لا يعد سعدي يوسف من رواد الحداثة الشعرية العربية التي تأكدت بقوة في خمسينيات القرن العشرين فحسب، بل إن ما يميز سعدي هو إنتاجه الشعري الغزير الذي يناهز الأربعين ديوانًا، كذلك تجربته الحياتية وعيشه بالمنفى منذ سبعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى مواقفه التي تتسم بالحدة والجزم غالبًا، كل هذه العوامل جعلت منه شاعرًا إشكاليًا، وفي ديوانه «طيران الحدأة» يمكننا أن نرى بوضوح ظلال المنفى والاغتراب في قصائد سعدي التي استحالت مرايا تعكس معاناةً وجوديةً وأزمةَ فقدٍ طاحنة بالشاعر في اغترابه عن وطنه العراق.
لقد بات الشعور بالوحدة هو المهيمن على قصيد سعدي في عزلته الوجودية التي تصحيه أينما ارتحل، فيقول في قصيدة «هذا الأول من أيار»:
لم أشعر أبدًا، أني ناءٍ
ووحيدٌ
مثل شعوري في هذا الأول من أيار…
ما حدثني أحدٌ
وأنا، لم أتحدث، حتى في السر، إلى أحدٍ.
والعمال احتفلوا في البارات
وأُغلقت الساحةُ
لا أعلامَ
ولا أحلامَ…
وأندريا تركت لندن كي تسكن روما، شهرًا
يبدو أن تلك المناسبة الحالة في أول مايو وهي عيد العمال بما يفترض أن تحمله من توافق مع هوى الشاعر الشيوعي المذهب- إذ يرى نفسه الشيوعي الأخير- لم تستطع أن تخفف عنه شعورًا بالنأي والوحدة بلغ المدى والذروة، فالشاعر في منفاه يبدو وقد صار ذا وجود مهمل، فلم يحفل به أحد، فلا حديث من أحد في الواقع أو مع أحد في الخيال والوهم، فقد انتفى الكلام عن الذات في منفاها، حتى باتت رهينة الصمت، رغم الصخب واحتفالات العمال في البارات، أي في أجواء مغلقة ضيقة، بينما أغلقت الساحات، حيث يحتاج الشاعر إلى فضاء فسيح يستوعب ذاته الوسيعة، فقد تلاشت مظاهر الاحتفال بالعيد كالأعلام، وهو ما بدد – على مستوى شعوري – الأحلام والأماني، حتى أنه فقد صديقته «أندريا» التي ارتحلت من لندن إلى روما.
وما بين المقطع السابق وهو مقطع القصيدة الأول ومقطعها الثاني يفصل الشاعر بأسطر ثلاثة من النقاط، ثم يستأنف قائلًا:
حسنًا يا ولدي!
نَمْ
وانتظر الأول من أيار يلوح في أحلامك
بالرايات الحمرِ
وبالقبضاتِ…
إذن، فما غرض الأسطر المنقوطة في الفصل والوصل بين مقطعي القصيدة؟ هل هي وقفة تأملية لتدارس الموقف بعد الشعور بالإخفاق والعزلة؟ أم تعبير عن التذبذب – لا شك – بين الإحباط والأمل، حتى ينحاز الشاعر للأمل، بانتظاره – ولو على صعيد الحلم والتمني – الأول من أيار بالرايات الحمر شارة الثورة وعلامة القوة، وسواء كانت ثنائية الحديث الموجّه إلى (ولدي) خارجية (ديالوج) أو داخلية (مونولوج)، فقد تكون الوقفة الفاصلة بالنقاط تعبيرًا عن زمن برزخي بين الحلم المحبط ومساعي معاودته، وقت مستغرق بإقناع الجيل القادم بمواصلة الحلم، لتحقيق ما فشل في بلوغه الآباء، أو إقناع الذات بعدم التخلي عن حلم الاحتفال بعيد الأول من أيار وانتظاره، فقد يكون الولد تعبيرًا عن الوجود الطفولي أو روح الحداثة والشباب والفتوة في كينونة الذات بما يحمله من معاني البراءة والقوة والأمل.
