بالروح بالدم: كيف اصبح هذا الهتاف صادقا؟
ولماذا يجب ان نؤرخ للمقاومة الفلسطينية الحقيقية من هذه الايام المباركة!
د. سعد ناجي جواد.
منذ سبعينيات القرن الماضي انتشر بشكل واسع هتاف خص به رؤساء وقادة عرب كثر يقول (بالروح بالدم نفديك يا رئيس او يا قائد). لم استسغ هذا الهتاف منذ اللحظة الاولى وذلك لسببين: الاول اني شعرت ان رائحة الدم والعنف تفوح منه، واعتبرته لا يابه بل لا يحترم النفس البشرية الكريمة. والسبب الثاني ان احساسي كان يقول لي انه هتاف كاذب وغير حقيقي، وان من يقوله او يصدح به إما جاهل او منافق، بدليل ان كل الذين هُتِفَ لهم بهذا الهتاف، ذهبوا ولم يفدهم احد بروحه او بدمه. وكل الاعداد الكبيرة التي كانت تصرخ به كانت تتبخر عندما يجد الجد.
وظل شعور الانزعاج يراودني عندما اسمع هذا الهتاف حتى قبل ثلاثة ايام وبالتحديد مع بداية انتفاضة الاقصى الاخيرة. لقد شعرت ولاول مرة ان هذا الهتاف (بالروح بالدم نفديك يا اقصى) كان صادقا ونابعا من قلب شباب ومرابطو القدس الابطال، وانه كان مقرونا بالرغبة الحقيقية في ان يفتدوا الاقصى بارواحهم ودمائهم. طربت له ودمعت مقلتاي وان اشاهد ابناء حي الشيخ جراح وام الفحم وابناء القدس بل وكل فلسطين يقفون عزل، الا من تصميمهم وارادتهم الفولاذية، مدافعين عن الاقصى وحي الشيخ جراح، متحدين جيش الاحتلال المتغطرس والمدجج باحدث الاسلحة.
ما يفرح اكثر هو وقفة فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة والتي لم تكتف بتحذير حكومة الاحتلال من مغبة استباحة الدم الفلسطيني، بل قامت بكل ما هو مطلوب لجعلها تتراجع وتؤجل مصادرة اراضي حي الشيخ جراح اولا، وتوقف المناورات الحربية الكبيرة التي كانت تزمع القيام بها لارعاب الفلسطينين عامة وحركة المقاومة خاصة ثانيا، والاهم جعلتها (الحكومة الصهيونية) تنسحب من المسجد الاقصى وتفك الحصار عنه ثالثا. ووقفت قوات الاحتلال عاجزة ومتفرجة، بل ومنبهرة، وهي تشاهد المئات من شباب القدس وهم يصلون صلاة الفجر في المسجد الاقصى الثلاثاء، اليوم قبل الاخير من شهر رمضان المبارك، ورغم كل القسوة التي استخدمتها القوات الصهيونية والقنابل الصوتية والدخانية والمسيلة للدموع، ورغم هجمات المستوطنين المدعومين من القوات الاسرائيلية. هل هناك اصرار واثبات ودليل اكبر وافضل على حقيقة ان هولاء الشباب يعنون ويقصدون ما يقولون وبانهم مستعدون لفداء الاقصى والقدس بارواحهم ودمائهم؟ اما صواريخ المقاومة التي انهالت على المدن والبلدات الفلسطينية المحتلة، وبالذات على تل ابيب ولاول مرة منذ الاعلان عن قيام هذا الكيان الغاصب، فلقد اثبتت ان المقاومة اصبحت ترفق تحذيراتها بالفعل الحقيقي وليس بالاقوال فقط، ولاول مرة ايضا تضطر اسرائيل لغلق مطاراتها الرئيسة وتحول الرحلات القادمة اليها الى قبرص واليونان. ولحد لحظة كتابة هذه السطور فان الصواريخ الفلسطينية ما زالت تنهمر على الاراضي الفلسطينية المحتلة، مع استمرار الغارات الاسرائيلية العنيفة على قطاع غزة، ويبدو ان المواجهة لن تنتهي سريعا على الرغم من النداءات والجهود الدولية. حركة المقاومة رفضت كل جهود التهدئة قبل ان تتوقف الاعتداءات الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني وبالذات سكان القدس، في حين ان نتنياهو ووزير دفاعه يصرون على التصعيد وقتل المدنيين وتدمير المباني وخاصة في غزة بدم بارد على امل ان تعيد هذه الافعال الوحشية بعض (الهيبة) التي مرغها مرابطو الاقصى وسكان المدن الفلسطينية وصواريخ المقاومة بالتراب. وفشل القبة الحديدية في اعتراض صواريخ المقاومة. اما التبرير الذي اعطته اسرائيل لعجز هذه القبة والذي يقول انه كان بسبب خلل فني اصاب القبة، فلقد اثار السخرية ولم يفلح في اقناع حتى الطفل الرضيع.
