ترامب والعراق … 7!
أضحوي جفال محمد*
ضمانات الضمانات الامريكية في العراق هي الدستور الذي جاء مشوهاً ومتناقضاً وغير قابل للتعديل. الامريكان هم الذين طرحوا مسودة الدستور العراقي الحالي، ولم يكونوا معنيين بتفاصيله التي تركوا أمر نقاشها للعراقيين.. يعنيهم فقط نقطتان، ومن حظهم أنهما مقبولتان في تلك المرحلة للقوى السياسية الفاعلة في العراق فلا تحتاج الاهداف الامريكية جهود تسويق: ان يكون النظام برلمانياً وان أن تعطى الصلاحيات للاطراف (الاقاليم والمحافظات) على حساب المركز. هذا كل ما أراده الامريكان وتحقق لهم بسهولة.
النظام البرلماني وصفة تأخر للبلدان المتأخرة، ووصفة تقدم للبلدان المتقدمة. لا يمكن لبلد متخلف أن يلحق بالبلدان المتقدمة من خلال نظام برلماني الا في حالات استثنائية. أما في الحالة العراقية فالاستحالة كاملة. الرجل الاول عندنا هو رئيس الوزراء، وعلى افتراض أنه مخلص وكفوء، لا يستطيع القضاء على الفساد وتنشيط الادارة وتنمية الاقتصاد لأنه ببساطة خاضع للبرلمان وللقوى السياسية المتنفذة. دعونا نأخذ الامور بالتدرج ونقول ان الانتخابات ستجري بعد بضعة أشهر، ويحين الاستحقاق الحكومي لتشكيل وزارة جديدة، وطرحت عدة أسماء لرئاسة الحكومة بينها رجل عظيم ومتحمس ولديه الخبرة لتولي المنصب وإحداث نقلة نوعية في العراق! هذا الرجل لن توافق عليه الكتل لأنه يشكل خطراً على مصالحها، وتنصرف الى آخر يعطيها ما تريد. دعونا نفترض أن الرجل المخلص استطاع عبور هذه العقبة وأقنع الكتل بالموافقة عليه.. فإن الموافقة لا تكون لوجه الله وانما مقابل تعهدات معينة قطعها للكتل او بعضها كي تدعم ترشيحه. ونلتمس له عذراً ونقول انه قدم تلك التنازلات من أجل الوصول الى المنصب وعندها يستطيع ان يخدم البلاد بألف طريقة وطريقة، لا بأس هذا ممكن، وننتقل الى المرحلة الثانية وهي اختيار الوزراء وتوزيعهم بين الكتل.. بديهي في واقعنا الحالي أن لا يد لرئيس الوزراء في اختيار وزرائه، فكل كتلة تقدم مرشحيها للوزارات التي أصبحت من حصتها، وفي أحسن الاحوال يصر رئيس الوزراء المكلف على أن تقدم الكتلة أكثر من اسم للوزارة الواحدة وهو يختار أحدهم، ولا اهمية كبيرة لهذه الآلية لأن الثلاثة المرشحين كالواحد من حيث الغاية التي أدت الى ترشيحهم، إذ ليس بينهم سيء وجيد وانما هو متشابهون في التكليف لخدمة الكتلة التي رشحتهم وتحويل الوزارة الى بقرة حلوب للحزب.
وننتقل الى المرحلة الثالثة وهي المصادقة على التشكيلة الحكومية داخل البرلمان. وهنا تأتي الكتل ذاتها بمطالب اضافية للتصويت على منح الثقة، وكل من يعتقد أنه مغبون لن يصوت. وعلى رئيس الوزراء المكلف تقديم حزمة جديدة من التنازلات لنصف البرلمان على الاقل للحصول على الثقة. مجموع هذه التنازلات والتعهدات التي قدمها رئيس الوزراء لجميع الفاسدين أصبحت قيوداً تلاحقه الى اليوم الاخير في عمله، لأنها جميعاً مفاسد وخروج على القانون ومحاباة وعليه أن يلتزم بها وإلا تنتقض عليه الاحزاب وتقيله.
المصيبة أن الامور لا تقف عند هذا الحد، فالمستجدات الكثيرة التي تطرأ تفرض على رئيس الوزراء التشاور مع الكتل قبل البت بها وإلا تكون قراراته مساساً بهذه الكتلة او تلك مما يدخله مشكلة جديدة. ثم ان العمل الحكومي الجاد يتطلب بالضرورة سن قوانين والغاء او تعديل قوانين لتستطيع الحكومة إنجاز برنامجها، والبرلمان لن يقدم هذه الخدمات بالمجان، فتمرير القوانين تصحبه مساومات سياسية لها اول وليس لها آخر، وقد لا يرى أغلبها النور.
بعد ذلك كله يتولى رئيس الوزراء المنصب وعينه على الانتخابات القادمة.. يفكر بتشكيل قائمة يخوض بها الانتخابات ويأمل أن تفوز بعدد كبير من النواب يمثلون ركيزة للتجديد له في ولاية ثانية. وهذا يعني من جهة ان الكتل الاخرى تتعامل معه كمنافس وتحاول إفشاله كي لا يسحب البساط من تحتها، ويعني من الجهة الثانية ان رئيس الوزراء ذاته مضطر لخدمة خطه السياسي اكثر من خدمة عموم البلاد ليصل الى دورة ثانية. فماذا بقي له من حظوظ لمحاربة الفساد وتنمية الاقتصاد وتطوير الادارة؟.
فارق النظام الرئاسي أن الرئيس يُنتخب مباشرةً من الشعب فلا يكون خاضعاً للبرلمان. ويكمل دورته الانتخابية الى اليوم الاخير دون خوف من الاقالة. ويختار فريقه الحكومي (الوزراء) بالشكل الذي يضمن له العمل دون عوائق. وعندما يفكر بالتجديد في الانتخابات القادمة فإن وسيلته لذلك هي ارضاء الشعب وليس الكتل السياسية، فإذا كان أداؤه مقنعاً لأغلبية الناس ضمن الفوز في التصويت الشعبي، وقد يكون تحدي الاحزاب والكتل السياسية هو ضمانته للفوز في الانتخابات. ففي حالتنا العراقية تصوت الاغلبية الساحقة من الناس لرئيس يتحدى الفاسدين ويبطش بهم، وهذا غير ممكن الا في نظام رئاسي. لذلك حرص الامريكان على تشكيل نظامنا بهذا الشكل وابرموه في دستور جامد لا يمكن تعديل كلمة فيه. ونترك نقطة اعطاء الصلاحيات للاطراف على حساب المركز الى المنشور القادم لأننا أطلنا.
——— يتبع
( اضحوي _ 2076 )
2025-03-06