والشاعر بالبلاد الأخرى يبدو فاقدًا الإحساس بالانتماء لتلك البلاد التي يقيم بها حيث منفاه الموحش واغترابه، كما في قصيدة «غادر الآن»:
وأي بلاد أنت فيها؟
لتغلق النوافذَ (ليست بالنوافذِ)
أغلق المحطةَ … (موسيقى الأميرات ليست ما تحبُّ)
– كأنني تعثرت ليلًا بالأميرة، فليكن!
لقد فقدت الذات معنى البلاد والمعرفة بها في غربتها، ثم تدخل الذات في مناجاة مع نفسها، لتطالبها بإغلاق النوافذ على تلك البلاد: أي بالانكفاء على الذات، فالنوافذ قد فقدت فعاليتها ودورها بالانفتاح على الخارج، فباتت عديمة الجدوى، ثم تكون المطالبة بإغلاق محطة المذياع، فما تقدمه على غير ما تحب ذائقة الذات، فثمة اختلاف ثقافي رغم رقي المادة المقدمة من موسيقى الأميرات. وهنا يبدو أن ثمة ثلاثة أبعاد للذات: الذات المتسائلة أو الآمرة والذات المتلقية الأمر أو التساؤل، وهناك الذات المفسرة والمعللة للأمر، فكأن هناك متن وهامش، صوت وصداه المبرر لما يدفع به والمساند لتوجهاته.
وإزاء حالة اللا ارتياح تجاه تلك البلاد التي حلّ الشاعر بها، لما بينهما من فوارق كبيرة، فإن الشاعر يبدو قَلِقًا، متوترًا بتلك البلاد الأخرى:
انتبه
البلاد التي آوتكَ ليست بلادك!
البلاد التي آوتك، آوتك كي لا ترى بلادكَ يومًا!
أغلق الخط!
أغلق الهواتف…
أغلق قلبكَ!
يبدو أن الذات تمارس نوعًا من التنبيه المستمر نحو نفسها للتذكير بأن تلك البلاد التي تأويها ليست بلادها، فقد صارت منفى ومجرد مأوى، لكنها تحجبه عن بلاده، وتعمل الصياغة الشعرية على تكرارية ألفاظ بعينها كـ (البلاد) والفعل (أوتك) وفعل الأمر (أغلق) بما يلح على تأكيد الاختلاف والفارق الشاسع بين بلاد المنفى والمأوى والوطن، كما يؤكد تكرار الأمر (أغلق) على رغبة أكيدة في الانقطاع عن عالم لا تجد الذات نفسها فيه، فتلك الحوارية المستمرة بين مستويات الذات الواحدة تؤكد حالة من الجدل والحجاج الداخلي الذي تمور الذات به.
ويبدو أن عدم الألفة مع تلك البلاد رغم طول العيش بها نتيجة لانتماءات الذات للوطن، انتماءً يتجاوز البعد المكاني:
أنتَ
حفيد كِندةَ
وامرئ القيس… النبيّ
أفق
لماذا أنت في أرض لقيصرَ؟
أي معنى أن تكون بلندن الصغرى؟
أو الكبرى…
أقول لك النصيحة يا رفيقي:
غادر الآنَ…
امرؤ القيس الذي قد جاء، لا تتركه ينتظرُ!
لا يزال الشاعر يتذكر أصوله العربية الضاربة بجذور التاريخ السحيق، انتسابًا لقبيلة كندة العربية اليمانية وامرئ القيس الملك وشاعر العربية العظيم الذي بلغ بإبداعه الشعري منزلة النبوة، وكأن صوت الهوية بذات الشاعر يستنهضه من غيبوبة، وكأن الذات لا تصدق ما هي فيه، فيحل قيصر برمزيته التاريخية في مواجهة امرئ القيس، ملك مقارنة بملك، ولكن، يتجاوز امرؤ القيس الملك العربي وجوده السياسي ليطغى عليه كونه ملك الكلام والشعر، مما يجعل له قيمة مضاعفة إزاء قيصر، لذا تفقد بلاد المنفى، بلاد قيصر، أي قيمة أو أي معنى إذا ما حضرت بلاده برموزها التاريخية المشرقة التي تدفعه لمغادرة بلاد المأوى والمنفى، ولكن كيف السبيل إلى العودة؟ فالعودة إلى الوطن تبدو مشروطة بعديد من الشروط:
سوف يأتي العراق الجميل
سوف يأتي العراق
بعد أن يرحل الأمريكيُّ
والخادمُ الفارسيُّ المعممُ…
هذا العراق الجميل
قادم في الهواء الذي نتنفسُ
في الشاي عند أعالي الفرات
وفي العرق المرِّ في جبهة النهر…
لقد استحال الوطن «العراق» والشاعر، كلاهما مرآة للآخر، فبعدما يصرح الشاعر برغبته في مغادرة المنفى رغم ما يوفِّره له من مأوى، أي حلم العودة إلى بلاده «العراق»، يعود ليعلن عن رغبته وحلمه بأن يعود العراق، فكما أن الشاعر مستلب ويشعر بالفقد في غربته، بالمثل يشعر بأن الوطن ضائع، وأن عودته مرهونة برحيل المحتل الأمريكي وحكام البلاد من الموالين للغزاة والفرس، ثم يعود ليؤكد على حضور الوطن الرمزي والوجداني في مظاهر الحياة، فبعد أن ضاع الوطن كحقيقة في الواقع، ظل حاضرًا كفكرة على مستوى الرمز والخيال.
