درس اسرائيلي في التفاوض!
أضحوي جفال محمد
يجتمع في التفاوض عاملا العلم والفن، لذلك فهو ليس وقفاً على الدبلوماسيين الرسميين. فأنت في حياتك العادية عندما تحتاج اقناع شخص بأمر من الامور الاجتماعية تنتدب للمهمة شخصاً تعتقد انه ينجح بها. هذا الشخص مفاوض بارع بغض النظر عن نوع المهمة وبغض النظر عن تحصيله الدراسي فربما يكون أمياً.
القضية الاخرى الهامة في التفاوض هي المعلومات، فإذا حصل المفاوض على معلومات صحيحة عن الطرف الآخر عرف حدود طلباته. فأنت حين تعرض سيارتك للبيع لا تنطلق في المساومة من حاجتك فقط لثمنها وانما ايضاً من معرفتك بمدى تمسك الشاري بها، فربما هو محتاج لشرائها بقدر حاجتك لبيعها وفي هذه الحالة تستطيع التمسك بسعر مرتفع. والان نعرض اربعة نماذج تفاوضية من واقعنا العربي، جميعها يمثل الاسرائيلي طرفها الاخر:
1- عام 1970 وحين بلغ التوتر أقصاه بين الملك حسين ومنظمة التحرير الفلسطينية واصبح الصدام العسكري وارداً اتصل الملك بالاسرائيليين عن طريق الامريكان وطرح عليهم ثلاثة اسئلة او بتعبير أدق ثلاثة مطالب: الاول، هل يمكن ان تمتنع اسرائيل عن الرد على المدن الاردنية اذا نفذ الفدائيون عمليات من باب الاحراج عندما يندلع القتال بينهم وبين الجيش الاردني؟.
ثانياً، هل نستطيع الاعتماد بأن لا تستغل اسرائيل الظرف وتتقدم عسكرياً عبر نهر الاردن؟. ثالثاً، اذا سارت المعركة لصالح الفلسطينيين واصبح الجيش الاردني في وضع صعب هل يمكن ان تتدخل اسرائيل لصالحنا؟.
كان الفدائيون ينفذون عشرات العمليات يومياً ويزلزلون الارض تحت اقدام الصهاينة. وكانت اسرائيل مستعدة للانسحاب من الارض المحتلة مقابل السلام، والمفاوضات جارية بوساطة وزير الخارجية الامريكي وليم روجرز. لكن الملك حسين، لجهله او لعمالته، تقدم بهذه المطالب البائسة ثمناً لقضائه على المقاومة الفلسطينية!! فهل وافقت اسرائيل عليها؟ لا.. لأن اسرائيل تدرك مقدار جهله او عمالته اجابت كما يلي: المطلب الاول مرفوض، وسترد اسرائيل على كل عملية تنطلق من الارض الاردنية. ووافقت على المطلب الثاني بأن تقف متفرجة على حرب اردنية فلسطينية. اما المطلب الثالث فقالت انه يتقرر في حينه.
2- خلال مفاوضات وقف اطلاق النار الاخيرة في جنوب لبنان رغبت فرنسا ان تكون راعياً للهدنة الى جانب الولايات المتحدة، فرفضت اسرائيل ذلك. لا يوجد لفرنسا توجّه مختلف عن التوجه الامريكي الاسرائيلي، ووجودها يشكل ضغطاً اضافياً بهدف نزع سلاح المقاومة، ومع ذلك رفضت اسرائيل لعلمها بالاهمية الاعتبارية التي يوليها الفرنسيون لدورهم في لبنان. الاعتراض الاسرائيلي تكتيكي وليس مبدئياً، فهم يريدون ثمناً لقبولهم بأن تساهم فرنسا في نزع سلاح المقاومة!!. وحصلوا على الثمن وهو ان تمنح فرنسا حصانة لنتنياهو من قرار محكمة الجنايات الدولية في حال زيارته لفرنسا.
3- خلال المفاوضات الامريكية الاسرائيلية مع جبهة النصرة بهدف اسقاط نظام الاسد تم الاتفاق على تقديم المساعدة الفنية والمخابراتية من الجانب الامريكي الاسرائيلي لانجاح العملية مقابل قيام النصرة بقطع الامداد عن المقاومة في لبنان وفلسطين. ان امداد المقاومة بعوامل الصمود يمثل قضية وجودية بالنسبة لاسرائيل، وهم مستعدون لدفع اثمان باهظة من اجله، لكن الجولاني لجهله او لعمالته لم يطلب الا المساعدة الفنية التي لا تمثل بالنسبة للامريكان والاسرائيليين عملاً مكلفاً او تنازلاً سياسياً. لذلك يجد الحكام الجدد الان نفسهم في ورطة لأنهم ما زالوا محاصرين ومعاقبين وعلى قائمة الارهاب. وقد كافأتهم اسرائيل بالاف الغارات واحتلال مساحات اضافية دون ان ينبسوا ببنت شفة لأنهم لم يشترطوا مسبقاً ان لا تقوم اسرائيل بما قامت به، بل ربما جرى كل الذي جرى بالتوافق.
4- الحالة المعاكسة لكل ما تقدم هي حالة المفاوض الفلسطيني منذ اكثر من عام. لا شك ان الوضع الذي يعيشه المقاومون الفلسطينيون يقع بين الاصعب والاقسى على مر التاريخ، ومع ذلك يفاوضون بعناد لمعرفتهم بقيمة اوراقهم واوراق العدو. يعلمون ان اسرائيل تواجه ظروفاً صعبة من جراء الحرب لم تمر بها في تاريخها، بمعنى ان لها مصلحة في انهاء الحرب كما للفلسطيني مصلحة، فوقف اطلاق النار ليس مكرمة اسرائيلية تستحق الثناء. يدرك المفاوض الفلسطيني ان الاسرى الاسرائيليين لديه هم الورقة التي تفتح الباب امام نهاية العدوان لذا يجب الاحتفاظ بها لهذا الغرض وعدم انفاقها على اشياء اخرى.
( اضحوي _ 2015 )
2025-01-11