تونس : قيس سعيد حين يحرث في البحر !
بقلم أحمد الحباسى *
لقد تعبت الأقلام و مرضت و فقدت عشق الكتابة و لم يتغير شىء . ما يقارب الخمسة سنوات مرت على صعود الرئيس قيس سعيد للحكم و ما زال وضع البلاد مترنحا على كل الأصعدة و مائلا للسقوط. مدة طويلة نسبيا كنت كافية لإحداث تغيير معقول نحو الأحسن لكن و للأسف لا يزال الرئيس يبحث بين ثنايا قصر قرطاج و أروقة وزارة الداخلية و بعض الوزارات المنكوبة الأخرى عن حلّ عاجل لمشكلة مزمنة اسمها الفساد بمفهومه الأوسع و الشامل دون أن ينتبه و لو فى لحظة صفاء أن الحرب على الفساد لا تخاض بأسلحة معدومة و بشعب منهك و بقضاء غير مستقل و بطبقة سياسية متآكلة. يتحدث الرئيس فى كل جولاته الليلية بكثرة عن أنه لن يستكين للراحة الا بعودة الابن الضال إلى حضن خزينة الدولة و الابن الضال هو المال المنهوب من الفاسدين الذين يقول سيادته أنه يعرفهم بالاسم دون أن يقدم أى دليل لكن يبرز السؤال هل سيبقى الشعب المنهك منتظرا لنهاية حرب فاشلة لم يوفر لها الرئيس أي عدة أو سلاح سوى بعض النوايا و بعض الشعارات التي تدغدغ أسماع بعض المغفلين المتحلقين حوله عند بعض زياراته السرية أو الغير المعلنة دون أن نرى لها دليلا على أرض الواقع .
يخرج المتابع لما حصل منذ سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن على و ما شاب تلك الفترة المظلمة من محاولات تآمرية نفذتها حركة النهضة بتواطىء قبيح مع حزبي مصطفى بن جعفر و محمد المرزوقي بحقائق مذهلة و هي أن النخبة السياسية التي أرادت لنفسها حق تداول الحكم و السعي للسلطة و دخلت فى حالات صراع عليها مع بقية أشلاء المعارضة الكرتونية الأخرى مثل حمة الهمامى هي أصل الفساد و حاضنته و الذي كان من نتيجته بطبيعة الحال توقف النمو الاقتصادي و شياع حالة الإحباط و هزال هيبة الدولة بحيث فوجئنا بهذا الجسد الضخم الذي يسمى فساد مؤسسات الدولة الذي أدّى إلى اعتبار تونس دولة فاشلة أو منكوبة . لا شك أن النخبة السياسية التي لم تكن يوما شريكا او مناصرا أو محتضنا لطموحات الشعب كلها جميعا يسارا و يمينا قد ساهمت بأقساط مختلفة فى صناعة الأزمة التي انتهت بما هو حاصل من دمار على المستويات الاجتماع و الاقتصادية و الذهنية بحيث فقدت الأغلبية الأمل بعد أن أدمنت النخب السياسية بث خطب حطمت أحلام الحالمين بالتغيير و تطلعاتهم إلى غد أفضل على كل المستويات .
لقد ظن البعض فى لحظة بؤس تفكير أن الرئيس قيس سعيد الذي لم يكن يوما مناصرا أو مدافعا معلنا على الحريات و الانتقال السلمي للسلطة و استقلالية القضاء هو العصفور النادر الذي لم تلوثه أدران السياسية و خبث رواد الصالونات والسفارات الأجنبية و أن هذا الرجل لو تم انتخابه سيكون العصفور النادر الذي سينقذ هيبة الدولة و يعيد الإشعاع للاقتصاد و يساهم على الأقل في إعادة اللحمة الوطنية التي مزقتها مؤامرات حركة النهضة و تجليات فكرها الداعشى الارهابى المقيت لكن سريعا ما خاب ظن أكثر المتفائلين خاصة بعد ما تجلت خيوط ما يسمى بمسار 25 جويلية 2021 التي وصفها البعض بانقلاب “ناعم ” على الدستور و على مؤسسة القضاء غايته الوحيدة هو الاستفراد القسرى بالسلطة تحت يافطة إنقاذ الدولة أو ما سمى عبثا بمواجهة الخطر الدائم المتمثل فى وجود مجلس النواب القديم و الأحزاب السياسية و المؤسسة القضائية المستقلة . لقد بات معلوما الآن أن الرئيس قد فكر في أن يحكم أولا و لذلك انشغل منذ صعوده للرئاسة سنة 2019 و إلى حد ألان للأسف في صراع مرير و عنيف لتثبيت نفسه ساعيا بكل الأساليب الممكنة بما فيها ضرب استقلالية القضاء بشهادة بعض القضاة و بقرار الأمم المتحدة المتعلق بالاحتجاز القسرى للمعارضة عبير موسى رئيس الحزب الدستوري الحر إلى تجريم حرية التعبير بموجب المرسوم عدد 54 لسنة 2022 سيء الذكر حتى يفرض قانون الصمت.
