جوهرة القارة السمراء ، وكيف تمت سرقتها! رنا علوان
في بلد يعدّ ثالث مُنتِّج للذهب في القارة السمراء ،
يتلاحم شعبه الفقير فيما بينهم ، منذ فترة لا بأس بها ، الى ان شهد مؤخرًا إشتباكات عنيفة في صباح يوم السبت 15/4/2023 ، في الخرطوم بين قوات الجيش السوداني التي يقودها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع شبه العسكرية الموالية لحليفه السابق محمد حمدان دقلو
ولو أردنا الإضاءة بشكل خاطف على ما يتمتع به هذا البلد من ثروات ، نجد انه في عام 2012 فقط انتجت ( المناجم التقليدية الصغيرة) في السودان ما يزيد عن 1.3 مليار دولار ، كما كانت تأمل الخرطوم في إنتاج نحو 50 طنًا من الذهب سنويًا ، حسب تقرير لوكالة رويترز ( هذا الرقم كفيل بأن يُثير لعاب الدول التي تلهث وراء الذهب لتقوية عملتها في ظل هذا التدهور الحاصل ) ناهيك عن ما يحتويه هذا البلد أيضًا من آثار تاريخية قديمة
في عهد البشير ، طالب وزير الداخلية عصمت عبد الرحمن ، بتدخل الجيش لحماية المنطقة بعد أن قال إن المنجم يسيطر عليه 3 آلاف مقاتل أجنبي من دول الجوار
لقد أسهم [جبل عامر] في تأجيج الصراع بدارفور بين المليشيات العربية التي كان يستعين بها البشير في وأد التمرد بالإقليم ، قبل أن تخرج عن سيطرة النظام
و [جبل عامر] هو منطقة استراتيجية لعبت دورًا مهمًا في صياغة السياسية لهذا البلد ، لاسيما بعد انفصال الجنوب الغني بالنفط عن الشمال عام 2011 ، فلقد وجد ضالته في التعدين والتنقيب ، وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لجبل عامر الواقع في منطقة [ السريف بني حسين] في إحدى الولايات شمال دارفور
أما في عام 2012 تم اكتشاف الذهب في تلال جبل عامر من قبل معدنين عابرين ، ليتحول إلى أغلى مورد طبيعي في السودان ، إلا أن رموز النظام السابق استغلوه لبلع ثروات ضخمة ، في وقت كان الشعب يعاني من الفقر والبطالة بسبب الإنهيار الإقتصادي
لقد سخّر الرئيس المخلوع ، عمر البشير ، وحلفاؤه ذهب جبل عامر لمصالحهم الخاصة ، وأطلقوا على اسم أحد مناجم “جبل عامر” اسم “سويسرا”، وذلك لاحتوائه على مخزون ضخم من الذهب لدرجة أنه جلب ملايين الدولارات لمالكيه
وبعد أن ذاع صيط تلك المناجم ، هرع المُعدِّنون من مختلف أنحاء السودان ومن أفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومالي ونيجيريا ، لتصبح المنطقة من أكثر المناطق خطورة وسط انتشار الجماعات والعصابات المسلحة
لقد كان زعيم الجنجويد [ موسى هلال ] يسيطر على الجبل ، خلفه قائد قوات الدعم السريع ، محمد حمدان دقلو ، الملقب بـ”حميدتي”، بدعم من النظام الذي بات بعد عزل البشير نائب رئيس مجلس السيادة ، ما نتج عن ذلك تهجير لعشرات الآلاف من السكان ، فضلاً عن إرتقاء العشرات بسبب التسمم بالزئبق أو السيانايد المستخدم في معالجة وتنقية الذهب الخام
في 2013 كانت بداية ظهور قوات الدعم السريع ، وهي مليشيات شبه عسكرية مكونة من قوى الجنجويد ، و[كانت تقاتل نيابة عن الحكومة السودانية في عهد الرئيس الأسبق ، عمر البشير ، خلال الحرب في دارفور]
وتُتّهم هذه القوات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في تلك الفترة ، ناهيك عن استخدامها في قمع المعارضين واضطهادهم
والفريق أول محمد حمدان دقلو هو قائد قوات الدعم السريع ، ويشغل في الوقت الحالي منصب نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الحاكم
ويُقدّر محللون عدد قوات الدعم السريع بنحو 100 ألف فرد لهم قواعد وينتشرون في أنحاء البلاد
كما يُذكر أنه ، بينما كان حميدتي يلقي بإتهاماته على البشير حَوْلَ المكاسب ، كانت شركة تملكها [ أسرته تنقل سبائك ذهب بملايين الدولارات إلى دبي ]
إلا أن البكري أكد عدم وجود أي صلة بين الجنيد وحميدتي وقواته التي انبثقت عن ميليشيا في دارفور لتصبح أقوى قوة أمنية في السودان
وبدءاً من 2015 ، شرعت قوات الدعم السريع مع الجيش السوداني في إرسال قوات للاشتراك في الحرب في اليمن في صفوف القوات السعودية والإماراتية، ما سمح لدقلو المعروف أيضا باسم حميدتي بإقامة علاقات مع القوى الخليجية
