انتصر “اردوغان”، ماذا عن تركيا؟
ضرار البستنجي
محاولة انقلاب فاشلة، بهذه العبارة البسيطة عبّر المهتمون عما حمله ليل منتصف تموز من أحداث تبدو بحاجة الى وقفة أعمق للبحث في حقائقها وسيناريوهاتها المفترضة وماسيترتب عليها من تداعيات.
اطلاق نار وسط اسطنبول وتحليق لشلطيران المروحي والحربي في سماء انقرة واغلاق لجسر البوسفور ، بهذه العواجل أقحم الإعلام عقلنا الجمعي في المشهد التركي، وعلى الفور سارع رئيس الوزراء التركي ” بنعلي يلدرم” بالتصريح بأن مايحصل هو محاولة انقلاب وأن ( قوات الأمن) ستتصدى للعملية فيما كانت الاخبار تتحدث عن بعض الدبابات تجوب شوارع انقرة واسطنبول وعن سماع دوي انفجارات وإطلاق نار.
أذاً إنها محاولة انقلاب، وفي بلدٍ يُعدّ مدرسةً في الانقلابات العسكرية، كيف لا وأبرز مفاصل الحياة السياسية التركية عبر نحو ستة عقود حدّدتها بيانات عسكرية من تلك التي تحمل ” الرقم١” .
وبالتجربة اتجهت الأنظار والأسماع صوب وسائل الإعلام بانتظار المعتاد: السيطرة على الاذاعة والتلفزيون، وبيان رقم١ يتلوه قادة الانقلاب على الشعب، اعتقال رئيس الجمهورية او رئيس وزرائه او قائد الجيش ، محاصرة المراكز الحكومية المهمة في البلاد، فوضى ودمٌ وفراغٌ رسمي…. الخ.
كل هذا لم يحدث منه شيء، باستثناء بيان ضعيف تلته (المذيعة) على الشاشة الرسمية التركية قيل انه فُرض عليها تحت تهديد السلاح، فيما يصرّح رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية ورئيس مجلس النواب دونما خطر جليّ يتهدد أياً منهم ، ثم تصريح للرئيس التركي عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإحدى المحطات التلفزيونية الخاصة يعلن فيه من حيث لايعلم مكانه احد أن الانقلاب سيفشل ويدعو الشعب التركي للنزول الى الشوارع لحماية ماأسماه ” الديمقراطية”.
إذاً، لا الرئيس محاصر أو مهدد ولا أي من أركان حكمه باستثناء رئيس الأركان الذي ظل غائباً عن المشهد ليومين قبل ان يُعلَن عن ( تحريره من الأسر) دون تفاصيل.
فعلاً بدأت الشوارع تستقبل المواطنين الهاتفين بحياة الرئيس وبالدفاع عن الدولة في وجه العسكر، وانتهت او غابت مشاهد المتظاهرين المحتفلين بالانقلاب وهم الاقل عدداً وانتشاراً.
مواقف دولية قلقة وفضفاضة تبعها صمت مطبق انتهى بتبني واشنطن موقف الحكومة التركية تبعه الإعلان عن فشل الانقلاب وسيطرة الحكومة وأمنها على المشهد تخلله احتكاكات بين المواطنين والامن من جهة وعناصر الجيش الممتطين دباباتهم من جهة اخرى، اشتباكات في السماء واطلاق نار من مروحيات وانفجارات معدودة في محيط مجلس النواب وقصر الرئاسة والمطار، كله لم نعرف من يديره .
هدأت الأجواء وعاد الرئيس التركي الى المشهد بشكل فعلي، الى اسطنبول حيث كان انصاره في انتظاره في رحلة عودته التي لم نعرف محطتها ماقبل الأخيرة واختُزلت كل هذه المشاهد المبهمة والمتناقضة في خبر واحد جاف : ( محاولة انقلاب فاشلة في تركيا).
