سر تسمية حروب العدو بأسماء توراتية!
رنا علوان
مَن مِنا لم تستوقفه الأسماء التي كان يُطلقها العدو على حروبه في الآونة الأخيرة ، وكيف انها مستوحاة من كتابهم المُزيف … لكن الأمر ليس بجديد وليس ببريء أيضًا ، فوعد بلفور نفسه له مقدّمات دينية ، ومن يحسن القراءة يُدرك جيدًا معنى ذلك ، وكيف ان القرن السادس عشر تميّز بظهور “‘حركات مسيحية “‘ تدعو إلى “إعادة اليهود إلى البلاد المقدّسة” ، وخصوصًا بعد طَرد المسلمين ، ومعهم اليهود ، من الأندلس …
ولا عجب ان تبرير حكومات العدو الإسرائيلي المُتعاقبة لهذه الحروب ، هو التبرير نفسه الذي ساقه الصهاينة عند تأسيس الكيان اللقيط ، على أرض يملكها شعب تاريخي عظيم ، بذريعة أنها “أرض بلا شعب”، ما دام أن هذه الأرض كانت منذ البداية هدية وهبة من الله لليهود [ شعب الله المختار بحسب زعمهم ]
حسب سفر التكوين ، (الإصحاح 12:7): ” لنَسلِكَ أُعطي هذه الأرض”، وحسب سفر الخروج (الإصحاح 6:8): “وأدخلكم إلى الأرض التي رفعت يدي أن أعطيها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب”…
وبناءً على هذه النصوص يعتبر اليهود أرض فلسطين التاريخية ، والتي تضم أجزاء من العراق ، وسوريا ، ولبنان ، والأردن ومصر ، حقًا شرعيًا للكيان اللقيط تحت مُسمى [إسرائيل الكبرى ] ، وهو حق لا يتقادم ، ولا يقبل المساس به ، بإعتباره أقدس المقدسات …
من هذا المبدأ ، نجد كيف حرصت المؤسّسة العسكرية والسياسية للعدو الإسرائيلي على إستخدام أسماء ذات طابع توراتي ديني لحروبها وحمَلاتها وعملياتها العسكرية ، ولو عدنا ادراجنا الى عام 1948 ، نجد ان العدو أطلق على أكبر عملياته العسكرية على أرض فلسطين في أكتوبر/تشرين الأول اسم “يوآف”؛ أي ” يوآف بن صرويا”، وهو قائد جيش داود الموصوف في الكتابات الصهيونية بالشجاعة غير المسبوقة والتضحية من أجل أرض الميعاد
و عملية “نحشون” ، التي نُفّذَت في منطقة القدس ، وعملت على تدمير قرى عربية وتهجير أهلها … ونحشون شخصيّة ليست من ضرب الخيال بل هو موجود في قصّة الخروج التوراتيّة
أما عملية “قادش” عام 1956 وإحتلال سيناء ، فهي أيضًا إشارة إلى منطقة ذُكِرَت في العهد القديم ، ففيها استَراح بنو إسرائيل خلال تيه سيناء قبل دخول أرض كنعان …
فيما شكلت حرب “يوشع بن نون” التوراتيّة مرجعيّة رمزيّة لصعود اليمين المُتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو ، ذلك أن هذا الأخير يشبّه نفسه بالقائد يوشع الذي خلف النبي موسى في قيادة بني إسرائيل ، وقادهم لدخول “أرض الميعاد” بعد أربعين سنة من التيه ، الذي جاء عقوبة من الله على عصيانهم أمره بدخول الأرض المقدسة مُباشرة بعد خروجهم من مصر ، ولذلك تاهوا في الصحراء ، وقضى معظمهم نحبه ، إلى أن جاء هذا القائد ليقود الجيل الجديد المؤمن حقًا ، وهو ما يسمى بقصة الفتح في سفر “يشوع” التوراتية ، حيث أمرهم الله بغزو فلسطين وإبادة سكانها …
على هذا الأساس التوراتي المرجعي سمّ العدو الإسرائيلي حروب الاحتلال لأرض فلسطين- بالإحالة المرجعية على سفر “يشوع” في الكتاب المقدس- حروبَ “يشوع” الجديدة لشحن همم وعزائم اليهود الإسرائيليين وشحذ الذاكرة التاريخية من أجل تبرير كل البشاعة التي يقترفها في حملاته العسكرية … بوصفها ليست سوى مجرد استمرار واستكمال لمهمة يوشع بن نون المقدسة ضد الكنعانيين ، بل بوصف اليهود “الورثة الأصليين والشرعيين” للأراضي المقدسة …
