تركيا تهمنا .. أتاتوركية أو أردوغانية!
د. عمر ظاهر
تركيا دولة عملاقة لن نستغني عنها أبدا، وليس من الحكمة التقليل من أهمية دورها في المنطقة. وما يحصل فيها شأن داخلي، ويكون أمرا غريبا أن نحشر نحن أنفسنا فيما هو شأن تركي بحت، ونصطف مع هذا الطرف أو ذاك في البلد.
تركيا لعبت دورا مؤسفا في سورية، ولكن قبل أن نلومها على ذلك يجب أن نلوم “إخوتنا” العرب الذين أفرغوا ميزانيات بلدانهم في تمويل الإرهاب، وتجنيد الإرهابيين من أربعة أرجاء الأرض لذبح الشعب السوري.
وقبل هؤلاء يجب أن نلوم السوريين الذين خانوا دولتهم زرافات ووحدانا، ووضعوا أنفسهم تحت تصرف من هب ودب، وارتكبوا بحق وطنهم أبشع الجرائم، ووصلوا في الهمجية حد قطع رؤوس الأطفال بدعوى معارضة النظام. لولا هؤلاء لما استطاع لا أردوغان ولا غيره التدخل في الشأن السوري.
نعم، مؤلم أن تركيا شاركت فيما حصل في سورية، لكننا – في العراق – لن نغمض أعيننا عن أن تركيا تقوم بدور إيجابي فعال في الحفاظ على وحدة الأرض العراقية، على الأقل عبر فرض الوصاية التامة على حركة الملا مسعود البارزاني الذي، لولا الوصاية التركية ولولا الضغط الإيراني، لكان قد حول شمال العراق من زمن بعيد رسميا إلى إسرائيل ثانية، في مسعى منه لتكريس حكم السلالة البارزانية على الشعب الكردي.
وفي هذا، ودفعا لسوء الفهم، فإن الغالبية الساحقة من العراقيين يؤيدون حقوق الشعب الكردي الكاملة، أي إنشاء دولته الحرة، ولكن فقط بالتفاهم مع الشعوب المحيطة بكردستان، وليس رغما عنها ولا من أجل تحويلها إلى قاعدة للعدوان على شعوب المنطقة.
وفي العراق أيضا يأمل أغلب العراقيين، دون أدنى شك، أن تطور تركيا دورها الإيجابي لإعادة الأمن والسلام والاستقلال إلى العراق، دون أن يعني ذلك إعادة عقارب الساعة إلى وراء عبر تحويل العراق إلى ساحة صراع بين الأتراك والفرس.
غير أن الإقرار بكل هذا لا يعني أنه ليس من حقنا أن نحاول فهم ما جرى ويجري في تركيا، وأن نشارك الشعب التركي قلقه على مستقبل بلده.
محاولة الانقلاب كانت خبرا مفجعا حقا، فقد كشفت أن النزعة الديمقراطية في الشرق، وفي العالم الإسلامي، لم تتجذر، وأن العسكر ما يزالون يعيشون بعقليتهم التقليدية حتى في بلد ظن الناس أنه أصبح ديمقراطيا، وتجاوز مرحلة الانقلابات.
هذه النزعة العسكرية مرعبة حقا لأن من قاموا بمحاولة الانقلاب كانوا، دون أدنى شك، يدركون أن المحاولة سواء إن نجحت أو فشلت فإنها ستكون دموية. كيف بحق السماء يظن بضع عشرات من العسكر أنهم يستطيعون بالبنادق والدبابات إلغاء إرادة ملايين الناس الذين شاركوا في الانتخابات (مهما كانت درجة نزاهتها)، سواء انتخبوا أردوغان، أو أعطوا أصواتهم للأحزاب الأخرى؟
إن الانقلاب لم يكن ليكون على أردوغان وحده، بل أيضا على معارضيه الذين قبلوا بنتائج الانتخابات وجلسوا تحت قبة البرلمان كمعارضة؟ فليس غريبا والحالة هذه قيام الانقلابيين بقصف مبنى البرلمان. وليس غريبا أن أحزاب المعارضة نفسها رفضت محاولة الانقلاب وأدانتها.
سؤال مهم يطرح نفسه: ماذا كان الانقلابيون يتوقعون من أنصار الحزب الذي رفعته الانتخابات إلى سدة الحكم؟ هل كانوا ينتظرون أن يجلسوا في بيوتهم، ويتفرجوا على العسكر وهم يزيلون مقارات حزبهم، ويعتقلون قادتهم، ويحلون منظماتهم؟
إن من قاموا بمحاولة الانقلاب كانوا يعرفون حق المعرفة أن نجاح انقلابهم سيتسبب في حمامات دم في تركيا. وكانوا بلا أدنى شك يعرفون أن فشل الانقلاب سيتسبب أيضا في نكبة، إنما لهم ولكل من يمكن أن يُحسب عليهم.
