ضحايا خلف الاحمر!
اضحوي الصعيب*
اما الصهاينة العرب فموقفهم معروف ولا أمل بشفائهم. وأما السياسيون الذين أججوا الحرب الطائفية ونظّروا لها فهم رجال اعمال يتاجرون بالاخلاق، والان انشطروا الى شطرين احدهما يناصر فلسطين والاخر يناصر اسرائيل وفقاً لحسابات الربح والخسارة. واما البسطاء الذين جرفتهم الموجة الطائفية ردحاً من الزمن فلما انبلج صباح الطوفان اقبلوا الى الحق مسرعين كحملان رأت امهاتها. بقي قطيع خلف الاحمر.. وخلف الاحمر شاعر مخضرم (اموي عباسي) من اهل البصرة، كان يملك القدرة على تأليف اشعار بلغة الجاهليين فأعجبته اللعبة وخاض فيها الى الطبيين. ولما كان عصره هو بداية عصر التدوين صار محطاً لانظار المدونين وراحوا يشدون اليه الرحال من كل الامصار ليكتالوا من خزائنه المنسوبة لشعراء قدماء. فطار صيته في الآفاق وعاقر تلك الهواية زمناً طويلاً حتى كبر وبدأ يفكر بالموت والآخرة فاستدعى اولئك الذين نقلوا عنه وفرز لهم المنحول عن غير المنحول من الاشعار، وطلب منهم التصحيح.
لقد هالهم ذلك، فالزائف الذي تورطوا بحفظه وتحفيظه الاخرين اكثر من الصحيح، انه آلاف القصائد والمقطوعات والابيات المفردة، شيدوا منها صروحاً شاهقة للمعرفة فهل يهدموه دفعة واحدة ويعترفون لزبائنهم بأن كل البضائع زائفة! وماذا يكون حالهم هم بعد هدم ذلك البناء؟ مثل اللاعب الواعد وقد تقرر فجأةً تحريم الرياضة، او مطرب صاعد قررت دولته منع الغناء. فالقضية فيها جانب شخصي مؤثر، انها مجدهم الشخصي الذي ذاعت من خلاله اسماؤهم، ومن يتخلى عن مجده وتاريخه ويجلس عارياً؟. فالموقف هنا يعاكس القناعة لذلك رفض بعضهم الاخذ باعترافات خلف الاحمر المتأخرة وواصلوا ترديد تلك الاشعار المنحولة على انها للاقدمين. لا مثيل لهم الا اناس خاضوا في عباب الطائفية وافرازاتها، ولمعوا من خلالها كمتحدثين ومحللين وخطباء حتى جمعوا ثروات طائلة من الشهرة واذا بالطوفان ينسف ذلك البناء نسفاً ويبني فوق انقاضه ملحمة البطولة الحقيقية والمجد الرفيع والمعنى الصحيح للعزة والكرامة والكبرياء. لقد اقتنعوا لو ان الامر مجرد قناعة، غير انه ينطوي على التضحية بتاريخ شخصي مديد من السير في الضلال ينبغي التراجع عنه وادانته كما كان يفعل فرسان قريش عندما يدخلون في الاسلام. الامر ليس سهلاً بالتأكيد ويتطلب قراراً شجاعاً بالتخلي عن الماضي المخزي والاعتراف بأنه مخزٍ، فهل يفعلون؟.
( اضحوي _ 1752 )
2024-06-25