طبعا ما قامت به المقاومة وصواريخ حماس لا بد وان يجعلنا نفهم لماذا اصرت اسرائيل والسلطة الفلسطينية على تاجيل الانتخابات. وبعد كل الذي جرى في الايام القليلة الماضية، ولا يزال يجري، فانه من الاكيد ان لا السلطة الفلسطينية ولا اسرائيل على استعداد للسماح باجراء اية انتخابات في الضفة الغربية لان الطرفين اصبحا على يقين لمن ستكون الغلبة، ومن سيكون الفائز في مثل هكذا انتخابات.
من ناحية اخرى فان ما يجري في فلسطين المحتلة اثبت ويثبت يوما بعد يوم المقولة التاريخية (ما ضاع حق وراءه مطالب)، وان المقياس والمعيار الحقيقي والصحيح من مسالة احتلال فلسطين يظل ويبقى الموقف الشعبي العربي. ومهما هرول المهرولون وانبطح المنبطحون ستبقى الغالبية العظمى من الشعب العربي رافضة للاحتلال الغاصب ولكل خططه لتهويد او صهينة المنطقة.
الحقيقة الاخرى المهمة التي اثبتتها الاحداث الاخيرة ان الموقف الدولي، ومهما صدر من تصريحات رسمية عن حكومة الولايات المتحدة والدول الاوربية مؤيدة للاحتلال و (حقه للدفاع عن نفسه)، الا ان الانزعاج الدولي من الغطرسة الاسرائيلية، ومن محاولات اثارة المشاكل عن طريق محاولة نزع ملكية الاراضي الفلسطينية او بناء المستوطنات في المناطق العربية، كان واضحا جدا. بدليل ان الحكومة الامريكية اعلنت ولاول مرة ان على الحكومة الاسرائيلية يجب ان تحترم حقوق الفلسطينين وتحدثت عن ضرورة ان يتعايش العرب والاسرائيلين بهدوء وسلام، والاهم انه اكد على ان القدس هي (مدينة مشتركة). عكس ما فعله سيء الصيت ترامب.
من جانبها رفضت المقاومة الفلسطينية الحديث عن هدنة وقابلت التصعيد بالتصعيد، على الرغم من قسوة الغارات الجوية الاسرائيلية واستهدافها البنايات والمناطق السكنية. كما امتدت الانتفاضة الشعبية الى مدن جديدة وبلدات اخرى، اهمها اللد وعكا واطراف تل ابيب، تضامنا مع مرابطو القدس وابناء غزة. وهكذا فان محاولات نتنياهو للخروج من ازمته السياسية الخانقة عن طريق اشعال حرب مع غزة ومع سكان القدس ومصادرة اراضيهم قد انعكست سلبا عليه.
عندما هرولت بعض الانظمة للاعتراف بالكيان الغاضب مؤخرا، قالوا لنا انهم بهذا الاعتراف اوقفوا عملية ضم الضفة الغربية. وسخروا اصوات مؤيدة، كان بعضها وللاسف، من الاكاديميين والاعلاميين المعروفين، لدعم هذا التفكير. لكن ماحدث ويحدث في حي الشيخ جراح وباقي الاراضي الفلسطينية المحتلة وفي غزة اثبت زيف هذه الادعاءات.
اسرائيل كعادتها اخفت او تحاول ان تخفي حجم الخسائر البشرية التي منيت بها، وتركز على الاعلان عن مقتل نساء، وان الحصيلة هي خمسة قتلى فقط، وهذا الاسلوب لابد ان يذكرنا بالتصريحات الاسرائيلية عام 1991، بعد الهجمات الصاروخية العراقية حين اعلنت ان الصواريخ سقطت في مناطق نائية، وانها لم تسفر عن اي ضحايا، ثم كشفت بعد حوالي ثلاثة عقود حجم التدمير الذي حصل وعدد الضحايا الذين سقطوا جراء اطلاق هذه الصواريخ.
التصريح الاسرائيلي، والذي لم تكذبه السلطة الفلسطينية، والذي قال ان استهداف قادة امنيين في حركة حماس جاء بالتنسيق بين الجيش الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية، يبقى اكثر ما يحز في النفس. يضاف الى ذلك الى موقف الحكومات العربية وبعض الاصوات النشاز التي استكثرت على الفلسطينين موقفهم البطولي وانتفاضتهم، وانزعجت لان الموقف الشعبي العربي قد اثبت فشل اهدافهم. إلا انها لا يجب ان تثني اصحاب الحق عن الاستمرار في نضالهم.
يحق لنا ان نعتبر هذه الانتفاضة ورد المقاومة الفلسطينية البداية الحقيقية للمقاومة الفلسطينية، وان مابعد هذه المنازلة لن يكون كما كان ماقبلها.
لكوكبة الشهداء الذين راحوا فداءا لفلسطين وللقدس لحد اللحظة (35 شهيدا بينهم 12 طفلا و ثلاث نساء)، الرحمة وجعل مثواهم الجنة، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين، وجزاهم الله اعظم الجزاء عن مواقفهم البطولية التي اعادت للامة وللشعب العربي بعض الامل والثقه بالنفس. وإن ينصركم الله فلا غالب لكم
2021-05-13