طبول الحرب تقرع في الكاريبي:
الإمبريالية الأمريكية تحشد أساطيلها قبالة فنزويلا
تحشد واشنطن أسطولاً قبالة فنزويلا بذريعة مكافحة المخدرات، استجابت له كاراكاس بتعبئة عسكرية ودبلوماسية واسعة بدعم من حلفائها في موسكو وبكين طهران
سعيد محمد*
في استعراض فاضح للقوة يعيد إلى الأذهان أحلك فترات سياسة “العصا الغليظة”، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن نشر قوة بحرية كبيرة في المياه الدولية القريبة من فنزويلا. وبينما تزعم واشنطن بأن هذه الخطوة جزء من عملية واسعة لمكافحة تهريب المخدرات، فقد أثارت في كاراكاس حالة من التعبئة العسكرية والدبلوماسية، معتبرة الحشد تهديداً مباشراً لسيادتها.
ووفقاً لمصادر متخصصة ومسؤولين أمريكيين، يتألف الحشد البحري من قوة كبيرة وغير معتادة في المنطقة تشمل ما لا يقل عن سبع قطع بحرية، من بينها أربع سفن هجومية تحمل صواريخ موجهة تتمركز اثنتان منها قبالة الساحل الفنزويلي مباشرة، بالإضافة إلى طراد صواريخ، ومدمرة تتواجد في المحيط الهادئ جنوب بنما، وسفينة هجومية برمائية، برفقة سفينتين أخريين تحملان على متنهما 4500 من مشاة البحرية (المارينز). وهذه السفن مجهزة بصواريخ “توماهوك” الهجومية، القادرة على ضرب أهداف برية بدقة، ما يمنحها قدرات هجومية تتجاوز مهام الاعتراض البحري التقليدي.
ويحظى هذا الأسطول بدعم عملياتي من الغواصة الهجومية النووية يو أس نيوبورت المتمركزة في البحر الكاريبي.
المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قالت بأن بناء هذه القوة أمام الشواطئ الفنزويلية يأتي ضمن استعداد إدارة الرئيس دونالد ترامب “لاستخدام كل عناصر القوة الأمريكية بغرض وقف تدفق المخدرات إلى بلادنا”. وأتت هذه الخطوة بالتزامن مع إجراءات أخرى، منها مضاعفة المكافأة المالية (إلى 50 مليون دولار) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي تتهمه واشنطن بقيادة منظمة إجرامية تُعرف باسم “كارتل دي لوس سوليس” صنفت للتو كمنظمة إرهابية أجنبية متهمة بتهريب المخدرات نحو الولايات المتحدة.
ويشكك غالبية المحللين ومسؤولين أمريكيين سابقين في أن تكون مكافحة المخدرات هي الدافع الحقيقي للتحرك الأمريكي، إذ أن طبيعة وحجم هذه القوة لا يتوافقان مع عمليات تقوم بها عادة قوات خفر السواحل، واعتبر أحدهم المهمة المنطقية لمثل هذه القوة قد تكون عملية خاطفة للقبض على الرئيس مادورو واسقاط نظامه. كما أن الاتهامات التي تطلقها واشنطن تفتقر إلى أي دليل ملموس، إذ تشير بيانات مكتب واشنطن لأمريكا اللاتينية (WOLA) إلى أن حوالي 7% فقط من الكوكايين المتجه إلى الولايات المتحدة يمر عبر شرق الكاريبي وفنزويلا، بينما تمر الغالبية العظمى عبر طرق أخرى، ما يجعل سردية “الدولة المخدراتية” محض دعاية استخباراتية تروجها وسائل الإعلام الغربية لتشويه سمعة فنزويلا وخلق ذريعة للتدخل العسكري.
رد فعل فنزويلا كان سريعاً وحازماً على المستويين الدبلوماسي والعسكري.
دبلوماسياً، لجأت كاراكاس إلى الأمم المتحدة، حيث وصف سفيرها صامويل مونكادا التحرك الأمريكي بأنه “عملية تهويل دعائي ضخمة” و”إجراء ترهيبي واضح”، وانتقد سخرية استخدام غواصة نووية في مهمة مزعومة لمكافحة المخدرات. وفي رسالة إلى الدول الأعضاء، نددت فنزويلا بـ “تصعيد الأعمال العدائية والتهديدات” معتبرة إياها “تهديداً خطيراً للسلام والأمن الإقليميين”.
عسكرياً، أعلن الرئيس مادورو عن استدعاء 4.5 مليون من أفراد الميليشيا البوليفارية الشعبيّة للدفاع عن البلاد، كما أمر بنشر 15 ألف جندي على طول الحدود مع كولومبيا. وعلى الصعيد البحري، أعلن وزير الدفاع فلاديمير بادرينو عن تسيير دوريات بحرية ونشر طائرات بدون طيار لمراقبة السواحل والمياه الإقليمية. وفي كلمة له للأمة، أكد مادورو أن فنزويلا “لن تنحني لأحد” وأنها “أقوى وأكثر استعداداً من أي وقت مضى للدفاع عن سيادتها”.