لقد كان أمرا مأساويا أن يفكر أحد في تركيا بتغيير سياسي عن طريق الانقلاب العسكري. وكان هناك تفاؤل كبير بأن تركيا قد نجحت في تكوين نخب ثقافية عريضة، وقوية في تأثيرها على المجتمع التركي، وأن زمن الانقلابات قد ولى.
ورغم أن النخب الثقافية هي في جلها علمانية الاتجاه، وأتاتوركية الهوى، إلا إنها في حوار بناء مع المجتمع الذي صار يميل إلى التدين، الأمر الذي جعل التدين الإسلامي التركي يختلف بشكل جذري عن الإسلام الإيراني المتزمت، والسعودي الإرهابي، بكونه ميالا إلى تقبل الاختلاف، والمدنية، والتسامح الاجتماعي.
ظاهرة غريبة لا بد أنها جذبت انتباه الكثيرين، ألا وهي أن أنصار أردوغان نزلوا إلى الشارع بعد دقائق من توجيهه نداء إليهم متحدين أمر منع التجول الذي أصدره الانقلابيون، في حين لم ينزل أحد إلى الشوارع لإبداء الدعم للانقلاب.
لذلك فإن محاولة الانقلاب في ظل هذه الظروف بدت كأنها كانت تحمل معها القانون الخاص بالتصرف إزاءها: محاولة يائسة مرفوضة من الجميع.
إن تقييم ما حصل في تركيا في الأيام القليلة الماضية ينبغي له أن يستند إلى قراءة جادة للبيانات المتوفرة عن الوضع التركي، وعن وضع منطقة الشرق الأوسط، والوضع العالمي.
الأمر الأكثر إثارة للانتباه كان أن البلدان الغربية الديمقراطية – بلدان حلف الناتو والاتحاد الأوروبي – لم تتخذ موقفا فوريا من الانقلاب. كان ذلك واضحا إلى درجة أن إحدى القنوات التلفزيونية (القناة الدنماركية الثانية) وجهت ليلة المحاولة سؤالا عن الموضوع إلى مراسلها في اسطنبول، فقال بالحرف الواحد “إن تركيا بلد مهم بالنسبة إلى الغرب وهو (أي الغرب) مضطر إلى التعاون مع تركيا سواء أكان فيها نظام منتخب ديمقراطيا أو نظام انقلاب عسكري!” ونعمَ القول.
الموقف الغربي من الانقلاب لم يكشف فقط عن النفاق في دعوى الديمقراطية التي نصبت البلدان الامبريالية نفسها وصية عليها، بل وكشف أيضا أن حلفاء السيد أردوغان الغربيين مستعدون لدعم انقلاب عسكري ضده بحجة أنهم مضطرون للتعاون مع تركيا في كل الظروف.
ولا بد من التنويه إلى أن الإعلام السعودي، عبر صحيفة الشرق الأوسط، كان سباقا إلى تأبين نظام السيد أردوغان والإيحاء بأن الانقلاب قد نجح. كانت مانشيتات صحيفة الشرق الأوسط عن الوضع في تركيا تنم عن تشف غريب.
وهنا لا ينبغي العزل بين الموقف المتردد في إدانة الانقلاب الذي أبدته البلدان الغربية وبين مسارعة السعودية إلى تأبين نظام أردوغان، فالموقفان يكشفان أن السيد أردوغان لم يعد شخصا مرغوبا فيه من قبل المعسكر الغربي وحلفائه السعوديين.
ولذلك فإن من الأسئلة المهمة التي صارت تطرح اليوم بقوة على ضوء الانقلاب الفاشل: هل هناك خلاف أساسي بين أردوغان وواشنطن يجعل الأخيرة ميالة إلى التخلص منه ومن نظامه؟
نحن لا يمكننا أبدا أن نتكلم عن علاقة السيد أردوغان بأمريكا بما لا نعرف. إلا إننا يمكن أن نشير إلى بعض الأمور العامة، وإلى شواهد تاريخية في تعامل واشنطن مع زعماء العالم الثالث، ونستدل منها على العلاقة بين أردوغان وواشنطن. وهنا يمكن أن نقول بشكل عام أن أردوغان كان إلى الأمس القريب ضمن قائمة من ترضى عنهم واشنطن، ليس بالضرورة وجود علاقة تبعية، وإنما رضى.
