“تروما” طوفان الأقصى!

رنا علوان
تحدثنا كثيرًا منذ بدء طوفان الأقصى عن منجزاته الهائلة وكيف انه ليس بإمكان أحد منا مقارنه بأي حدث آخر ، لأن المُقارنة ستكون غير مُجدية ، فهو بمثابة حدثٌ فريد في تاريخ المقاومة ضدّ الاحتلال
لقد قادت حماس على مدى عقود مقاومة الاحتلال ، وكانت تلقى بعض الدعم من عدة جهات ، لكنها كانت تُحافظ على مستوى ردات الفعل ، حتى أتى امر الله وجاء الطوفان
إن ما احدثه طوفان الأقصى من “تروما” وليس صدمة ، لأن الصدمة اخف وطأة ويمكن الخروج منها اسهل ، لكن التروما تحتاج لمراحل كي يتم التعافي منها ، وليس فقط للعدو الإسرائيلي بل لشريكه الاميركي ايضًا ، والغرب بشكل اجمالي ، فالحلف الشيطاني الذي كان مطمئن بمراقبته للعالم عبر “عيونه الخمس” موكلاً للعدو الصهيوني مهمة الشرق الأوسط اتت حماس بطوفانها ، لتُبيّن كيف انهم يمكرون ويمكر الله
[ حيث تُعدّ العيون الخمس واحدة من أكثر تحالفات التجسس المَعْروفَةِ شمولاً في التاريخ ، وقد وصف المُتعاقد السابق معَ وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن العيون الخمس بأنَّها «منظَّمة استخبارات [فوق وطنية] لا تستجيب للقوانين المَعْروفَةِ لبلدانها»، وكشفت الوثائق التي سربها سنودن في 2013 أنَ مكتب التحقيقات الفيدراليّ يتجسس على المُواطنين ويُشارك المعلومات التي يجمعها معَ العيون الخمس للتحايل على اللوائح المحلية التقييدية المتعلّقة بمراقبة المواطنين]
ان الشيطان من دون عيونه الخمس هذه يصبح أعمى وعاجز ، وهذا يُفسر لنا سر تخبطهم ، وعجزهم في ايجاد الحلول ، لقد اصبح اعور بفضل الطوفان ، لذلك نشبت هذه الخلافات بين العدو الإسرائيلي وشريكه الاميركي وظهرت الى العلن
لقد أصيب كيان الاحتلال ، بحسب محلليه السياسيين والعسكريين بالصدمة من عدم جهوزية أجهزة الأمن والاستخبارات التي عجزت عن توقع واستباق هذه العملية، مما شكل لدى مستوطنيه شعورًا بعدم الأمن وتزعزعت الثقة بالجيش الواهن
لا سيما أن “الهزائم التي تكبدها العدو من المقاومة في غزة خلقت نوعًا من كي الوعي لدى المجتمع الصهيوني وخلافات مُركبة في قيادته العسكرية ، وتشددًا سياسيًّا وانعدامًّا للثقة بالجيش الذي كان هزّاما للعرب والدرع الواقية بنظر مستوطنيه
وفي سياق مُتصل ، أظهرت حماس أيضًا أن قضية فلسطين هي تحذير من عقلية إجرامية تهدّد الأمن ليس في فلسطين وحدَها ، بل في كل الشرق الأوسط ، لا بل وفي العالم بأَسره ، كما لم تكتفِ حماس بإظهار وجه العدو الإسرائيلي الحقيقيّ للعالم مرّة أخرى ، بل أظهرته في أبشع صور نواياهم ومؤامراتهم وحقائقهم التي كانوا يخفونها وراء مساحيق التجميل والاقنعة البريئة ، وادعاء المظلومية لنيل مبتغاهم
إن طوفان الأقصى ، أسقط ورقة التوت عن سوأة “العالم المتحضّر”، فهذا الدعم والتشجيع ، الذي تحظى به ممارسات الإبادة الجماعية الإسرائيلية من جانبهم ، يدمّر سردية الحضارة الغربية الإنسانية والتقدمية والديمقراطية والتحررية التي يتشدّقون بها
بالنسبة للغربيين ، فإنّ حقوق الإنسان هي حقوق الأشخاص الذين يخدمون ألاعيبهم القذر ونجاح الازدواجية في معاييرهم الوسخة ، أما البقية ” اصحاب الحق ” فلا يُعتبرون بشرًا ، والصمت الغربي تجاه هذا الوصف الذي قدّمه وزير الدفاع الإسرائيلي للفلسطينيين هو اعترافٌ بهذه الفكرة
لقد التزمت حماس منذ انطلاقتها سنة 1987 ، بتجنّب استهداف المدنيين ، وبعد أنْ قام الصهيوني المجرم (باروخ جولدشتاين) بتنفيذ مجزرة في المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل سنة 1994 ، أعلنت حماس مبادرة تقضي بأنْ يتم تجنيب المدنيين ويلات القتال ، من قبل كل الأطراف ، لكنَّ الاحتلال الصهيوني رفض حتّى مجرّد الرّد على تلك المبادرة ، وقد كرَّرت حماس ذلك مرارًا ، لكنَّ الاحتلال الإسرائيلي واصل تجاهله ، وتابع قتل المدنيين بكل صلافة وتجاهل
ولقد كان ما يسعى له نتنياهو واضحًا قبل طوفان الأقصى ، وهو إجراء تسوية مع الأنظمة العربية تقتضي بفتح ممر لأهالي غزة من أجل تهجيرهم إلى سيناء وجعلهم تحت وصاية مصر ، والضفة الغربية تحت وصاية الأردن ، والأمر الذي يقضي على وجود حركة “حماس” وحاضنتها الشعبية وفق وجهة النظر الاسرائيلية بمؤامرة صهيو-أمريكية مدعومة عربيًا” ، ولقد رفع خارطة الشرق الأوسط الجديد الخالية من غزة والضفة
ختامًا أن “معركة طوفان الأقصى التي احدثت تروما ، تركت تداعياتها الأقسى في تاريخ كيان الاحتلال على المستوطنين خاصة اتجاه المؤسسة العسكرية ، وهذا ما تذكره صحفهم اليومية خاصة تلك التابعة للمعارضة التي بيّنت الأداء المتخاذل والمتردد لجيش العدو”، مبيّنًا أن “حكومة نتنياهو كلفت زُهاء 300 طبيب نفسي لمعالجة الأوضاع الناجمة عن عملية طوفان الاقصى لدى المستوطنين خاصة أُولَئِكَ الذين فقدوا ذويهم قتلًا أو أسرًا أو مجهولي المصير ، وهذا الوعي المهشم من المستحيل إعادة ترميمه أو إعادة بث روح الثقة فيه من جديد ، وسيكون حديث إعلام العدو في مرحلة ما بعد حرب غزة مركزًا على الأوضاع النفسية للصهاينة بسبب الآثار الصادمة التي تركتها فيهم عملية المقاومة الأخيرة” ، ناهيك عن الهجرة الكبيرة التي شهدها الكيان بعد الطوفان والتي تؤكد ان هؤلاء لن يعودوا اليه فلقد استقروا خارجه ولم يبقَ سوى الجيش المتهالك ، الذي يسعى نتنياهو الى اعادة ماء وجهه من خلال التضحية فيه
2024-01-22