لذلك ، ليس عبثًا أن تُشكل أسماء واستعارات حروب العدو ، نماذج مستوحاة من التوراة بشكل حرفي مثل
- “عملية السور الواقي ” ، وهو اسم عملية اجتياح غزة 2002 ، وهو مستوحى من “هذا السور لنا”، كما جاء في ” سفر نشيد الإنشاد ، (الإصحاح 8:9)
-“قوس قزح ” ، وهو اسم العملية العسكرية التي نفذها العدو الإسرائيلي في غزة عام 2004 ، ويدل إسم “قوس قزح”، على قصة قوس النبي نوح (ع) في التوراة للتبشير بالولادة الجديدة …
-“السلام من أجل الجليل” وهو اسم الحرب التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان واستباحة أراضيه عام 2006 ، بِيدَ أن الهزيمة التي مُني بها جيش الاحتلال جعلته يغير الاسم إلى حرب لبنان الثانية ، على أعتبار أن حرب لبنان الأولى كانت 1982
- “الحديد البنفسجي” ، حيث يرمز اللون البنفسجي إلى زمن المجيء وزمن الصوم الكبير والتضحية
-“عمود السحاب” عام 2012 ، فقد استندت كسابقاتها إلى التوراة ، وإسم هذه العملية مستوحى من سفر الخروج ، الإصحاح (21:13) ، والذي يقول بالحرف : “خروج الرب ليسير أمام بني إسرائيل نهارِا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق”…
-“الجرف الصامد” عام 2014 دلالة على نبوءة توراتية واردة في المزمور 91 ، من سفر المزامير والتي تفيد بدمار فلسطين وقيام أرض الميعاد ، بِيدَ أنه تم تغيير اسم هذه الحرب بعد هزيمة جيش العدو الإسرائيلي …
-“حارس الأسوار” أيضًا إسم عدوانه على قطاع غزة في مايو/أيار 2021 ، حيث يستمد دلالته الدينية من نبوءة أشعياء ، الإصحاح (62:6) الذي ورد فيه بالحرف أن: ” على أسوارك يا أورشليم أقمت حراسًا لا يسكتون كل النهار وكل الليل”
-“سهم باشان” ، وهو الأمر نفسه في تسمية العمليات الجويّة على سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024 ، وهو إسم مستوحى من التوراة ، ويشير إلى منطقة جنوب سوريا
-” عملية الأسد الصاعد” ، هو الإسم الذي أطلق جيش العدو الإسرائيلي على عدوانه الجوي على إيران في يونيو/حزيران 2025 ” والمستوحى من التوراة في أحد نصوص العهد القديم ، حيث يقول الإصحاح (23:24 ) “شعب كالأسد يقوم ، وكالليث يشرئب ، لا ينام حتى يأكل فريسته ومن دم ضحاياه يشرب”…
“الرصاص المصبوب” غزة 2008 – 2009 ، “السيوف الحديديّة” 2023، “مركبات جدعون” 2025 ، وغيرها الكثير من العمليات الصغيرة والكبيرة ، كلّها مُستَوحاة من تسميات توراتيّة
حتى تسمية عملية “أوريا” وإطلاقها على عمليات هدم الأبنية في قطاع غزة بواسطة الجرّافات العملاقة … هنا سيسأل سائل لماذا أوريا ؟؟؟ أوريا الحثّي الذي ورَد ذكره في التوراة ، مُحارِب مُرتَزق في جيش داوود ، فهو غير يهودي ، وحارَب لأجل المال والعطاءات … وكما يبدو أن سبب تسمية أوريا لوحدات الهدم هو وجودها في المَواقع الأخطر على خريطة “‘اسرائيل الكبرى”‘ ، كذلك لوجود مُقاوِلين وأصحاب عتاد للهدم يُرَجّح أن بعضهم من غير اليهود