لقد دخل الرئيس قيس سعيد عن قصد أو بدونه قاموس الفكاهة السياسية السوداء و بات مصدرا مهما لكثير من المقالات السياسية و التصريحات الإعلامية الساخرة بحيث يحفظ مدونو الذاكرة السياسية اليوم أعاجيبا منطوقة بلسان عربي و بلغة لا يفقهها إلا المتظلعون في علم النحو و الصرف و البلاغة. هذه الأعاجيب اللغوية وقف الكثيرون اليوم حائرين فى أي خانة يضعونها ؟ في خانة الفكاهة ؟ في خانة البكاء ؟ في خانة المدح أم الهجاء ؟ أم فى خانة الكوميديا السوداء ؟. لقد دخل الرئيس كما سبقه فى ذلك راشد الغنوشى في حالة إنكار قصوى بحيث أنكر أنه رئيس كل التونسيين و أنه لا يحق له تحت وازع أو ظرف أن يتدخل في القضاء بتلك الصور العقيمة الفجة التي جاءت في رسالة القاضي رضا المجدوب منذ أسابيع و أن هناك فصلا تاما بين السلطات و أن حرية التعبير ليست مجرد نص دستوري يرمى بها فى سلة المهملات و أن الحق فى المعارضة هو حق كوني لا يمكن انتهاكه بمثل الصورة الحاصلة مع رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى . لعل الملاحظة الأهم أن هناك من انخرط من أصحاب العته السياسي مثل رياض جراد فى نفس حالة إنكار الرئيس معتمدين إستراتيجية دفاع أطلق عليها بعض الظرفاء اسم ” الدفاع بالإنكار ” .
ان المتابع لما يحدث تصيبه الحيرة من تلك الجرأة الغريبة و الهدوء و الإصرار التي يتغلف بها خطاب الرئيس لان الإجابة دائما حاضرة و جاهزة و معلبة و دون تردد أما بالإنكار كما حصل فى موضوع وجود إمضاءه على وثيقة مع الاتحاد الأوروبي لترحيل التونسيين من أوروبا و إما بالتبريرات الجاهزة لكل فعل لا يتناسب مع حقوق الإنسان أو حرية التعبير بكونه لا يتدخل في القضاء أبدا و الحال أنه قد رفض الاستجابة لمنطوق القرار الأممى المتعلق بموضوع المحتجزة قسريا من دون محاكمة عبير موسى كما قرر الانسحاب من المحكمة الإفريقية بعلة سخيفة رددها بيان وزارة الخارجية دون أن تقنع أحدا بل رأى فيها المختصون مثل العميد أنور محفوظ تراجعا مخيفا يضرب مقومات الحق في المحاكمة العادلة و الالتجاء للهيئات القضائية الدولية حين تطبق الدولة على رقبة القضاء لتطويعه و استغلاله لضرب خصومها و منعهم من حق ممارسة السياسة و التقدم للانتخابات. لقد كان حريّا بالرئيس قيس سعيد أن يستلهم النصيحة و العبرة من المقولة الشهيرة ” لو دامت لغيرك ما آلت إليك ” و كان عليه بدل الإجحاف في تطبيق ما يفكر به أن يحتكم إلى دعوات الحوار أو على الأقل السعي لتطوير الإعلام و تركيز المحكمة الدستورية و الابتعاد عن التدخل في سير القضاء لكنه من الظاهر أنه اختار سياسية الهروب إلى الأمام أو بلغة أوضح سياسة الحرث في البحر .
كاتب و ناشط سياسي
2025-04-18