حرس حدود الإبادة الفلسطينية!
نزار السهلي*
يدخل العدوان الإسرائيلي على غزة شهره السادس، بإتمام وتجريب المؤسسة الصهيونية كل جرائم الحرب والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، يوميات العدوان وتفاصيل الجرائم والمواقف منها تحمل كثير من الزخم والدروس للشارعين الفلسطيني والعربي، ثم فيهما ما هو أخطر من ذلك، لما تختبره جريمة التواطؤ العربي والدولي مع قفزة الاحتلال الإسرائيلي النوعية لتكريس جرائم الإبادة الجماعية، من إقامة معسكرات الاعتقال الجماعي للغزيين وتعذيبهم بطرق وجشية حسب التقرير الأخير للمرصد الأورومتوسطي “إن سجون ومراكز احتجاز إسرائيلية تحولت إلى نسخ أشد دموية من معتقل “غوانتنامو”، بما تشهده من أشكال تعذيب مشينة، ومعاملة حاطة بالكرامة الإنسانية، وحرمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية.”
إلى إنتهاج الاحتلال مبدأ تصفية الوجود الفلسطيني على مرأى ومسمع العالم كله بحرب لا هوادة فيها على كل ما يشير لارتباط الفلسطيني بوطنه وأرضه لمنع استمرار العيش فيها وفوقها.
انجلاء مواقف وسياسات عربية وغربية من العدوان، ودون الخوض في تحليلات ودقائق وتفاصيل يضيق المجال هنا عن ذكرها، لكن نستطيع القول، بلسان ضحايا العدوان الإسرائيلي من شوارع غزة، والذي “حبلت” به أفئدة وضمائر وحناجر الفلسطينيين منذ ستة أشهر، بمناشدة أشقائهم لنجدتهم من القتل والدمار، وحمايتهم من الجوع الفاتك بأطفالهم ونسائهم، والفلسطينيون هنا، لا يريدون من أحد توجيه البوصلة على من يخذلهم من عالم منافقٍ ومتملق للمشروع الصهيوني، من أمريكا إلى عواصم الغرب، فهذا الاختبار مُجرب منذ النكبة الفلسطينية التي طفحت أدبياتها ووثائقها بفضح هذه العلاقة، والتي قادت مع معطيات أخرى لهزائم عربية متتالية، والمعطيات الأخرى هنا تتجلى بمواقف عربية من حرب الإبادة المستمرة في غزة، فمسألة النفاق والانتهازية والبكاء على حقوق الإنسان، وسلوك الغدر والطعن بالفلسطينيين وقضيتهم، أصبحت مسائل لا تخص التعاطي الغربي والأمريكي مع القضية الفلسطينية وبقية القضايا العربية، كما دلت تجربة عودة معسكر الثورات المضادة وبقوة للخندق الأمريكي الإسرائيلي، وبشكل صريح وواضح في ذروة الثورة المضادة بتصنيف حركة المقاومة الفلسطينية للاحتلال كحركة “إرهابية” كما صنفها القضاء المصري والإماراتي، وطارد واعتقل عشرات الناشطين منهم، أو نعتها بحركة ” غدر وخيانة” كما وصفها زعيم محور “الممانعة” بشار الأسد قبل العدوان الأخير بأيام قليلة.
حرب الظل
استخدام التخويف السائد عربياً من المقاومة الفلسطينية، وتصنيفها حسب القاموس الصهيوني، كغطاء لتعطيل عمل السياسة العربية وحصرها في باب الاستجداء والمناشدة وشجب العدوان، يؤدي بالتالي الى الوقوع بكمائن المستعمر الصهيوني، لذلك يمكن القول إن حرب الظل العربية الانتقامية من غزة، بالسكوت والتفرج وتقديم العجز المفضوح أمام جرائم الإحتلال المختلفة، مرده أن غزة ومقاومة الفلسطينيين كانت مفخرة واعتزازاً خاصاً يقدمه الشعب الفلسطيني لهذه المنطقة من العالم التي تسود فيها ديكتاتوريات عربية تنتصر بفرض القمع والقهر والخوف على شعوبها، ولأن النظام العربي يعتبر الحرية والكرامة والعدالة ومقاومة المحتل ” عدوى خبيثة” ، يدفع بكل طاقته لاستئصال شأفتها بعد ارتعاد فرائضه مع المحتل خوفاً من شيوعها بعد درس الثورات العربية
الشعب الفلسطيني الذي لم يعد بحاجة لمجلدات شرح “معسكر الأعداء والأصدقاء” ولا لسرد أسئلة كيف تمت النكبة عام 1948؟
نهب الأرض وتهويدها
وكيف توجت هزيمة جيوش عربية واحتلال بقية فلسطين عام 1967، لإقامة حزام قمعي حول فلسطين هذه الإجابات طافحة اليوم بغزة وعموم فلسطين، دلالة كل ذلك أن تكالب التآمر على قضية الشعب الفلسطيني الوطنية وإيغال الاحتلال ومؤسسته الفاشية العنصرية في الجرائم والقتل ونهب الأرض وتهويدها، وإطلاق يد عصابات المستوطنين في مدن الضفة بعدما أصبحت الذراع الفعلي لحكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، لإكمال حلقة العدوان على الأرض والبشر، من شأن كل ذلك، أن يشد من أزر الفلسطينيين ومقاومتهم، بخلاف الرغبة الصهيونية ومن يقف في صفها لمحاولة إلحاق هزيمة بالشعب الفلسطيني وتبديد حقوقه التاريخية.
أخيراً، الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل سياسياً وعسكرياً وأمنياً، ومن كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة جمهورية كانت أم ديمقراطية، هو العامل الأساسي لاستشراء الفاشية الصهيونية على الشعب الفلسطيني، لكن أليس من الواجب العربي مواجهة هذا الدعم بما يوازيه لأشقائهم في العروبة والدين والجغرافيا والإنسانية في فلسطين؟
واجب معلق في آفاق الصراع العربي الإسرائيلي، وكل الأشواط العربية المقطوعة نحو سماء غزة وبحرها هرباً من أرضها وشعبها لا يمكن أن تخدع الشعب الفلسطيني الذي خبر في ستة أشهر ما راكمته عقود النكبة والهزيمة العربية المستمرة في محاولتها تجميل القبح الصهيوني، ومن يقول أن الحق على أمريكا فقط لأنها حليف قوي لإسرائيل نقول له: صحيح، لأن الفلسطينيين لا يمتلكون حليفاً عربيا، لأنهم محاطون بحراس حدود لنكبتهم وهزيمتهم.
كاتب فلسطيني
2024-03-13