تعليقاً على ضربة أرامكو!
ابو زيزوم الغري.
القاعدة الفقهية الشهيرة تقول : الاعتراف سيد الأدلة . فإذا اعترف المتهم بالتهمة قضي الامر ، لا حاجة بعدها لشهود وتحقيقات .
لكن العرب الحاليين من دون خلق الله يعلنون التمرد على هذه القاعدة البديهية . فقبل أيام وعندما قُصف العراق واعترف رئيس الوزراء الاسرائيلي بأنه القاصف رفض العراقيون اعترافه وأصروا على اجراء تحقيق .
واليوم وبعد ان قُصفت منشآت أرامكو وقال الحوثيون انهم الفاعلون رفضت السعودية اعترافهم وذهبت الى التحقيق !.
في الحالة العراقية كان المسؤولون لا يريدون القيام بشيء كرد فعل ، لذلك اختاروا التحقيق كوسيلة تسويف الى ان ينسى الموضوع . اما السعودية فإنها تريد وقتا لتتخذ القرار المناسب لأن جميع الخيارات تنطوي على قدر من الصعوبة .
فإذا وافقت على ان الحوثيين هم المهاجمون معنى ذلك انها قررت عدم الرد . فما عساها ان تفعل للحوثيين سوى مزيد من الغارات العبثية . وتلك مشكلة فالضربة التي تلقتها من حجم لا يمكن السكوت عليه .
لقد أوقفت الضربة خمسة ملايين و 700 ألف برميل من صادراتها اليومية . وهذا اكبر توقف ليس في صادرات السعودية منذ اكتشاف النفط وانما اكبر توقف في تاريخ العالم .
الامر في الحقيقة لا يتعلق بمعرفة الفاعل ، فالفاعل معروف إن فنيا وإن سياسيا . سياسياً قرار الضربة إتخذته ايران دون ادنى ريب . ولقد قالت مرة بعد مرة إمّا ان نصدر جميعنا النفط او ان لا يصدر احد . وهذه الضربة ترجمة عملية لذلك القول . وإذا فهمنا الموضوع سياسيا لا يعود للجانب التكتيكي او الفني أهمية كبيرة سواءً انطلقت الطائرات من اليمن او العراق او من داخل السعودية ذاتها او من سفينة كانت تمر قرب السواحل السعودية . وطبعا الأقمار الصناعية تعرف ذلك لكن اعلان الحقيقة او اجتنابها يبقى قراراً سياسيا . فالذي يقول ان الهجوم إيراني سيجد نفسه مطالبا بالرد .
وان لم يكن قادرًا على الرد عليه ان لا يوجه الاتهام الى ايران مباشرةً كي لا يحرج نفسه . وكذلك على من يقول ان الهجوم عراقي .
موقف الرئيس الامريكي عصر هذا اليوم يبدو غريبا لغير المتابع الجيد . اما المتابع فيراه شديد الوضوح . فقد قال انه يعرف الجهة التي قامت بالهجوم غير انه يريد من السعودية ان تقول ما لديها !!. فما معنى هذا الكلام ؟. معناه ان ترامب يلقي الكرة في المرمى السعودي . فإذا قررت السعودية تبرئة ايران من الهجوم لن يكون هو ملكياً اكثر من الملك . اما اذا قررت ان الهجوم إيراني فعندئذٍ لديه ثلاث نقاط : الاولى ، سيسألهم ما المطلوب مني كحليف ؟. والمتوقع ان تطلب السعودية توجيه ضربة تأديبية لإيران . وهنا تأتي النقطة الثانية ، حيث يسألهم : هل انتم مستعدون لتحمل العواقب ؟. فأمريكا قادرة عسكريا على ضرب اي مكان في ايران . والمرجح في هذه الحالة ان لا ترد ايران على امريكا مباشرةً بل تستهدف السعودية وربما الإمارات . وقد يكون الرد الإيراني شديدا فيوقف النصف الاخر من صادرات النفط السعودية . حسب فهمي لمحمد بن سلمان انه لا يكترث للعواقب وسيقول : نعم نحن مستعدون . فتأتي النقطة الثالثة ، إذ سيقول ترامب : ونحن مستعدون أيضا فلنتفاهم على الثمن … كم تدفعون ؟. وهنا بيت القصيد . ومن يعتقد ان ترامب وهو يدخل الموسم الانتخابي سيرضى بأيٍ من الأرقام التي نتداولها واهم . فتلك ليست من علم الغيب او اسرارا نذيعها . لقد قالها عشرات المرات انه لن يدافع عنهم ما لم يدفعوا . والدفع عندما تكون فيه مخاطرة بدماء الامريكان ليس كالدفع مقابل التغاضي عن خاشقجي وما شاكلها . ولنا عودة الى الموضوع .
( ابو زيزوم _ 705 )
2019-09-17