حرب الغذاء والبذور، تقلب النظام العالمي
موفق محادين
تحوّل العالم الثالث والكتل الكبيرة فيه إلى حاضن للصناعات الكلاسيكية، فيما يستحوذ العالم الرأسمالي المتطوّر على الأتمتة العالية، ولعبة البورصة، والاحتكار الجديد للزراعة المُتقدّمة عبْر حرب البذور.
يتحوّل العالم الثالث والكتل الكبيرة فيه إلى حاضن للصناعات الكلاسيكي
في متابعة لقناة الميادين أثار مؤتمر “فلاحي الأرض” (via compessina) المُنعقد في إقليم الباسك ــ إسبانيا، قضية شديدة الخطورة وراهِنة بل ومُلحّة، تمرّ على السياسيين والكتّاب مرور الكِرام، هي قضية الأمن الغذائي للبشر، التي لاتقلّ أهمية عن قضايا الإرهاب والصِراعات الأخرى، وترتبط ارتباطاً شديداً بالبيئة التي تتعدّى السائد شأنها إلى تفاصيل الحياة برمّتها، من الغذاء إلى الدواء إلى الماء.
ومن بين عشرات العناوين ذات الصِلة، فإن البذور أو حرب البذور، هي قضية القضايا تحت هذا العنوان.
في السابق، كانت المتروبولات تُسيطر على الموارد والمحاصيل في بلدان المحيط العالمي، وكانت الشعوب المغلوبة تُكافح لاستعادة هذه الموارد والتحكّم في وظيفتها وأسعارها وأسواقها.
وكان من أشهر تلك الحروب، حرب الشاي التي انتهت باستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، وحرب الملح التي انتهت بقيادة غاندي باستقلال الهند عن بريطانيا أيضاً، وحروب الحرير والقطن ودور شركات ليون ويورك شاير فيها، وحروب التبغ التي انتهت بفتاوي رجال الدين الشيعة والمسيحيين، ضدّ المُستعمرين.
فمن فتاوى الحوزات الشيعية ضدّ الشاه ناصر الدين القاجاري لمنحه امتيازات التبغ لشركة بريطانية، إلى (فتوى) البطريرك الماروني، الحويّك، لصالح الفلاحين في كسروان ضدّ الشركات الفرنسية.
كما خلّد الأدب العالمي حرباً أخرى، هي حرب ما يُعرَف بثمرة الخبز أو طعام العبيد في جزر الأنتيل، وذلك في رواية، تمرّد على ظهر السفينة بونتي للقبطان الإنكليزي، ويليام بلاي (تُرجِمَت إلى فيلم مشهور لاحقاً من بطولة مارلون براندو).
ذلك ما كانت عليه حروب البذور في الماضي، أما اليوم فقد تحوّلت هذه الحروب إلى شكل جديد، يحرم الشعوب المغلوبة من إنتاج الحبوب المُنتجة نفسها ويحوّلها إلى حبوب عقيمة بما يُكرّس اعتماد هذه الشعوب بصورة مُطلَقة على ما تصدّره لها المتروبولات (المراكز) الرأسمالية الشمالية.
وليس بلا معنى، أن تصبح بنوك استعادة البذور الأصلية في مخازن “أركادا” وغيرها، هدفاً للجماعات والعصابات التكفيرية في سوريا وليبيا وسيناء، كما كان مركز البذور العراقي أحد الأهداف المُبكرة للغارات الأميركية في بدايات العدوان.
وهناك مَن يرى أن حرب البذور المذكورة، أبكر مما يعتقد، بدلالة الابتزاز الذي مارسته الإدارات الأميركية المُتعاقِبة بحق العديد من الدول والشعوب، منذ خمسينات القرن الماضي، وخاصة في ما يتعلّق بصفقات القمح.
ومن ذلك، رفضها تمويل السد العالي في مصر، والتعهّد بتزويد هذا البلد بالقمح الأميركي، مقابل الإقلاع عن فكرة السد، وهو الأمر الذي رفضه جمال عبد الناصر رفضاً تاماً، واعتبره شكلاً من أشكال الحرب والاستعمار الجديد.
ويُشار أيضاً، إلى ما سجّله ناشطون مصريون ضدّ التطبيع، من وثائق تؤكّد محاولات العدو الإسرائيلي ضرب مواسِم القمح والقطن وغيرهما وتحويلهما إلى بذور عقيمة.
ومثل ذلك، ما يُقال عن مركز، جسر الهوّة، الذي أقامه العدو الصهيوني في وادي عربة بعد الأتفاقية مع الاردن، فالمركز كما كشف ناشطون أردنيون، هو مُختبر للهندسة الوراثية الخاصة بهذا الحقل بالذات.
أما المُفارقة التي لاتخلو من الكوميديا السوداء، التي لم يتوقّعها ولم يتخيّلها ، لا آدم سميث، أبو الرأسمالية، ولا كارل ماركس، أبو الاشتراكية، فهي أن نمطاً من حرب البذور، قد يقلب التصوّرات النظرية الاستراتيجية رأساً على عقب في ما يخصّ العلاقة بين المركز الرأسمالي وأطراف أو محيط العالم، وما كتب حولها (والر شتاين، إمانويل، وسمير أمين).
فالمفترض، حسب هذه التصوّرات أن الشمال الرأسمالي في تطوّره الحتمي التعاقُبي يحتكر التقدّم الصناعي تاركاً للجنوب العالمي تراثه الزراعي والريفي في إطار ما يُعرَف بالتقسيم الدولي للعمل، بيْد أننا اليوم إزاء مُفارقات مُغايرة:
ضرب فكرة التحاقي الحتمي في أنماط الإنتاج السائدة وتشكيلاتها الاقتصادية الاجتماعية، سواء كانت هذه الفكرة رأسمالية أو اشتراكية (رعي، زراعة، صناعة، ما بعد صناعة).
فالزراعة المُرسمَلة اليوم، تعود إلى صدارة التشكيلات الاقتصادية وتعود معها تشكيلات اجتماعية قوامها، مزيج من الأتمتة ومن العمالة الزراعية مقابل طبقة الفلاحين القديمة.
والأهم هنا، ضرب فكرة المركز الرأسمالي الصناعي مقابل المحيط الزراعي جنوب العالم، بل إن ما يحدث في الواقع هو مؤشّرات قوية على العكس في غضون العقود القادمة، بحيث يستحوذ المركز على الزراعة بالكامل، فيما يتحوّل محيط العالم إلى ميدان للصناعة وفْق ما يُعرَف بالتقسيم الدولي للعمل.
فمن المعروف أن المتروبولات تقوم بين الحين والحين، بالتخلّص الدوري من هذه الصناعة أو تلك، وذلك مع تقدّم الثورة المعلوماتية وتراجُع القيمة المُضافة للسلع الصناعية، فتنتقل الصناعات التي أصبحت بالية أو قديمة إلى المحيط العالمي وخاصة في بلدان مثل الصين وفييتنام وأندونيسيا وغيرها من البلدان التي تتوافر على عمالة رخيصة وأسواق كبيرة، وتسهيلات في التحويلات والضرائب.
هكذا يتحوّل العالم الثالث والكتل الكبيرة فيه إلى حاضن للصناعات الكلاسيكية، فيما يستحوذ العالم الرأسمالي المتطوّر على الأتمتة العالية، ولعبة البورصة، والاحتكار الجديد للزراعة المُتقدّمة عبْر حرب البذور.
2017-07-27