المهم في الموضوع ان الأمر لم يقتصر فقط على الإسم أو التسمية ، بل كيف كان يتم إستثماره من خلال عدد كبير من الحاخامات اليهود الإسرائيليين عقب كل حرب أو عملية ، والأخذ بإطلاق وابل من التصريحات بغيّة منح العمل العسكري ضد الأبرياء والعزل من الأطفال والشيوخ والنساء وأصحاب الأرض ، طابعًا مُقدسًا …
ولعل تصريح الحاخام شموئيل إلياهو لإعلام العدو الإسرائيلي يوم 19 يوليو/تموز 2025 خير دليل على ذلك ، إذ قال:” أذكر أنني كنت في قاعدة تسئيليم ، حين وصل جنود عائدون من غزة لأخذ قسط من الراحة … كانوا لا يزالون يحملون غبار المعارك على بذلاتهم العسكرية وتمنيت لو يلتصق بي شيء من ذلك الغبار المُقدّس … شعرت حينها بجلال وروحانية عظيمة ، وكأن هناك إتصالًا مُباشرًا بالنور الإلهي الأعلى عبر ذلك الغبار … هؤلاء جنود الملك داود … الحضور الإلهي كان واضحا جدًا هناك”
الأمر لا يتوقف على عمليات الكيان العسكرية المرتبطة بالأراضي المزعوم أنها تنتمي ‘”لإسرائيل الكبرى”‘ ، مثل سوريا ، ولبنان ، بل تشمل ، وجوبًا ، كل الأراضي والدول والأنظمة الإسلامية ، ما دامت أرض الميعاد لا تنفصل عن عودة المسيح ، حيث زوال المسلمين جزء لا يتجزأ من هذا الوعد ، كما أن المغزى من الدلالات السيميائية لحروب العدو الإسرائيلي الاحتلالية والاستيطانية في سبيل قيام “‘إسرائيل الكبرى”‘ ، أرض الميعاد ، وأرض عودة المسيح المخلص ، ما يُفيد مزاعمهم بأن جيش العدو الإسرائيلي يسير على خطى الأنبياء والرسل اليهود “‘بهداية إلهية”‘ ، مثلما فعل موسى (ع) وعلى هديه يسير هذا الجيش
والأهم ان هذه التسميات هي أنها بمثابة [ أداة لإضفاء شرعيّة تاريخيّة ودينيّة على الصراع ، وإخراجه من كونه صراعًا حديث المَننشأ منذ تأسيس الحركة الصهيونية وفكرة الاستيطان في فلسطين ]
بإعتبار ان الأسماء التوراتيّة تخلق شعورًا وتأكيدًا بأن جيش الاحتلال الحالي هو [ الامتداد التاريخي لبني إسرائيل التوراتيين ] … بمعنى أنه ليس جيش إحتلال بل جيش تحرير ودفاع ، بينما الجيوش الأخرى ، أو التنظيمات والشعوب الأخرى في المنطقة ، تعتدي عليه كونها ترفض التسليم له بهذا “الحق التاريخي” … وهذا يعني أنّه من الطبيعي جدًا تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وضمّ الضفة الغربية ، ومُحاصَرة سكّانها في مساحات ضيّقة حتى تهجيرهم
وفي هذا السياق … تُعتبَر “اتفاقات أبراهام” جزءًا من الرؤية التوراتية حول حُسن الجوار والتفاهم ، مع التسليم بحق الشعب اليهودي “‘بدولة إسرائيل الكبرى”‘
ولعلّ الأخطَر في كل ما تم ذكره ، هو إيمان عشرات الملايين من المسيحيين بدعم الصهاينة كأمر ديني جاء في الكتاب المقدّس
وتعود جذور الفكرة إلى القرن السادس عشر في بريطانيا ، حيث دعا رجل دين اسمه بريتمان إلى “إعادة اليهود إلى الأراضي المقدّسة تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدّس …
بريتمان ألّفَ كتابًا حول الموضوع عام 1615 بعنوان: “هل سيعودون إلى القدس مرّة أخرى؟”… وهذه الفكرة تراوحت بين صعود وهبوط عبر ثلاثة قرون
وفي عام 1930 تأسّست تنظيمات في الولايات المتحدة ، أشهرها اللجنة الأميركية المسيحية لفلسطين … ACPC
حيث يرى هؤلاء أن واجب أميركا الديني مُحارَبة أعداء الكيان الصهيوني ، ومن هذه الزاوية يرون قرارات مثل تدمير العراق والدول العربية “أعداء إسرائيل” وهو اللوبي الرّائد في دعم إقامة [دولة الكيان الإسرائيلي الغاصب] عام 1948
