صلافه (Слава)… العبقرية التي اختطفتها الفودكا!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تختزن مدن العالم أسرارًا لا تُكتشف إلا بمحض المصادفة، ويظل البشر فيها علامات فارقة، يلمع بعضهم رغم العتمة، ويمضي آخرون إلى الهامش رغم وهج الموهبة. وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1983، شاءت الأقدار أن تجمعني مدينة ميتشا الروسية برجل استثنائي ظلّ عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم: صلافه (Слава)، أو مجيد كما كان يُلقّب عربيًا.
مدينة الطلبة وبدايات الحكاية
كانت ميتشا، الواقعة على بُعد نصف ساعة فقط بالقطار من موسكو، مدينة نابضة بالحركة؛ مكتظة بالطلبة والسكن الجامعي ووسائل الحياة البسيطة التي تمنح الغريب طمأنينة الانتماء المؤقت. وفي إحدى ضواحيها، وتحديدًا في شارع “سماشكة” رقم 43 في ناحية برلوفكا، استأجرتُ بيتًا ريفيًا روسيًا (داجه) من ابن امرأة روسية مهاجرة إلى إسرائيل، بمبلغ لا يتجاوز خمسة عشر دولارًا شهريًا.
كان البيت، رغم توفر خدماته الأساسية، خرِبًا حتى العظم؛ سقفٌ متصدع، أرضيات خشبية مهترئة، وسياجٌ آيل للسقوط. لكن الحاجة دفعتني لقبوله، خاصة وأنه كان قريبًا من السكك الحديدية… حيث الليل لا ينام إلا على صرير القطارات العابرة.
ظهور مجيد: الرجل الذي صنع من الخراب منجزًا
في هذه البقعة تحديدًا، كان يعيش صلافه رفقة عشيقته زويا. كلاهما مدمن على الكحول، لكنّ صلافه كان مختلفًا تمامًا عن الصورة النمطية للمدمن؛ رجلٌ في أواخر الأربعينيات، يمتلك مزيجًا فريدًا من الحدة الذهنية والمهنية العالية والثقافة العميقة.
كان كهربائيًا ماهرًا، نجارًا من الطراز الأول، صبّاغًا محترفًا، قادرًا على قراءة كتاب فلسفي بالعمق نفسه الذي يمسك به مطرقة أو مفكًا.
عندما بدأتُ بترميم المنزل، تطوّع لمساعدتي، لكنه وضع شرطًا واحدًا:
“أنا لا أتقاضى نقودًا. أجري قنينة فودكا… كلما انتهت، ناولني غيرها.”
كان طلبه غريبًا، لكنه بدا مبتهجًا به إلى حدٍّ يجعل الرفض نوعًا من الإهانة. ومع ذلك لم أتوقع أن يكون الكأس هو الوقود الذي يعيد إليه توازنه الغريب.
العمل تحت تأثير “الشراب”… وإنجاز يفوق المحترفين
بعد أن تناول نصف القنينة الأولى، وقف مترنحًا، ثم بدأ العمل بدقة وحرفية أذهلتني.
في وقتٍ كان النجار المحترف يطلب 150 دولارًا مقابل إصلاح الأرضية وحدها، أنجز صلافه المهمة كاملة مقابل قنينة لا يتجاوز سعرها دولارًا ونصفًا.
سلّمته القنينة الثانية لزُويا، فعاد ليواصل العمل على ترميم السياج؛ يهدم ما يجب هدمه، ويعيد البناء حتى الغروب. وفي اليوم التالي حضر بالقنينة الثالثة ليواصل المهمة. وبالمحصلة، أنهى إصلاح المنزل بأكمله خلال أسبوع واحد، ليحوّله من بيت خرب إلى داجه أنيقة تبدو وكأنها خرجت من ورشة حرفي متفرغ.
قصة سقوط مهندس… واكتشاف فلسفة مُرّة
بحثتُ في قصته، فعلمت أنه كان مهندسًا مفصولًا من عمله بسبب إدمانه. حاولتُ أن أفتح معه باب النصح، لكنه ضحك ضحكة تحمل كل سخرية العصر، وقال:
“وليد… ماذا سأربح إن عدتُ إلى العمل؟ الراتب بالكاد يكفيني لحاجاتي الأساسية. أما الآن فأنا أعمل بقدر حاجتي وأشرب بقدر جهدي. أعيش وفق فلسفتي:
لكلٍّ حسب عمله… ولكلٍّ حسب حاجته.
الدولة مثل الرأسمالي… كلاهما يستغل العامل.”
كانت جملة تختصر مأساة فكرية واجتماعية عاشها جيلٌ كامل في الحقبة السوفييتية؛ جيلٌ انهار بين طموحه العلمي وقسوة الواقع، بين موهبته الفردية وصرامة المؤسسة.
خاتمة: عبقرية لم تمت… بل بقيت شاهدة
صلافه لم يكن مجرد مدمن كحول، بل كان نموذجًا للعبقرية المقهورة؛ رجلًا طمس القدر ملامح إبداعه، لكنه لم يستطع أن يمحو أثره على جدران بيتٍ أعاد له الحياة، ولا من الذاكرة التي ظلّت تحفظه حتى اليوم.
إنه شاهدٌ على أن الموهبة وحدها لا تكفي…
وأن المجتمعات التي لا ترعى طاقاتها تحكم على نوابغها بالموت البطيء، ولو كانوا قادرين على صنع الجمال من قلب الخراب.
2025-12-10
–