نعرف أيضا من التاريخ أن زعماء كثيرين في العالم أعطتهم أمريكا مساندتها للوصول إلى الحكم في بلدانهم، ثم عاقبتهم بشدة حين تمردوا عليها. ليس بعيدا عن ذاكرتنا مانويل نورييغا في بنما، والشاه رضا بهلوي في إيران. ولن ننسى أبدا صدام حسين في العراق.
في أمريكا اللاتينية والوسطى، وبعد الثورة الكوبية خاصة، لم يكن لأحد أن يصل إلى الحكم دون انقلاب عسكري تؤيده أمريكا، هذا إذا لم تكن أمريكا هي من خططت له. وشاه إيران محمد رضا بهلوي عاد إلى العرش أصلا بسحق الأمريكان لحركة مصدق عام 1953. وفي العراق قال الأمريكان عن صدام حسين بالحرف الواحد إنه كان رجلهم (He was our boy).
أين هؤلاء الآن؟ نورييغا يقضي حكما بالسجن المؤبد بتهمة الاتجار بالمخدرات. شاه إيران مات كمدا بعد أن تحول من عرش الطاووس إلى لاجئ لا يقبل أحد استقباله، عدا المرحوم أنور السادات. وصدام حسين سلموه لعملائهم في بغداد بعد محاكمة هزلية لينتقموا منه شر انتقام.
لماذا؟ ماذا فعل نورييغا؟ وماذا فعل الشاه؟ وماذا فعل صدام حسين؟ حتى استحقوا تلك النهايات المفجعة. نورييغا رفع السيف في احتفال جماهيري، وهدد من يريد به شرا، أي الأمريكان. شاه إيران أعلن عام 1977 أن إيران ستصبح عام 1980 خامس قوة في العالم. أما صدام حسين فإنه قال إن لديه “الكيمياوي المزدوج” وأنه مستعد لحرق نصف إسرائيل.
هذه شواهد من التاريخ عن أشخاص وصلوا إلى الحكم بدعم أمريكي، ثم لما نهضت فيهم النخوة الوطنية، أو القومية، أو الدينية ظنوا أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الأمريكان، فرفضوا وصايتهم عليهم، فنزل عليهم الغضب الأمريكي الذي لا يعرف الرحمة، ولا يتورع عن استخدام أخس الوسائل في التخلص ممن لا يناسب المصالح الأمريكية.
والآن ماذا فعل أردوغان حتى يستحق الغضب الأمريكي الذي وصل إلى حد النفاق والاستعداد للقبول بنظام يأتي به انقلاب عسكري في تركيا؟ لماذا تريد أمريكا التخلص من أردوغان؟
الجواب هو أن أردوغان قد انقلب على أصحابه الأمريكيين وفق قانون سياسي لا مفر منه: يسايرهم إلى أن يصل إلى مكانة يرى منها أن من العيب أن لا يكون مستقلا، وأن من الخزي أن يتلقى منهم تعليمات. هذا هو بالضبط ما عبر عنه قبل فترة وجيزة المتحدث باسم الرئاسة التركية السيد إبراهيم كالين موجها كلامه إلى الدبلوماسيين الأمريكيين في أنقرة، إذ قال بالحرف الواحد “لقد مضى الزمن الذي كانت فيه أنقرة تتلقى التعليمات من السفارة الأمريكية.”
انقلاب السيد أردوغان على أصدقائه الأمريكان كان الأكثر رجحانا من بين كل الاحتمالات في علاقته معهم، إن لم يكن أمرا محتما.
كانوا راضين عنه، وعن مواقفه، وميوله، ولكن ها هو أردوغان يقف على أرضية فيها كل عناصر القوة: رئيس في بلد لا يستغني عنه أحد، له اقتصاد يتوسع ويتقدم، تحت تصرفه أوراق حاسمة في السياسة الأوروبية والعالمية، له جيش عرمرم لا يضاهى في قوته، وصار حوله سياج ديني/ سياسي في العالم العربي والإسلامي.
وغير هذا فهو رئيس منتخب في تركيا في زمن يشهد انبعاث الروح القومية الامبراطورية التركية. إنه السلطان، فلمَ عساه يخضع لإرادة قرقوز مثل جون كيري، وغيره من السياسيين الغربيين؟ إنه يفعل ما هو متوقع منه.