في 2018 أقر البكري بأن مجموعة الجنيد صدّرت الذهب لدبي ، وانها قامت بذلك بناء على طلب من جهاز مخابرات البشير ، ونفى أن تكون الشركة باعت الذهب للبنك المركزي بسعر تفضيلي ، هنا ينجلي أمام أعيننا دور الإمارات وما تستحصل عليه من غنائم
ولقد تبادلت قوات الدعم السريع والجيش السوداني الاتهامات بالمبادرة بالقتال ففي البداية ، أعلنت قوات الدعم السريع “السيطرة الكاملة” على القصر الجمهوري في وسط الخرطوم ومطار الخرطوم ومطاري مروي والأبيض
وقالت في بيان إن القوات المسلحة “هاجمت في وقت متزامن قواعد ومقرات قوات الدعم السريع في الخرطوم ومروي ومدن أخرى جاري حصرها”، مؤكدة أن “قوات الدعم السريع قامت بالدفاع عن نفسها والرد على القوات المعادية وكبدتها خسائر كبيرة”
لكن الجيش السوداني اتهم قوات الدعم السريع المُسلّحة بمهاجمة الكثير من قواعده في الخرطوم ومناطق أخرى بعيد اعلان تلك القوات مهاجمة الجيش لمعسكراتها
[ لقد كان البرهان وحميدتي يشكلان جبهة واحدة عندما نفذا الانقلاب على الحكومة في 25 تشرين الأول 2021 ، إلا أن الصراع بينهما ظهر إلى العلن خلال الشهور الأخيرة وأخذ في التصاعد ]
وبحسب تحليل سابق نشرته مؤسسة كارنيغي ، أشارت فيه إلى أن “التباين بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع سيؤدي إلى عرقلة الانتقال السياسي في السودان”، ناهيك عن دورها في “تقويض الديمقراطية بالبلاد من خلال التمرد ، وتوسيع وصولها إلى الموارد الاقتصادية التي تضمن قوتها المؤسسة على المدى الطويل”
في تموز من العام 2019 ، تم تعديل قانون قوات الدعم السريع بحذف مادة منه تلغي خضوعه لأحكام قانون القوات المسلحة ، وهو ما عزز من استقلاليتها عن الجيش ،
بعدما ، اتُهمت قوات الدعم السريع بالمشاركة في قتل عشرات المحتجين المناصرين للديمقراطية
كذلك، اتُهم أيضًا جنود قوات الدعم السريع بممارسة العنف القبلي ، مما أدى إلى رفع حميدتي الحصانة عن بعضهم للسماح بمحاكمتهم
في عام 2021 شاركت قوات الدعم السريع في انقلاب تشرين الأول ، الذي عطل الانتقال إلى إجراء انتخابات ، ويقول دقلو منذئذ إنه يأسف لحدوث الانقلاب وعبر عن موافقته على إبرام اتفاق جديد لاستعادة الحكومة المدنية الكاملة
وفي العام 2022 ، زار دقلو روسيا عشية غزوها أوكرانيا وأبدى انفتاحه على بناء قاعدة روسية على ساحل البحر الأحمر ، وهذا بالطبع ما أثار حفيظة الأخطبوط الأميركي
كما طالب الجيش السوداني والجماعات المناصرة للديمقراطية بدمج قوات الدعم السريع في صفوفهم ، وأصبحت المفاوضات بهذا الشأن مصدرًا ( لتوتر) تسبب في تعطل عملية توقيع كانت مقررة في الأصل في الأول من نيسان
والحقيقة أن الأوضاع انفجرت ، منذ عدة أشهر بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي خرجت من رحم المليشيات اللتين شاركتا في الإطاحة بحكومة مدنية في [أحداث أكتوبر]
هذا الانفجار هو بسبب خطة مدعومة دوليًا ظاهرها البدء بعملية انتقال لمرحلة سياسية جديدة مع الأطراف المدنية ، في الذكرى الرابعة للإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير ، فضلاً عن وجوب تخلي كل من الجيش وقوات الدعم السريع عن السلطة
لكن اتضح أن التوقيت قد يُشكل عائق نوعًا ما
فهناك توقيت لدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة النظامية
وتوقيت لوضع الجيش رسميًا تحت إشراف مدني
وما حدث في 15 أبريل/ نيسان ، هو محاولة إنقلاب بسبب تبادل الطرفان للاتهامات ، حيث اتهم الجيش قوات الدعم السريع بالتعبئة غير القانونية ، وتوجهها إلى مواقع استراتيجية رئيسية
بينما اتهمت القوات الجيش بأنه حاول الاستيلاء على السلطة بالكامل في مؤامرة مع الموالين للبشير
وأسفر هذا الإقتتال عن خسارة زُهاء 144 سخصًا و 1405 جريحًا ، حسبما أفادت لجنة أطباء السودان
ختامًا نجد أن الإمارات التي تُعتبر اليوم بمثابة إحدى أذرع الأخطبوط الأميركي بعدما لهثت وراء الإستحواذ على رضا طفله المدلل ، معلنةً التطبيع بلا خجل أو حياء ، كيف تساعد في دمار شعب شقيق ، وتعمل على نهب ثرواته لصالح أسيادها فهي لم تعد حرة كما تتغنى ، بعدما تنازلت عن عروبتها ، لبئس ما آلت إليه ومن حذا حذوها