لبنان يعيش فيه اللبنانيون يرزخ تحت وطأة الأزمات الاقتصادية.. ولبنان أخر يعيش فيه المسؤولون صراعاتهم السياسية وتبعيتهم للخارج!
فاطمة عواد الجبوري.
لطالما تحدثنا عن أزمة تشكيل الحكومة في لبنان وأكدنا على أهمية وضع الخلافات الحزبية والطائفية جانباً لانتشال هذا البلد العظيم من براثن الانهيار. ولكن وللأسف لم نجد أذاناً صاغية ولبنان اليوم يتجه نحو كارثة غير مسبوقة، هي أكبر أزمة يمر بها هذا البلد منذ الحرب العالمية الثانية.
لقد وصل لبنان إلى مرحلة يصرخ فيها رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بأن لبنان على وشك أن يشهد تفجّر مجتمعي. طوابير السيارات أمام محطات الوقود ممتدة إلى كيلومترات، أزمة طحين تعصف بالبلاد، واللبنانيون يبحثون عن الدواء ولا يجدونه في الصيدليات، وبينما أصبحت أسعار اللحوم تضارب عنان السماء يتجه الشعب اللبناني إلى الخضار (والتي بدورها ليست رخيصة أبداً) لتغطية حاجتهم من البروتين، وبينما يعاني أكثر من ثلثي الشعب من فقر مدقع وهم عاجزون عن تأمين الحاجات اليومية الأساسية!!!
على الطرف الأخر، يبدو بأن هناك لبنان آخر يعيش فيه المسؤولون الحكوميون. فهم في عالم أخر يناقشون مسائل أخرى غير مسائل الفقر، البنزين، الدواء، الطحين والزيت. فقسم منهم يتصارع على مسألة التشكيل الحكومي وحصة الأحزاب من الحقائب الوزارية. وهذا الصراع هو داخل تيار المستقبل الذي فشل رئيسه سعد الحريري إلى هذه اللحظة بتشكيل الحكومة. وتتحدث روايات عن تحضير الحريري نفسه للاعتذار عن التشكيل وترويج إسم نجيب ميقاتي كبديل له. وكأن البلاد في رفاه سياسي يخولها الانتظار لأشهر قادمة في انتظار تشكيل الحكومة!!!
ومن الأحزاب السياسية الأخرى التي تعيش في لبنان آخر هناك حزب القوات بقيادة سمير جعجع، وهؤلاء يعيشون عزلة وهمية ذاتية، فطموحاتهم أكبر من مجرد حقيبة وزارية هنا وهناك، فالعين ترنو إلى قصر بعبدا. يجد جعجع في نفسه بديلا لرئيس الجمهورية ميشال عون وهو يحضر نفسه على هذا الأساس. وبالطبع فإن “الحكيم” يتمتع بحماية ودعم مالي سعودي-أمريكي غير مشروط. يبدأ هذا المخطط من الانتخابات البرلمانية المقبلة وفي سبيل الحصول على مقاعد نيابية أكبر يبدو بأن الخزينة السعودية تصرف أموالاً طائلة في خدمة هذا المشروع.
ولكن يبدو بأن جعجع غير راض عن الأداء السعودي-الأمريكي فهو ينظر إليه على أنه أداء متذبذب. فدعم الجيش اللبناني بقيادة “جوزيف عون” ينظر إليه جعجع على أنه تعزيز لموقف الأخير واحتمالية ترويجه لكرسي الرئاسة وهو ما سيضرب بحظوظ جعجع عرض الحائط. وبينما يصارع جعجع في مرحلة مبكرة لخوض الانتخابات البرلمانية فهو يشهد تقارب سعودي-سوري، سعودي-إيراني أو بالآحرى ما يمكن أن يُطلق عليه تفاهمات مرحلية بين محور المقاومة وبين السعودية.
هذا التقارب قد تكون نتيجته التضحية بجعجع وسحب الدعم المالي عنه، وهو ما سيجعل المستقبل السياسي “للحكيم” في مهب الريح!!!
ولكن السؤال الأهم هنا، هل كل الأحزاب والقوى اللبنانية تعيش هذا الانفصال عن الواقع المعيشي؟؟؟
بالطبع لا، فهناك من القوى الفاعلة من تعيش هموم المواطن وتسعى إلى إيجاد حلول لها، وسنذكر هنا حزب الله وذلك دون مبالغة، لإننا سنذكر الأدلة.
ففي الوقت الذي تتصارع فيه الأحزاب السياسية حول المناصب الحكومية وتوزيع الحقائب، حزب الله يقترح حلول عملية للخروج من أزمة لبنان. فالسيد نصر الله اقترح مراراً وتكراراً أن يتم استيراد البنزين من إيران ويتم الدفع بالعملة المحلية (الليرة اللبنانية). وهو عرض لم يقدمه أي من الفرقاء السياسيين وهو عرض لم تقدمه أي دولة أخرى في العالم، وذلك لإن هذه الدول ترغب بلبنان تابع وليس بمساعدة شبه مجانية كما يقدمها محور المقاومة. وكذلك الأمر بالنسبة للدواء فإيران على استعداد بأن تقدم الدواء إلى لبنان خصوصا بأنها من أكبر المصنعين للدواء في المنطقة.
في ظل كل هذه المبادرات لا نجد مسؤول واحد يجيب على هذه المبادرات بكلمة واحدة، والسبب واضح في ذلك وهو تبعية الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية للخارج، فالقرار السياسي اليوم مرهون بما يراه الغرب وبعض الدول العربية محققا لمصالحهم وحسب. ومبادرات السيد حسن ومحور المقاومة لن ترى النور طالما استمرت هذه الأحزاب على هذه الوتيرة، وكان الله بعون الشعب اللبناني من القادم!!!!
2021-07-08