هناك صراع مع واشنطن سببه نزعة استقلالية لدى أردوغان ومن حوله تعبر عنها كلمات السيد كالين: “لقد مضى الزمن الذي كانت فيه أنقرة تتلقى التعليمات من السفارة الأمريكية”. الاستقلالية في القرار إلى حد التهديد بفتح قاعدة انجرليك، التي كانت منذ الأزل حكرا على حلف الناتو، أمام الروس.
ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف الماكنة الإعلامية الغربية عن شيطنة أردوغان، تماما كما فعلوا ذات يوم مع صدام حسين، وما فعلوه ويفعلونه مع الرئيس السوري بشار الأسد في السنوات الست الماضية. ولعل تصويت البرلمان الألماني لصالح قرار الاعتراف بما يسمى “مذبحة الأرمن” كان مجرد حلقة من تجليات هذه الصراع. إنهم يريدون حصر أردوغان في زاوية ضيقة، وخنقه.
الأوروبيون لم يرضوا أبدا عن سياسة تركيا تجاه موجة اللاجئين إلى أوروبا. ورغم أنهم أثنوا في العلن على الدور الإنساني التركي في معالجة أزمة اللاجئين، وخصصوا مليارات اليوروات لمساعدة تركيا في إبقاء اللاجئين لديها، وفتحوا الباب على مصراعيه لمناقشة الدخول الحر للأتراك إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم مارسوا التسويف، والمخادعة – ربما بانتظار الانقلاب الذي كانوا يأملون منه إزاحة العنيد أردوغان.
ثم إن أردوغان ذهب بعيدا في أسلمة المجتمع التركي، وهذا أمر غير مرغوب فيه غربيا لأنه يفهم على أنه توسيع لقاعدة نظام أردوغان، وتقوية لموقعه. وجاءت القشة التي كسرت ظهر الجمل في هذا الاتجاه خلال عيد الفطر قبل أيام حين سمح أردوغان بنقل خطبة العيد من “مسجد” آيا صوفيا!
إن الغرب وعلى مدى تسعين سنة لم يثمن الأتاتوركية في تركيا، ولم يعر اهتماما للعلمانية في تركيا، ولم يبال بما قامت به تركيا من فصم عرى علاقاتها مع العالم الإسلامي. شيء واحد فقط كان محط تقدير الدول الغربية وبمباركة من الفاتيكان، ألا وهو تحييد آيا صوفيا، فبعد أكثر من أربعة قرون من اعتبار المكان مسجدا إسلاميا، قرر أتاتورك تحويله إلى متحف محايد دينيا.
في عيد الفطر الماضي، وبنقل خطبة العيد من آيا صوفيا، انتهى آخر ملمح من الأتاتوركية كان محط رضى البلدان الغربية “العلمانية!” من الواضح أن أتاتوركية تركيا وعلمانيتها كانت بالنسبة إلى الغرب متمثلة بـ”متحفية” آيا صوفيا.
القطيعة بين أردوغان وبين الغرب وقعت بالفعل، مع أن كلا الطرفين سيفعل ما بوسعه للإبقاء على شعرة معاوية في علاقاتهما.
لقد فشل الانقلاب، لكن تركيا برمتها أصبحت في دائرة الخطر.
الغرب لن يتوقف عن محاولة تحجيم أردوغان. وهنا فإن مزيدا من المحاولات، وبشتى السبل ستترك أثرا على تركيا.
وهناك خطر آخر يتمثل في النقلة النوعية التي توشك أن تحدث في النظام القانوني في تركيا، والمتمثلة في إعادة إدخال عقوبة الإعدام إلى القانون الجنائي التركي.
إن هذا الإجراء يشكل بحد ذاته صدمة كبيرة لكل المعنيين بحقوق الإنسان. وأكثر من هذا فهو في الحقيقة إعلان للقطيعة النهائية بين تركيا والاتحاد الأوروبي.
عقوبة الإعدام في تركيا تعني أن تركيا أسقطت نهائيا طموحها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. ترى هل يفكر السيد أردوغان بإدخال هذا الإجراء مؤقتا ثم التراجع عنه بعد أن يكون قد طبقه وتخلص من العسكريين الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية؟
هل يمكن حقا لتركيا أن تفصم عرى تحالفها مع الغرب، وتبقى معلقة بينها وبين روسيا؟ وهل روسيا أقل رغبة في إضعاف تركيا؟ كيف ستصمد تركيا إذا بقيت بلا حلفاء يهمهم أمنها واستقرارها؟
على المستوى الداخلي يمكن لكل من يراقب الوضع عن كثب أن يرى أن محاولة الانقلاب تشكل انعطافة حاسمة فيما يتعلق بالأتاتوركية التي كان الجيش يعتبر حاميها، وضمانة استمرارها. المرحلة الأتاتوركية انتهت عمليا فعدا التصفيات الواسعة في صفوف الجيش لا بد أن تكون هناك خطط لضخ دم جديد فيه عبر إعداد كادر واسع من الشبيبة المناصرة لأردوغان، تماما مثلما حصل في العراق عام 1968 حين قام النظام في بغداد بإعداد آلاف الضباط من الشباب الموالين له في دورات قصيرة، وإعطائهم مواقع حساسة في الجيش والاستخبارات.
