خبرتُ لبنان وشعب لبنان، من موقع المسؤولية، يوم كنتُ أتولى قيادة الجيش على مدى سنوات تسع، ورئاسة الجمهورية على مدى سنوات تسع أيضاً، ما جعلني على تماس مع أحداث كبرى حصلت خلال هذه الفترة، ورسّخت لدي، نتيجة الاختبار، اقتناعات لا يجدر بي كما بأي مسؤول أن يحفظها لنفسه كأنها ملك خاص، في حين أنها ملك الوطن والشعب.. اقتناعاتي تلك تنطلق من ثابتة لدي؛ أن “إسرائيل”، هذا الكيان الغاصب الذي زُرع في فلسطين بقوة الغرب وعنجهيته، فسلب أرضاً وشرّد شعباً وهدم دولة، إنما هو علّة كل العلل، ومكمن كل الأخطار علينا، وهو يجثم على حدودنا وبعض أرضنا، كما أن أخطاره تنسحب على سائر أقطار الأمة العربية، التي لا يبدو أنها تعي حجمه وآثاره..
“إسرائيل” هي أعتى دولة عدوانية في العالم، ذلك أن من رعاتها أميركا وسواها من دول الغرب، وبعض أمّة العرب مع الأسف، ممن خلع قناعه المزيف حديثاً، و”إسرائيل” بالتالي عصية على المساءلة الدولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت وما تزال تُرتكب، بدءاً من احتلال فلسطين بحجة أنها أرض ميعاد اليهود.
صَهْينوا دينهم، وأخذوا من التوراة ملاحم العنف القبلي القاتل، ونسوا التعاليم السماوية السمحة، أما فيما يختص لبنان، فعدوان “إسرائيل” متكرر عليه، وهي تسعى إلى تأبيد لجوء الشعب الفلسطيني وتوطنيه في لبنان، بل حتى إلى اقتلاع فلسطينيي 1948 من أرضهم، بعد أن أضحوا مواطنين “إسرائيليين”، وذلك من منطلق عنصري واستيطاني وإلغائي، تمهيداً لإعلان “يهودية دولة إسرائيل”، وعاصمتها القدس.
خرج المحتل من لبنان بانكسار، وتحررت الأرض بالقوة عام 2000، وبانهزام بعد عدوان صيف 2006، فلم يغفر، وهو يسعى اليوم بكل وسائله البغيضة إلى ضرب لبنان من الداخل، بمساعدة رعاته الغربيين والخليجيين، عن طريق دعم الإرهاب والتكفير، واغتيال رجالات لبنان، وإذكاء الروح المذهبية والفساد، وإغداق المال السياسي، واستتباع ضعفاء النفوس.
ينقضّ العدو “الإسرائيلي” بالمباشر وبالواسطة المكشوفة على سورية لتحطيم وسط عقد المقاومة والممانعة، وحصار لبنان، وتجفيف روافد قوته المستمدة من معادلة “الشعب والجيش والمقاومة”، ويدعم بالعلن والسر ما يسمى “ديمقراطية الشرق الأوسط الجديد” و”الربيع العربي”، اللذين يستهدفان وحدة الأمة العربية وقوّتها قبل أي شيء آخر، فيبعثر قدراتها ويذكّي لدى شعوبها بذور الفتنة على أنواعها.
إن دولة تعجز عن معالجة أزمة القمامة لأشهر، كما الكهرباء والماء، وتعيش على تماس دائم مع اللاستقرار المالي والأمني، وتتنكّر لاستهداف مكوّن مقاوم من مكوناتها، وتنأى بنفسها عن نفسها، ولا تعتبر من ماضٍ كبير تحررت فيه أرضنا وتحقق فيه انتصارنا على عدو غاشم، واستقر فيه أمننا على أعلى مستوى، وفق تقارير الإنتربول، وجوبهت فيه مشاريع هدر المال العام بكل ما هو متاح في نظامنا السياسي، هي دولة لا يمكن أن تدّعي يوماً القدرة على ردع “إسرائيل” عن انتهاك وحدتنا وسيادتنا وشرذمة روافد قوتنا وضرب استقرارنا بالإرهاب والتكفير والعدوان، ما يجعل منا سماسرة الشرق لدى هذه الدولة العدوة والتوسعية.
يا أبناء وطني.. لبنان وديعة لديكم، فأحسنوا المحافظة عليها، وتثميرها وتحصينها، مثل وزنات الأناجيل، فتنالوا شرف المواطنية الكريمة.