بقيت أسئلة مهمة عالقة بلا إجابة ، إنقلاب : من قاده؟ وعلى من؟ وأين؟ وكيف؟،
من هم قادة الانقلاب الذين لم نرَ منهم واحداً ولم نسمع لأحدهم تصريحاً، انقلاب ماذا هذا الذي لايحاصر رئيساً ولايعتقل رئيس وزراء او وزير دفاع أو غيره من المسؤولين؟ ، كيف يكون هذا انقلاباً وقد بدأ وانتهى في ساعات وكأن قرار بدئه وانهائه جرى بكبسة زر، وفي بلد مثل تركيا!!!؟ وكيف يكون قد بقي في قادة الجيش التركي من يُقْدم على محاولة انقلاب بعد ان أوغلت سلطات “اردوغان” في تقليم أظافر الجيش وسجن وتسريح الغالبية العظمى من أصحاب الرأي المخالف او المؤمنين باستقلالية المؤسسة العسكرية او حفظ مكانة الجيش كحامٍ للعلمانية والأمن الاجتماعي -كما كان يوماً- ؟، وكيف يكون انقلاباً ولم يتسنى لأحد أن يتأكد من خبرٍ واحد مما نُقِل عن منفذيه ولا عن مصدر هذه الأخبار؟.
لكن بالمقابل، كيف لايكون انقلاباً وقد شاهدنا جميعاً عدداً من الدبابات تجوب شوارع انقرة واسطنبول، وكيف لايكون انقلاباً وقد شاهدنا آثار قصف على مبنى البرلمان واعمدة دخان تتصاعد من هنا او هناك؟، وكيف لايكون انقلاباً وقد شاهدنا الشعب التركي ينتفض في الشوارع دفاعاً عن الاستقرار وخشية الفوضى والدماء؟، وكيف لايكون انقلاباً وقد انقطع بث الاعلام الرسمي التركي لساعات قبل ان يعود للبث بعد سيطرة الأمن على المشهد؟، وكيف لايكون انقلاباً وقد شاهدنا رجالاً يقتادون شباباً يرتدون لباس الجيش التركي بعد (السيطرة على الموقف)؟.
كثر التأويل والتحليل وبلغ الاصطفاف أشده، كان أعمق التعابير ربما مظاهر الاحتفال التي عمّت اوساط الشعب السوري الشقيق الذي استبشر بسقوط الرئيس التركي الذي كان لموقفه العدائي أكبر الأثر في التدمير والتخريب والقتل الذي يجتاح سورية.
هلّل كثيرون للانقلاب قبل انكشاف النتائج ولاحقاً هلّل أكثر منهم لفشله واحتفلوا، وبقيت الاسئلة عالقة وبقيت التحليلات تراوح – حسب الموقف- بين تأكيد مريدي ” اردوغان” وحلفائه ان الانقلاب حقيقي لكن شعبية الرجل ومتانة نظامه أنجَت البلاد والعباد، وبين تشكيك مخالفيه بالرواية برمّتها واعتبار كل ماحصل تمثيلية هزلية قادها ” اردوغان” لتحسين صورته الداخلية واعطائه ذريعةً لتنفيذ ماعجز عنه بالوسائل المتاحة من الإجهاز على ماتبقى من نفوذ داخلي للجيش الى تحقيق فرض النظام الرئاسي الذي طالما سعى اليه مروراً بالسيطرة على كل مفاصل الدولة عبر التخلص من كل معارض او مخالف في الرأي وزرع الموالين وأبناء حزبه وتياره في مواقعهم وهو مايدللون عليه بالقرار السريع بإعفاء اكثر من (٢٦٠٠) قاضٍ من مناصبهم في خطوة لاتخلو من استغلال الموقف ولاتبدو ذات علاقة جدية بماقيل انه معاقبة الانقلابيين ومحاسبتهم، فما علاقة القضاء بماجرى في ساعات تركيا المعدودة في تلك الليلة الصيفية العجيبة؟.
