام]
من جهتها دانت وزارة الخارجية الأرمينية العملية العسكرية الأذربيجانية في قره باغ ووصفتها بأنها عدوانية
اما نهار الأربعاء الفائت ، أعلنت سلطات جمهورية قره باغ غير المعترف بها عن توصل الطرفين إلى وقف كامل للأعمال العدائية بوساطة من قوات حفظ السلام الروسية
وتوّصل الاتفاق الى حل جيش قره باغ ونزع سلاحه وانسحاب الوحدات المتبقية من القوات المسلحة الأرمينية من منطقة انتشار قوات حفظ السلام الروسية ، كما اتفق الطرفان على مناقشة قضايا إعادة الاندماج وضمان حقوق وأمن السكان الأرمن في قره باغ
ولكن في صدد دراسة اهمية ما يجري من أحداث ، نجد ان الأخذ في الاعتبار ( المواجهة الشرسة المتزايدة بين روسيا والغرب) ، لا يمّكن ضمان وصول روسيا إلى طرق التجارة البحرية إلا من خلال الشرق الأقصى ، وهو بعيد جدًا عن المناطق الصناعية الرئيسية المكتظة بالسكان في الجزء الأوروبي من روسيا ، أو من خلال إيران ، التي تعتبر حاليًا، الحليف الطبيعي لروسيا
ويمتد الطريق الأخير على طول بحر قزوين ، أو عبر خطوط السكك الحديدية عبر أذربيجان (الطريق الغربي) وكازاخستان وتركمانستان (الطريق الشرقي)
وفي الوقت نفسه ، فإن الطريق الغربي عبر أذربيجان أقصر مرتين ويعبر دولة واحدة فقط
تنتهج أذربيجان ، في الوقت الراهن ، سياسة المناورة والحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا ، إلا أنه ، مع اشتداد المواجهة بين روسيا والغرب ، [ تتناقص فرصة أذربيجان في الحفاظ على الحياد ] ، كما أن عودة قره باغ تقلل من أهمية روسيا بالنسبة لباكو
اما جورجيا وأرمينيا ، فلا تتمتعان بنفس الأهمية اللازمة لأذربيجان كما هي بالنسبة لروسيا من حيث ضمان التجارة الدولية
ناهيك عن أن إنشاء ممر بري إلى روسيا ، يُعدّ أمرًا مهما بالنسبة لإيران ، إلا أن القلق الرئيسي يتعلق بحقيقة أن ثلثي الأذربيجانيين يعيشون في المقاطعات الشمالية الغربية لإيران ، فيما يعيش الثلث فقط في أذربيجان
ما يشكل خطر وتهديد كبير على ايران في حال تزايد وجود النفوذ التركي والغربي في منطقة بحر قزوين
وعليه ، فإنه مع وجود جورجيا محايدة أو موالية لروسيا ، يصبح الأمر مطمئن لأيران ، لإن سلامة أراضي أرمينيا وتوجهها المناهض لتركيا ، التي تفصل أراضيها بين أذربيجان وتركيا ، يشكل أهمية بالغة لإيران
مع ذلك، إذا تم تأسيس أنظمة موالية للغرب في تركيا وجورجيا ، فهناك احتمال كبير أن تضطر أذربيجان إلى الابتعاد عن سياسة المناورة وتصبح مؤيدة للغرب ، مع مراعاة
ان الدولة الرئيسية في منطقة القوقاز هي أذربيجان ، والسيطرة سواء كانت مشتركة او منفردة عليها توفر لروسيا وإيران إمكانية الوصول المتبادل لبعضهما البعض ، وتغلق بحر قزوين أمام الغرب وتركيا
لكن السيطرة على جورجيا او ارمينيا بشكل منفرد اي كلٍ على حدا ، لا تحل إلا واحدة من المشاكل [ وهي قطع الطريق أمام الغرب إلى بحر قزوين، لكن هذا لن يحدث إلا إذا كانت تركيا وأرمينيا ليستا من الدول المناصرة للغرب ايضًا ]
ما يجب الإلتفات اليه ان تركيا اليوم ليست على وفاق مع اميركا بعد ان انكشفت الاعيب اردوغان ، كما سعيه نحو الإلتفاف حول روسيا بسبب ما يصبو اليه من مصالح ، لذلك اميركا لن تدعم انشاء ممر من تركيا الى اذربيجان من خلال الاستيلاء على ما يسمى بممر زانغزور في جنوب أرمينيا ، والذي من شأنه أن يربط أذربيجان بجيبها ناختشيفان ، وتركيا مع أذربيجان وآسيا الوسطى
وتكمن أهمية هذا الممر ان القارة العجوز ، تستطيع استغلاله في ظل هذه الظروف ، عبر إثارة أو دعم صراع عسكري حوله
حينها سيتم بالتأكيد [جر إيران إليه إلى صف أرمينيا] ، وجر [روسيا إليه إلى صف أذربيجان ] بالإضافة الى امكانية جر تركيا ايضًا ، بهدف تدمير المثلث الروسي التركي الايراني
فضلاً عن ان الولايات المتحدة تعمل خلف الكواليس على تحقيق انقلاب في الساحة التركية ، وعليه في حال صلت القوى الموالية للغرب إلى السلطة في تركيا فإن واشنطن ولندن ستكونان حققتا مبتغاهما ، (باستخدام تركيا كأوكرانيا وبدء حرب تركية-إيرانية-روسية)
هذا المبتغى وان تحقق فإنه بالتأكيد لن يدمر هذه القوى لكن سيؤدي الى خسارة حتمية للجميع ، ناهيك عن جر اطراف اخرى متنازعة في المنطقة
وفي حال تصاعدت المواجهة بين الغرب وإيران ، قبل أو بدلا من الهجوم على إيران من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية (دعونا لا ننسى موقف ترامب)، فإن الاستفزاز حول ممرا زانغزور يمكن أن يؤدي إلى حرب بالوكالة من الغرب ضد إيران على يد أذربيجان وتركيا ، مع احتمال تورط روسيا
وبالتالي ، تكمن اهمية ارمينيا في المقام الأول بالنسبة للغرب من خلال ممر زانغزور ، الذي يمكن أن يغرق المنطقة بأكملها في بحر من الدماء ، باعتباره فتيل القنبلة ، الذي سيحقق ما عجزت الحرب الاوكرانية على تحقيقه خلال سنوات
2023-09-25