يوم أمس، الخميس الواحد والعشرين من تموز 2016، نقل موقع “سون دقيقة” التركي / آخر دقيقة خبرا موثقا بفيديو عن قيام أردوغان برفع الأذان لصلاة الفجر من أحد المساجد في أنقرة.
الحق الحق نقول إن أردوغان يملك صوتا عذبا زاده عذوبة خشوعه العاطفي في تلحين الأذان. لكن الأهم من العذوبة هو الرسالة التي يحملها رفع رئيس الجمهورية التركية الأذان بنفسه! في تاريخ الإسلام كله لم يسجل قيام خليفة أو سلطان برفع الأذان.
ونتذكر بهذه المناسبة أن أحد أسباب إعدام رئيس الوزراء التركي الأسبق عدنان مندريس عام 1961 كان الشك في أنه قام سرا بأداء فريضة الحج، أو العمرة، أثناء زيارة للخليج العربي، الأمر الذي كان يعتبر جريمة في عرف الدولة العلمانية الأتاتوركية.
أليست هي رسالة إلى العالم الإسلامي بأن الخلافة التي ينتظرونها قد قامت في اسطنبول؟
أليست رسالة إلى الاتحاد الأوروبي بأن عهد ابتزاز تركيا قد انتهى، فتركيا لم تعد تبالي بعضوية الاتحاد؟
أليست رسالة بأن تركيا قد اختارت الآن أن تكون ذاتها، وتتخلص من الانفصام بين الإسلام وبين الرغبة في أن تكون جزء من أوروبا؟
إن تركيا لن تستطيع بعد الآن أن تأمن جانب الدول الغربية، خاصة أمريكا، فالأمريكان سيعملون المستحيل في سبيل إبقاء تركيا على خط مواجهة الحلف مع روسيا. بلا تركيا لا حلف أطلسي، فإما الخلاص من أردوغان بطريقة غير الانقلاب، أو الرضوخ لإرادته إلى حين.
اليوم يجري التركيز في الغرب على الصور التي تظهر أفراد الجيش المتهمين بالمشاركة في الانقلاب وقد تعرضوا إلى الضرب والإهانة. وأوروبا أصبحت في حالة استنفار للدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته في تركيا.
حقا، إنه لأمر مقرف تعريض حتى إنسان فرد للإهانة حتى لو كان مذنبا. إنه أمر بشع سواء وقع ذلك في تركيا أو في العراق، أو في أي مكان آخر.
لكن الأبشع من هذا هو النفاق، فخلال السنة الماضية تعرض مئات الآلاف من طالبي اللجوء السوريين والعراقيين وغيرهم إلى صنوف من الإهانة على التراب الأوروبي ستبقى وصمة عار في جبين الإنسانية. الدول الأوروبية التي يعلو عويلها على تعرض الانقلابيين الأتراك للإهانة لم تبال لما تعرض لها طالبو اللجوء من إهانة وصلت حد ممارسة الإرهاب ضدهم.
حتى في الدنمارك أصدرت الحكومة قانونا يجيز سلب النساء اللاجئات الحلي والمجوهرات. وأسكنت اللاجئين في خيام تفتقر إلى التدفئة في عز الشتاء، لمجرد إيصال رسالة إلى غيرهم بأن الدنمارك لا ترحب بهم.
وآلاف الأطفال اختفوا في مجاهل أوروبا أو تعرضوا للاعتداءات الجنسية. ألم يكن هؤلاء بشرا تنطبق عليهم حقوق الإنسان؟
لا بد من إدانة تعرض الانقلابين الأتراك إلى الإهانة، ولكن ليس من باب ابتزاز تركيا، ونسيان إهانة البلدان الأوروبية لطالبي اللجوء (وهم لم يرتكبوا جرم الانقلاب، بل جاؤوا يطلبون الأمان).
الشعب التركي سيتغلب دون أدنى شك على مشاكله، ويخرج من محنته قويا، وصديقا للعرب.
2016-07-23