وبعيداً عن المواقف لابد من بعض التوضيح والتساؤل لاكتمال المشهد قبل الحكم على الامر ،
لاشك ان عاقلاً لايمكنه ان يفكر في ان انقلابه على سلطة تتمتع بكل هذه القدرة والشعبية يمكن أن ينجح وبهذا الشكل التقليدي المتواضع، لاسيما وأن قادة الجيش التركي باتوا في غالبيتهم العظمى من اتباع “اردوغان” ومريديه، ولايمكن لعاقل ان يصدق ان انقلابه لو نجح سيتمكن من الاستمرار وضبط الامور دون خطابٍ واعٍ وعميقٍ ومقنع ودون قوة حقيقية على الأرض في ظل هذا الاصطفاف الشديد الذي يعيشه الداخل التركي وعموم اجهزته العسكرية والامنية والذي تبدو الغلبة واضحةً فيه لاتباع حزب العدالة والتنمية الذي تغلغل بشكل مدروس وعميق في بنية الدولة ومؤسساتها، ولايمكن لعاقل ان يصدق ان العالم الغربي وعلى رأسه واشنطن يمكن ان يسمح بفوضى حقيقية وحكم غير مأمون في بلد كتركيا بما يعنيه موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الاطلسي والرؤوس النووية الامريكية التي تحتضنها قاعدة ” انجرليك” وخصوصية الصراع ( المذهبي) الذي خلقته واشنطن وتطرب له والذي يغذيه سلوك القيادة التركية الحالية، مايعني أن مباركة واشنطن شرط أساسي لابد من توفره لمن يريد ان يخطو خطوةً كهذه( وبالمحصلة لمن يريد أن يواجهه بالمقابل)، فهذا جيش تركيا الذي لامجال لتغيير تبعيته أو تعكير علاقته بواشنطن او النيل من قدراته ودوره المهم (خارجياً بالذات).
ولاشك أيضاً ان عاقلاً لن يصدق ان ثمة قائداً عسكرياً تركياً او أكثر يمكن ان يخطط لانقلاب ويبدأ التنفيذ دون ان يكون قد خطط لتحقيق واحدٍ على الاقل من متطلبات الانقلاب وأبجدياته وهو مالم يحصل هنا.
لكن بالمقابل ، لايمكن لعاقل ان يصدق ان ماعاشته تركيا ليل ١٥ تموز كان مسرحية منفصلة عن الواقع بالمطلق ، أو أن المشاهد التي رأيناها بأعيننا على قنوات التلفزة كلها ملفقة ومدبرة أو أن شيئاً على مستوى الجيش والقوى الأمنية لم يحصل أصلاً.
إذاً ثمة ماقد حصل ولكن ثمة من اراد لنا أن نراه كما يطيب له ويخدم مصالحه ، مشهدان بالذات عززا لدى المتابع ان ثمة انقلاباً فعلا في تركيا، والغريب انهما من طرف الدولة التركية لا مَن وُصفوا بالانقلابيين : كلام “يلدريم” الذي سارع منذ البداية الى توصيف ماحصل بأنه انقلاب، ومشهد ” أردوغان” وهو يتحدث عبر شاشة هاتفٍ نقال ولمحطة غير التلفزيون الرسمي ويظهر كمن يستنجد بأنصاره للدفاع عن حكمه والبلاد، على العكس من الرئيس السابق ” عبدالله غل” الذي بدى متماسكاً واثقاً بأن مايحصل لن يعدو كونه زوبعةً في فنجان ، مادفع للاعتقاد بأنه بعيد عما يخطَط له في دوائر (تدجين) المشهد وتحقيق أكبر فائدة منه.
من حيث المبدأ فإن ماحصل في تركيا ليل ١٥ تموز أقرب الى التمرد المسلح منه الى الإنقلاب ، لكنه حصل، ولعل أسبابه لاتتعدى مثلاً : انكشاف أمر التحضير الهادئ لانقلاب فعلي مادفع المنظمين الى الاسراع في التنفيذ قبل اكتمال التحضير المحكم، أو أنه فعلاً تمرد استبق اجتماع (مجلس الشورى العسكري) الذي كان سيعقد قريباً والذي كان ينوي -كما سُرِّب- الى الاطاحة بالكثير من الرؤوس في المؤسسة العسكرية التركية، كما لايبدو مستبعداً ان يكون ثمة مخططاً فعلاً يُعد للاطاحة بالحكومة وكانت القيادة التركية في صورته منذ البداية فنجحت في اختراقه بشكل كامل وتركته حتى تحين أفضل فرصة للاستفادة منه وفرض السيناريو الأجدى له، وهو مايشرح ربما أسباب غياب رأسٍ واضح للتحرك وتأخر ظهور رئيس الأركان ، الذي ربما قاد أو بعض من ضباطه الكبار هذا التحرك – بعد اختراقه- بالشكل الذي يخدم الحكومة التركية.