وقد عَزّزت هذه الأفكار الغيبيّة انتصارات “العدو الإسرائيلي” في حروبه ، فقد رأوا في نصر “العدو الإسرائيلي” في حرب 1967 مُعجِزة … وهذا شَجّع آخرين على الانضمام إلى هذه الرؤية اللاهوتيّة
ختامًا ، إنّ الرؤية الدينية المُهَيمِنة على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ببُعدِه المحلّي والإقليمي والدولي … والذي استندت إليه جماعات الضغط الصهيونية في تبرير سعيها لإقامة ما يُسمى ب[دولة إسرائيل] لأنها تهدف لخلق دولة يهودية خالصة في أرض الميعاد ، فالكيان حقيقة تركيبه وهيلكه الرئيسي وعماده الأول كان دولة علمانية … بل إن الحزب الذي هيمن على الحياة السياسية في كيان العدو الإسرائيلي منذ قيامه في مايو /آيار 1948 وحتى أواخر السبعينات هو حزب العمل ، وهو حزب علماني صرف وكان من أحد اسباب تعاطف القوى الاشتراكية والعلمانية في دعم الكيان الوليد ، وعلى سبيل المثال ، الاتحاد السوفييتي السابق أول من اعترف بقيامه ومنحه الشرعية … بعبارة أخرى ، هي ليست حربًا على حدود ، بل على تحقيق حلم صهيوني بدولة من النيل إلى الفرات من خلال استخدام القناعات الدينيّة
لذلك نجد نتنياهو كيف يُجاهر بأنه المبعوث الإلهي لهذه المهمّة ، ويعمل على تطبيقها على قَدَم وساق ، مُستَغلًا تشرذم العرب ، ووجود رئيس أميركي داعم له بقوة … لكن الزيف يبقى زيفًا … وصاحبه اكثرهم إدراكًا بذلك
حيث يعترف ويقول الصحافيّ الصهيونيّ ، جدعون ليفي ، أنّ “الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر ، فقد احتللنا أرضهم ، وأطلقنا عليهم الحسناوات وبنات الهوى ، وقُلْنا ستمرّ بضع سنوات … وسينسون وطنهم وأرضهم ، وإذا بجيلهم الشاب يفجّر انتفاضة الـ 87 … أدخلناهم السجون وقلنا سنربّيهم داخلها ، وعقب سنوات ظننا أنّهم استوعبوا الدرس ، إذا بهم يعودون إلينا بإنتفاضة مُسلّحة عام 2000 أكلت الأخضر واليابس … ثم قلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة ، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها ، رغم الحصار والدمار ، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة ، وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق ، حتى أثخنوا فينا قتلاً في الحرب الماضية … حاربناهم بالعقول ، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعيّ (عاموس) ويُدخِلون الرعب إلى كلّ بيت إسرائيليّ”
يبدو أننّا نواجه أصعب شعب ، ولا حلّ معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال … جملة تشير إلى أنّ الإسرائيليين يُدركون بشكل كامل الخداع الذي تم زرعه في عقولهم
يقول ليفي نستطيع تدمير الأبنية في غزّة المحاصرة منذ عقود ، لكنّنا لن نستطيع وقف عملية التدمير الذاتيّ الداخليّ الإسرائيليّ ، إذ إنّ السرطان الذي يعاني منه كيان الاحتلال قد بلغ مراحله النهائية ولا سبيل لعلاجه لا بالأسوار ولا بالقبب الحديدية ولا حتى بالقنابل النووية … فالتاريخ علم اليهود أنّه لا يمكن لدولةً يهودية أن تستمر لأكثر من ثمانين عامًا ، وهذا ما دفع رئيس الوزراء الصهيونيّ بنيامين نتنياهو ، للقول : “سأجتهد لكي تبلغ إسرائيل عيدها المائة” … ولن تبلغ
2025-11-19