على أن القوة الحقيقية لفنزويلا تكمن أيضاً في تحالفاتها الاستراتيجية: روسيا حليف استراتيجي لكاراكاس يوفر الدعم العسكري والسياسي، من خلال صفقات الأسلحة المتطورة والتنسيق في مجلس الأمن الدولي، ما يشكل رادعاً مهماً لأي مغامرة عسكرية أمريكية، والصين شريك اقتصادي رئيسي يوفر شريان حياة للاقتصاد الفنزويلي من خلال الاستثمارات والقروض وصفقات النفط، مما يساعد النظام الفنزويلي على تجاوز آثار العقوبات الأمريكية الخانقة، فيما إيران حليف أيديولوجي وتقني، يقدم الخبرة العمليّة الثمينة في تشغيل قطاعات حيوية مثل صناعة النفط في ظل الحصار الدولي ونظام العقوبات الذي تفرضه الولايات المتحدة. وهذه التحالفات بمجموعها تضع المواجهة في سياق عالمي، وتحولها من مجرد ضغط أمريكي على دولة لاتينية في الفناء الخلفي لواشنطن إلى جزء من صراع جيوسياسي أوسع بين القوى الكبرى، مما يعقّد حسابات واشنطن ويجعل ثمن أي عدوان مباشر باهظاً للغاية.
في التحليل الكليّ لا يبدو استهداف فنزويلا حدثاً معزولاً، بقدر ما هو جزء من استراتيجية أمريكية أوسع للسيطرة على الموارد الحيوية العالمية وتأكيد هيمنتها في مواجهة صعود الصين وروسيا وأقطاب أخرى.
هذه الاستراتيجية كشفت عن أنيابها بوضوح في توجهها العدائي تجاه الدنمارك – الحليفة التاريخية المخلصة للولايات المتحدة – سعياً لضم جزيرة غرينلاند الغنية بالمعادن النادرة، وفي ضغوطها المستمرة على كندا للسيطرة على مواردها، وفي دورها المحوري في تأجيج الصراع في أوكرانيا، ومن ثم فرض اتفاقية إذعان على نظامها لنهب مواردها الأوليّة الهائلة. وفي هذا السياق، تظهر فنزويلا كالجائزة الكبرى. فهي لا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم فحسب، بل وتتوفر أيضاً مخزونات هائلة من الذهب والكولتان والبوكسيت وغيرها من المعادن الاستراتيجية الثمينة.
الثورة البوليفارية، بنموذجها الاشتراكي وسياستها الخارجية المستقلة، تمثل تحدياً مباشراً لهذه الاستراتيجية. إذ أثبتت أنه من الممكن بناء نموذج بديل قائم على السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية يوجه موارد الثروة الوطنية لمصلحة الشعب الفنزويلي. ولذلك فإن “الحرب على المخدرات” وكأنها ستار تتغطى به واشنطن في إطار سعيها لتحقيق أهدافها الإمبريالية: السيطرة على الموارد، وإسقاط الحكومات المستقلة، وتعزيز هيمنتها على نصف الكرة الغربي.
في المحصلة، يخلق الحشد البحري الأمريكي وضعاً متوتراً وحساساً في منطقة الكاريبي حتى مع استبعاد حدوث غزو أمريكي وشيك، إذ إن وجود هذا الكم من العتاد العسكري الهجومي يزيد من مخاطر سوء التقدير أو وقوع حوادث قد تؤدي إلى اشتباك غير مقصود.
من المرجح أن تستمر حالة “حافة الهاوية” في الأسابيع المقبلة، حيث ستحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري القوي لممارسة الضغط، بينما تواصل فنزويلا حالة التعبئة والتأهب. وبينما تسعى كاراكاس للحصول على دعم أوضح من حلفائها في موسكو وبكين وطهران، ستكون القنوات الخلفيّة عبر الوسطاء حاسمة لمنع انزلاق هذا الموقف المتوتر نحو مواجهة عسكرية مفتوحة ذات عواقب لا يمكن التنبؤ بها على استقرار المنطقة بأسرها والعالم.
– لندن
2025-09-1
تعليق واحد
مقالة جيدة للغاية وتعليقي هو انه لاتوجد دولة تحالفت عسكريا مع روسيا الاتحادية وربحت او سلمت او فعلا ساندتها روسيا في ازمتها ومنها
سوريا
ليبيا
ارمينيا
المقاومة الفلسطينية
حيث ان روسيا لم تدعم حركات التحرر اطلاقا ومنهم
المقاومة في فلسطين
المقاومة اللبنانية
المقاومة الوطنية في العراق
مقاومة انصار الله الابطال في اليمن
بل على العكس وثقت العلاقة مع دكاكين الخليج
كمملكة ال سلول والامارات وقطر والبحرين
تحياتي