وفيما يبدو سيناريو الضلوع الامريكي الكامل ثم انقلاب واشنطن على ” الانقلابيين” لما فيه مصلحة أكبر ضعيفاً، لايمكن استبعاد الدور الامريكي في المشهد برمته، لاسيما وأن الصمت الذي ساد المشهد قبل اعلان حسمه لصالح الحكومة التركية قد يعني ان جولة من التفاوض (الامريكي) قد حصلت وقد تظهر نتائج ماتمخضت عنه قريباً، فواشنطن صاحبة الأثر الأكبر والقدرة الأكبر والمصالح الأكبر على مستوى جيوش الحلفاء ممن هم على شاكلة تركيا.
الثابت حتى الآن أن ” أردوغان” قد كسب الجولة كاملةً على الصعيد الداخلي وهو أيضاً مايعني استبعاد نظرية غياب واشنطن عن المشهد، فواشنطن التي بالكاد تحتمل الصلف والعنجهية التي تتسم بها سياسة “اردوغان” تدرك انه اليوم يملك من الرصيد مايؤهله لمزيدٍ من البطش والعنجهية واتخاذ المواقف الحادة!!!، فهل ثمة مايجبر واشنطن على قبول مايراد له ان يكون نصراً أردوغانياً على الجيش الذي تعتبره (حليفها) الحقيقي في تركيا دونما ضمانات بعدم تغريد اردوغان خارج سربها – مدفوعاً بنشوة النصر الشعبي المبين- !!!.
وفيما اثبت الشعب التركي القوي الذي يستحق كل خيرٍ واستقرار حرصه على الحياة المدنية وخوفه على ماتبقى من ديمقراطية وحرية ثبت جلياً -أيضاً- أن حالة الاستقرار والهدوء التي يعيشها الداخل التركي تخفي خلفها اصطفافاً عنيفاً لن تهدأ عواصفه سريعاً وسيبقى جمراً تحت رماد الصدمة والقمع والتهميش والتغول المنتظر.
انتصر “أردوغان” وبات أقرب الى تحقيق حلمه في حكم تركيا فرداً لا منافس له ، هذا داخلياً، أما خارجياً فقريباً ستظهر الأيام مايتعلق بشأن الدور التركي في الأقليم ، فالانشغال بفوضى الداخل التي لن تنتهي سريعاً وتصريحات الحكومة التركية التي تتحدث كلها عن دور ” الأمن” وتمنحه صدارة المشهد على حساب الجيش التركي تشي كلها بالانكفاء الى الداخل وتعطي المبررات لتراجع التدخلات الخارجية وتراجع الدور التركي في الإقليم .
وفيما لاتقبل واشنطن تغوّلاً على الجيش التركي او تهميشاً لدوره ضمن منظومة حلفائها تبدو اليوم أقرب الى ضبط الإيقاع التركي الخارجي من أي وقت مضى وأدنى من تحقيق سياستها بمنع بلوغ أحد مكانةً تؤهله ليكون قوة حقيقية في الإقليم، -باستثناء الكيان الصهيوني طبعاً-.
وعليه نتساءل، تراه ماذا يكون المقابل الذي قَبِله “أردوغان” ثمناً لتحقيق حلمه الكبير في أن يصبح ( الامبراطور السلطان) لدولة اسمها تركيا بغض النظر عن حجمها ونفوذها ؟!!.
وسواء كان ماحصل ليل ١٥ تموز تمرداً أو انقلاباً مخترقاً او متسرعاً على “أردوغان” أو حتى انقلاباً (أردوغانياً على الجيش) فإن الذي غرّر بأولئك الشباب والفتية من عناصر الجيش التركي وأقحمهم في (لعبته) -محسومة النتائج- هذه قد قضى عليهم بل وعلى مكانة ودور الجيش التركي في الداخل ، وربما على مكانة تركيا ومستقبلها كدولة محورية في الإقليم، سواء بالتراجع والانكفاء أو حتى عبر مزيدٍ من التورط الباهظ واللامحسوب.
2017-07-17
تعليقان
اشعر بالسعادة والسرور والبهجه ان ارى مقالات الكاتب الوطني والوطني جدا والملتزم في هذا الموقع اليساري الموقر وارجوا الاستمرار
تحياتي لادارة الموقع
سوف يتم نشركل مقال جديد للكاتب ضرار البستنجي بمجرد وصول المقال للموقع