تركيا تسعى الى تصحيح العلاقات مع سوريا!
رنا علوان
صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نهار الجمعة الماضي ، إنه لا يوجد أي سبب لعدم إقامة علاقات بين سوريا وتركيا ، وإعادتها سيرتها الأولى
كانت الأخيرة قد قطعت العلاقات مع سوريا في عام 2011 وتحديدًا في أذار /مارس ، رهانًا منها على تحصيل مكاسب لا بأس بها من تلك الحرب الكونية التي شُنت على سوريا ، فاتخذت مواقف حادة سياسيًا إتجاه الحكومة السورية ، وتحولت تركيا إلى مقر غير صريح للقوة والشخصيات السياسية والعسكرية المنخرطة بشكل مباشرة بالحرب ضد الشعب السوري بجميع مكوناته ، وعملت على فتح حدودها لتوريد السلاح والمقاتلين وبث خطابات الكراهية والتفرقة ، وإثرات النعرات لتغذية مشروعهم الصهيوأمريكي في المنطقة مع وضع الجيوسياسية والتهميش الإقتصادي في مرمى حرب باردة حول الغاز الطبيعي ، بين عدد من القوى الأقليمية والدولية المرتبطة في الأزمة السورية ، في مواجهة محتدمة بين كل من روسيا وإيران وسوريا من جهة ، والاتحاد الأوربي وتركيا من جهة أخرى متخذةً أشكالًا عدة من المواجهات العسكرية والسياسية والقضايا المتعلقة بالهجرة والأرهاب تمهيدًا لتغيير خارطة القوة في العالم
لكن ما حدث لاحقًا ان تركيا خسرت الرهان ، بل واصبحت بحاجةٍ ماسّةٍ لعودةِ العلاقاتِ مع سوريّة ، لكنّهُا كانت تُريد وضع هذهِ الحاجة في سياق الترتيباتٍ الإقليميّة والدوليّة ، تقوم على صفقةٍ كاملةٍ ، تخرجُ فيها القواتُ التركيّةُ من المناطق التي دخلتها ، كذلك تخرجُ القواتُ الأمريكيّةُ ، الخاسر الأكبر من أي مصالحة في العلاقات بين أنقرة ودمشق ، كونها كانت هي الراعية لهذه التطورات وغيرها ، بعدما تبين لها استحالة إنهاءِ الوجودِ الإيرانيِّ في سوريّة ، كذلكَ بالنسبةِ لوجودِ “حزب اللّه”
وكما هو معلوم للجميع انه في “كل الحروب التي تحصل في عالمنا لابد من طرف ثالث يحل مكان الوسيط ويعمل على تامين بيئة آمنة لمناقشة نزاعاتهم وخلافاتهم ، مما يساهم في تفهّم كل طرف لوجهات نظر الآخر وتحديد نقاط الخلاف بين الأطراف وتركيز العمل على تسويتها والتوصل إلى تسوية مرضية لجميع الأطراف ، ومن أبرز مهام الوسيط أيضًا تدوين أو تسجيل الاتفاق رسميًا وأن يكون الصك المبرم ملزمًا لجميع الفرق ، ولعل أبرز ما يجعل الوساطة أكثر فعالية في وسائل تسوية النزاعات هو توصل أطراف النزاع إلى حلٍ فيما بينهم بدلًا من أن يفرض عليهم من قبل طرف خارجي” وسبق أن حاولت أطراف إقليمية ودولية عدة معالجة الأزمة القائمة بين تركيا وسوريا إلا إنها لم تفضِ إلى نتائج آخِذة ، بينما بغداد قطعت أشواطًا مُهمّة في تقريب المسافة بين البلدين وعقد مصالحة بينهما ، وإنهاء الخلافات بشكل جذري والعمل على تنظيم إجتماع بين مسؤولين أتراك وسوريين ، وقد يحضر مسؤولون روس للجلوس على طاولة حوار واحدة كمحاولة لإعادة العلاقات إلى مجاريها ، وتنطلق مساعي الوساطة العراقية من مصلحة الجميع ولاسيما العراق من ناحية ضبط الأمن والتنسيق بين الدول المجاورة على