زئير العاصفة …!
فريد العليبي
ما تشهده تونس هذه الأيام يشبه عاصفة، فقد هبت رياح قوية ، ومعها تداعت بيوت القش ، زئير تلك العاصفة يسمع الآن في أرجاء تونس ، ففي طول البلاد وعرضها يتم القاء القبض على محتكرين ومهربين، استولوا على قوت التونسيين وأخذوه بعيدا عن مسالك التوزيع المعتادة لتمتلئ به مسالك التجويع ، ويُحل المجلس الأعلى للقضاء في تركيبته الحالية لتسكن العدالة قصورها ، وتُفتح ملفات ظلت مغلقة لوقت طويل ، مثل القروض والهبات التي حصلت عليها تونس ولا يعرف مصيرها حتى الآن، فضلا عن الافراج عن معلومات خطيرة متصلة بالاغتيالات السياسية ، تورط فيها قادة الإسلام السياسي، الذي هيمن طيــــــلة العشرية الماضية على الحكم ، وهو ما من شأنه أن يفتح سبيل المحاسبة العادلة.
ويبدو أن العوائق التي نُصبت أمام تلك العاصفة لم تنجح في عرقلة سيرها وكتم هديرها حتى الآن ، فهي ماضية في سبيلها ، ومعها تتطهر تونس شيئا فشيئا وتولد من جديد ، ومع زئيرها يسمع صوت رئيس الجمهورية الذي ينطق مُهددا مُتوعدا تارة ، وطورا مُتخذا القرارات التي تقلب المشهد السياسي رأسا على عقب ، مـعتمدا سياسة الصدمة.
وتلك العوائق داخلية وخارجية ، فداخليا تآلفت كل قوى المنظومة المستفيدة من العشرية السابقة واتحدت فيما بينها ، دفاعا عن مصالحها ، وراحت تخاتل مجددا بالديمقراطية وحقوق الانسان والدستور، وهى البضاعة السياسية الموجهة خاصة الى السوق الخارجية . وحتى من تردد قليلا غداة 25 جويلية في موقفه من الهبة الشعبية وقرارات الرئيس المتطابقة معها ، فإنه سرعان ما حسم أمره ، ملتحقا بتلك المنظومة ، عندما لم يجد ما يفوز به من غنيمة .
وخارجيا هناك تآلف واتحاد أيضا يضم دولا كبرى ، تنظر الى تونس باعتبارها حديقتها الخلفية ، مستغلة المصاعب الاقتصادية التي تمر بها للعبث بسيادتها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية ، وهى التي تعبر في كل مرة عن قلقها البالغ من قرارات الرئاسة التونسية، التي تهدد بزعمها الديمقراطية الفتية، بينما ما يقلقها فعليا هو افلات تونس من أسوارها التي ضربتها حولها منذ وقت طويل، فإشارات سعيد حول التطبيع مع الصهيونية ، وتحالفه مع الجزائري تبون، واستدعاؤه السفير الأمريكي وتأكيده على السيادة الوطنية ، وازدراؤه للتحولات الديمقراطية المسقطة ،وضجره من تصنيفات المراكز المالية ، وإمكانية اتجاهه شرقا الخ.. ذلك كله يزعج تلك القوى ، التي كشف الوقائع التاريخية القريبة توظيفها الانتفاضات العربية لخدمة مصالحها الجيواستراتيجية ، حيث لم تكن الديمقراطية غير معول هدم لأقطار فوق رؤوس أصحابها بغية السيطرة على ثرواتها، وحتى أفغانستان التي قدمت كمثال لنشر الديمقراطية ، فقد اعتراف غزاتها يوم مغادرتها أنهم لم يذهبوا اليها لغراسة الحرية ، وانما للقضاء على الإرهاب، الذي أنهوا حملتهم عليه بعقد صفقة معه .
واليوم هناك انسجام لا تخطئه العين بين تلك القوى الداخلية والخارجية فهي ترتبط فيما بينها بأواصر علاقة قوية ، على قاعدة تقديم الخدمات والحصول على الأثمان ولا يهم إن كانت مغموسة في الذل والاستكانة. وهى لن تدخر جهدا في تحويل وجهة العاصفة لتصبح إعصارا مدمرا يكون الشعب ضحيته . وما يجعلها تحجم الآن عن ذلك وتحسب لحركاتها وسكناتها ألف حساب ،هو تلك المقبولية الشعبية الكبيرة التي يحظى بها رئيس الجمهورية . لذلك تسعى أولا لتجريده منها بألف طريقة وطريقة فعند حصول ذلك يكون مشروعه الإصلاحي قد مات، ويتوقف الانفجار الثوري عن الحركة التي بدأت منذ سنوات وضعفت لبعض الوقت ، ثم استعادت قوتها قبل أشهر ، ووقتها ستتنفس القوى الداخلية الصعداء لتعود الى سالف عملها. لذلك تبحث اليوم عن طوق النجاة في الخارج بعد إدراكها أن الداخل لا يصغي اليها .
ومن ثمة فإن أثمن راس مال تمتلكه تونس الآن هو شعبها ، الذي تعود اليه الروح شيئا فشيئا ، وطالما ظل يقظا ، متقدا إرادة وتصميما وحيوية ، فإنه سيحقق أحلامه في الفوز بالعدل والحرية ، وسيجعل أحلام تلك القوى تتبدد مع مرور الوقت.
تونس
2022-02-14
تعليق واحد
بورك فيك ويسلم قلمك وفكرك اختزلت واقنعت ووضعت الامور في نصابها هكذا كنا وها نحن نستفيق والمطرقة على رؤوسنا من كل صوب بدعوى الديمقراطية والدستور وما شابه ذلك بهتانا ، سنقاوم سنجوع لكن مع بعضنا شعبا ورئيسا ووطن سننتصر وما ضاع حق وراءه طالب