ومع الحلم والأمل الذي راود الشاعر بعودته إلى وطنه وعودة الوطن إلى أبنائه، أخيرًا يستبد اليأس به ويفقد أمل العودة كما في قصيدة «اعتذار»:
مضى صيف القرنفل…
لا تقل لي: أجيء غدًا إليكَ
وثمَّ كأس ستجمعنا
وأسماك
ونخل
ولا تلجأ لسومر والمراثي ببابل والسوادِ…
إلخ
إلخ
لا!
لقد مضى الصيف وحان الخريف، فصل الذبول، الذي يمثِّل لذبول الأمل، لذا فقد فقد الشاعر الأمل في غده، فقد الأمل في اللقاء بندمائه أو بمن يحب، ويعتمد الشاعر- هنا- طقسًا كلاسيكيًا من الشعر العربي القديم متمثلًا في مخاطبة النديم رفيق الكأس والمجلس، الذي غالًا ما يكون استدعاء الشاعر العربي له قرينًا باستعادة عهود الأنس وذكريات الألفة والبهجة، غير أن شاعرنا قد ملكه اليأس من الالتقاء بنديمه أو الوقوف والمرور بمعالم العراق كسومر وبابل والسواد، ثم يدل تكرار لـ (إلخ) مرتين على فقدانه الأمل في استعادة أي شيء وكل شيء، فقد ضاع العراق بكل ما فيه:
مضى صيف القرنفل
واستقرت عميقًا وردة الزرنيخ.
أبعدْ
ولا تأتِ.
العراق الذي أحببتَ لم يعدِ.
العراق الذي أحببتَ لم يعدِ…
انتظرنا
وانتظرنا.
قد مضى صيف القرنفل
وانتهينا…
يبدو الشاعر- هنا- في هذه القصيدة متماهيًا مع عراقه ومتوحدًا به، فالصوت في القصيدة هو صوت العراق يحدِّث شاعره، قد امتزج الصوتان: صوت الشاعر بصوت الوطن، فما صوت الوطن إلا صوت الشاعر يائسًا من عودة الوطن بعد طول انتظار، فبعد أن كان العراق أو صوت الأمل في داخل الشاعر يدعوه لمغادرة منفاه بلندن لأنها ليست بلاده، ها هو يصرفه عن فكرة العودة، ويدعوه للبعد عن الوطن، الذي استقرت فيه ورود الزرنيخ تنفث سمومها القاتلة، فأي تناقض واضطراب يعيشه الشاعر؟ وأي تردد وقلق يعصف به؟ فبعدما كان الشاعر والوطن يتقاسمان الأمل في عودة هذا الوطن لأبنائه وعودة أبنائه إليه، تُحسم المسألة بعدم استعادة الوطن مؤكدة بالمضارع المنفي بلم الذي يحمل معنى الماضي وحسم القضية، التي انتهت وانتهى معاها الوطن وأهله.
هذا ويدل التكرار الثلاثي لجملة (قد مضى صيف القرنفل) على دائرية الأقدار التي تلف مصائر الوطن وأبنائه، كما يدل تكرار جملة (العراق الذي أحببتَ لم يعدِ) على التأكيد على ضياع العراق وترديد هذا المصير القاسي الوقع على وعي الشاعر ووجدانه بما يُبرز مكابداته ومواجعه لفقده الأليم لوطنه الحبيب.
ناقد أدبى من مصر