الصعد كافة ، وهذا يعني أنه في حال نجحت المبادرة فستنعكس إيجابًا على دول المنطقة وإلى الآن توصف المحاولة العراقية بالجيدة ، وهذا ما أكده عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية العراقية عامر الفايز بقدرة تأثير العراق الإيجابي على أصدقائه وجيرانه من دول المنطقةة ، ويرى ان الحكومة نجحت بشكل غير مسبوق في إدارة الوساطات بين الدول المختلفة ، مما يعزّز دور العراق وإسهاماته في خلق الحياد بعيدًا عن الصراع ، ويؤكد الفايز أن بغداد أصبحت الراعية لكل جيرانها من أجل مصالحتهم وحل نزعاتهم وتقديم المساعدة للجميع ، من دون محاباة دولة ضد دولة أخر
اذًا نجحت العراق بما فشلت به الإدارةُ الأمريكيّةُ فلقد حاولت سابقًا تمريرَ هذه الصفقةِ ، من خلالِ الأصدقاءِ الروس ، حيث عرضتْ عليهم سيناريو جديد ، يقومُ على إنهاءِ جميعِ أشكالِ الوجودِ الأجنبيِّ في سوريّة ، مقابلَ بقاءِ القواتِ الروسيّة ، وهوَ ما رفضتْهُ القيادةُ الروسيّةُ جملةً وتفصيلاً ، فكانَ الردُّ “الأمريكيُّ -الإسرائيليُّ – الغربيُّ” من خلالِ الخاصرةِ الروسيّةِ الرخوةِ في “أوكرانيا” ، أملاً بسحبِ القيادةِ الروسيّةِ إلى موقعِ الخضوعِ لتمريرِ تلك الصفقةِ
وقد صرّح اردوغان مشيرًا بأنه لا يستبعد احتمال عقد اجتماع مع نظيره السوري “الرئيس بشار الأسد”، للمساعدة في استعادة العلاقات الثنائية بين البلدين
مع التأكيد على أن الجانب التركي “مستعد للعمل على تطوير هذه العلاقات مع سوريا بالطريقة نفسها التي تم العمل بها في الماضي”، وأنه “لا يمكن أن يكون لديهم أبدًا أي نية أو هدف مثل التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا”، وهذا ما يعد امرًا جيدًا ولافتًا ، خاصةً بعد أن كان أردوغان في مقدمة الشخصيات التي حرّضت وساعدت طوال السنوات الماضية ، الجماعات الإرهابية في سوريا من أجل إسقاط الدولة بقيادة الرئيس بشار الأسد
بعد ما تم ذكره يتجلى لنا ان هذه التطورات الدراماتيكية التي شهدتها منطقة الشمال السوري الإثنين (2/7/2024) ، بما في ذلك مدن الباب وإعزاز وعفرين ، التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة الإرهابية (المدعومة من المعسكر الغربي المعادي لسوريا) من مظاهرات غاضبة وفوضى ، جاءت تحت ذريعة الاعتداءات التي تعرض لها سوريون في مدينة قيصري التركية ، بل بعد رفع الغطاء التركي عن هؤلاء
فلقد كان شرط اعادة العلاقة من الجانب السوري هو سحب الآلاف من القوات التركية التي نُشرت في منطقة شمالي غرب سوريا الذي تسيطر عليه المجموعات الإرهابية وفي مقدمتهم هيئة تحرير الشام (أي جبهة النصرة)
وبالعودة الى تفصيل هذه الاحداث والتطورات الدراماتيكية التي حصلت ، وما سبقها من الأيام القليلة الماضية، فقد قام متظاهرون في منطقة الشمال السوري، بالاحتجاج على أحداث حصلت في مدينة قيصري التركية، فقاموا بإنزال العلم التركي عن المباني الحكومية التي يديرها موظفون أتراك، مما أدى إلى إصابة بعض الموظفين ، كما عمد هؤلاء الأشخاص الى تدمير ممتلكات ومبانٍ حكومية وخدمية
