حرب تحطيم العرب
نبيه البرجي
لا السعوديون سيوقفون غاراتهم حتى ولو لم يبق حجر على حجر في اليمن، ولا الحوثيون سيسلمون أسلحتهم حتى ولو لم يبق لهم اثر. في الغرب يقولون أنها الحرب التي ستحطم العرب. ولكن لمصلحة من؟ اقرءوا ما وراء الوجوه، وما وراء الأقنعة، الأميركية!
السعوديون الذين نجحوا في بناء الارمادا الجوية لا يستطيعون بناء الارمادا البرية. الحرب البرية في اليمن، بتشكيله السريالي، تحتاج إلى مائة ألف جندي. الانكليز، الأكثر دراية والأكثر حنكة، يتحدثون عن مائتي ألف جندي…
وحتى لو وافق البرلمان الباكستاني على المشاركة، لم يكن الرقم ليتعدى الخمسة عشر ألفا كحد أقصى لان المؤسسة العسكرية هناك محكومة بالهاجس الهندي، كما أنها توزع قواها في مئات النقاط التي تتحرك فيها مشتقات القاعدة، فضلا عن الطالبانيين الأفغان، ومع اعتبار إن وكالة الاستخبارات المركزية استحدثت هذه الحركة في باكستان بداية من اجل حراسة أنابيب الغاز الممتدة من تركمانستان إلى الشمال الأفغاني منه إلى بلوشتان، وبالتالي إلى المحيط الهندي..
باكستان محكومة بشبح التجزئة، وهي إذ تعني» ارض الأطهار»، فإن الذي قام بتركيب الاسم هو طالب هندي مسلم في جامعة كامبردج، وقبل قيام الدولة بأربعة عشر عاما، وعلى أساس إن الباء تعني البنجاب، والكاف تعني كشمير، والسين تعني السند، واللتان تعني المنطقة المتنازع عليها مع أفغانستان..
هل حقا ما ينقل عن مستشار مسئول عربي كبير من إن أول جندي باكستاني يدخل إلى اليمن سيحمل بندقيته فقط، إما الجندي الباكستاني الأخير فسيحمل معه القنبلة النووية. كان مقدراً إن يسقط الباكستانيون في «ثقب الأوزون»، ولا بد إن تغدو الحرب حتمية بينهم وبين إيران.
في هذه الحال يصبح استخدام القنبلة من البديهيات الإستراتيجية، كما لو إن ذلك بمثابة تحقيق لنبوءة الباحث المستقبلي الأميركي آلفن توفلر الذي اعتبر انه إذا كانت القيم السياسية في الغرب تحول دون اللجؤ إلى الخيار النووي، وهذا ما عكسته فلسفة الحرب الباردة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي( في عهد هاري ترومان) دين اتشيسون،فإن القيم السياسية، والإيديولوجية، في الشرق هي في حالة تخلخل بنيوي ، أي إن العقل هناك بحمولته اللاهوتية يبدو قريبا جدا من العقل الوثني الذي طالما تعاطي مع العالم على انه مهرجان للعدم…
أكثر من إن يكون مثيرا رفض إسلام آباد بالإجماع المشاركة في الحرب. وحين كان هناك من يقترح البدء بشراء خمسين ألف سوداني، حدث نوع من الارتجاج في الخرطوم، وهي التي تعاني أساسا من مشكلات مصيرية عاصفة. ثمة خوف عميق من المتاهة اليمنية التي ابتلعت ألاف الجنود المصريين، وان قيل إن المال السعودي الذي عبأ القبائل ضد جمال عبد الناصر، ولتحطيمه، كان الأساس في ما حصل. المال الآن يعمل في اتجاه آخر. كيف يقاتل محاربوا الصحارى في الجبال؟
الخبراء الغربيون هم الذين تحدثوا عن « قطار الموت إلى اليمن». وإذ توجهت الأنظار إلى المغرب، تبين إن المملكة الشقيقة التي استضافت بعضا من تغريبة بني هلال لها مشكلاتها الهائلة أيضا.
وحتى عندما أثيرت مشاركة الأردن، كان الرد هو الاستعداد للمشاركة بالطيارين أو بجنود مدربين على قيادة الدبابات لان الأزمة اليمنية بتعقيداتها يمكن إن تستهلك عشرات ألاف الجنود، ولا قبل للأردن بالمجازفة بمصيره. الدولة في الأردن هي جيش بالدرجة الأولى وبعدما تمكنت التنظيمات الإرهابية من الاختراق الدراماتيكي لـ «السور المقدس» الذي كانت تمثله القبائل للبلاط الهاشمي..
مهما حاول بعض الإعلام التقليل من(هول) الصدمة التي أحدثها الموقف الباكستاني، وبالإجماع المنقطع النظير، فإن الموقف أسهم في تغطية لاءات دول أخرى للتورط في مستنقع النار.
الخيار البديل واليائس كان بتعبئة القبائل، بطريقة البيع والشراء التي طالما اعتمدت في أوقات سابقة. هذا يعني دفع اليمن إلى حرب أهلية طاحنة ومن دون أي أفق، مع اعتبار التداعيات الكارثية لمثل هذه الحرب على الجوار..
وإذا كان أصحاب الرؤوس الحامية والذين يعتقدون إن الغارات الجوية دمرت البني الأساسية للحوثيين وحلفائهم، كما نجحت في تفكيك إمكاناتهم اللوجيستية، وتصوروا أو صوروا للناس إن الفتح المبين بات على مسافة قوسين أو أدنى، فإن أصحاب الرؤوس الباردة يرون إن البديل المنطقي من حرب المائة عام. المفاوضات. ولو كانت مفاوضات المائة عام!
26/04/2015