وفي معبر باب السلامة ، الذي يربط ما بين مدينة إعزاز بتركيا ، تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف ، حيث هاجم المحتجون سيارات الشحن التركية وقاموا بتكسير وتحطيم بعضها، ومنعوا دخولها إلى الأراضي السورية ، وهذا ما أدى إلى اشتباكات بين الجانبين ، أسفرت عن مقتل طفل وإصابة آخرين من الأتراك والسوريين ، واعتقال الأتراك لشابين سوريين بعد إصابتهما
وامتدت الاحتجاجات شرقًا إلى مدينة جرابلس ، حيث شهد المعبر فيها توترًا تحول إلى اشتباكات ، مما دفع الموظفين والعاملين الأتراك في المعبر والمشفى إلى المغادرة باتجاه الأراضي التركية
وفي الغرب من إعزاز ، شهدت مدينة عفرين أيضا مظاهرات عنيفة وهجوما على المباني الحكومية واعتداءات على الموظفين الأتراك. وتطورت المظاهرات إلى اشتباكات مسلحة ضد مقر ” الوالي التركي”، أسفرت عن مقتل شاب سوري وإصابة آخرين برصاص القوات التركية
أما في إدلب ، فقد هاجم شبان نقاط الجيش التركي في قرى الأتارب والأبزمو وتقاد، وأنزلوا الأعلام التركية وخربوا السواتر المحيطة بالنقاط ، واعتدوا على المصفحات العسكرية
وفي سياق متصل بأحداث “قيصري”، التي تعدّ فتيل التطورات التي حصلت ، أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا في منشور له على منصة إكس ، بأنه تم إحصاء نحو 343 ألف منشور حول حادثة تحرش لاجئ سوري في تركيا بطفلة قريبة له (التي تسببت بإشعال التوترات في قيصري ومن ثم انتقلت الى شمالي سوريا)، تم تداولها على المنصة من حوالي 79 ألف حساب
وكشف يرلي كايا بأن التحقيقات أظهرت أن 37% من الحسابات التي نشرت تلك المنشورات هي آلية (روبوتات) وهذا ما يؤكّد وجود أطراف استغلت حادثة التحرش لإشعال توتر كبير بين تركيا وسوريا
ختامًا ، لقد أعاد الجميع حساباته مع سوريا الاسد وليست انقرة فقط ، ولَدائمًا ما صحةّ مقولة ” المتغطي بالأميركي عريان ” ، اليوم اردوغان قد يحصل على رجاءه بعد محاولات عدّة ، وله غاية في نفسه بالتأكيد ، خاصة انه يعيش على وقع النوستالجيا العثمانية ، أردوغان” اليوم يبحثُ عن مصالحِهِ فقط ، نتيجةَ غرقِ “العدو اللقيط الإسرائيليِّ” في رمال غزّة المُتحركة والتي سوف تبتلعه قريبًا ، وفي جبهاتٍ أخرى نالتْ منه كثيرًا ، ونتيجةَ التعبِ الشديدِ الذي يعاني منهُ الشيطان الأمريكيُّ في أكثرَ من موقعٍ ، ومنها موقعُهُ في سوريّة والعراق ، فالأخير لا يقوى على مواجهة كل ذلك ناهيك عن خسارته في اوكرانيا ، وكما مُنيّ الشيطان في خسارات جمّة كان اخرها افغانستان سيستمر في خسارته لا محالة ، ولن يفلح لا بحروب وكالة ولا بحروب مباشرة ، وهيمنته تلك ما هي الا بسبب عملته التي اساسًا سيطرت على العالم عن طريق الغش والخِداع ، كما انَّ العظمة في فعل الرئيس الأسد ، أنّهُ حيَّدَ هذا الإنجازَ الكبير ، ووجهه نحو الجولان ولم يجعله مادة للتفاوضِ على خروجِ الاحتلالِ الأمريكيِّ أو الاحتلالِ التركيِّ ، وذلك بإعتبارِهِ هدفًا من الأهدافِ الوطنيّةِ المُهمّة لسوريّة
2024-07-05
