النظام العالمي الجديد.. عملية الإخراج.. 4!
اضحوي جفال محمد*
العقدة أمام التفاهم الأمريكي الإيراني هي إسرائيل، فلا مشكلة عند الأمريكان مع دول لديها برامج نووية او صاروخية بعيدة عن إسرائيل، ولا مشكلة في منطقتنا مع الولايات المتحدة لولا دعمها لإسرائيل. بدون إسرائيل في المنطقة تكون الولايات المتحدة دولة عظيمة وبعيدة وربما صديقة للشعوب العربية والإسلامية.
هذه العقدة تعاني منها الولايات المتحدة كما تعاني منها الدول المعادية لإسرائيل في المنطقة. ان التبعية المطلقة من جانب حكومات كثيرة في منطقتنا للولايات المتحدة لا تعبّر عن واقع طبيعي وانما هي عمالة حكام جرى تخوينهم عبر جهود مضنية، ومعرضة للانتكاس في المستقبل، فالعالم يعيش حالة تغيير لا تتوقف، وحالة العداء الرسمي للولايات المتحدة التي سادت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي ستعود حتماً بصورة أشرس وأكثر وعياً. ولا بد ان الولايات المتحدة تسعى لايجاد تفاهم مستدام مع شعوب المنطقة لكن إسرائيل تبقى باستمرار حجر عثرة يجعل كل المقاربات وقتية ومعرضة للانتقاض.
هنا نحتاج الإشارة إلى مسألة جوهرية وهي أن إسرائيل ورغم كل ما بلغته من قوة اسطورية، وما حققت من نفوذ، لم يُنظر اليها من قِبل مموليها على أنها كيان طبيعي مفروغ من وجوده وبقائه.. وانما هي مشروع استثماري، سياسي واقتصادي وأمني، تستوجب جدواه المراجعة عند المنعطفات التاريخية.
مثل هذه المراجعات لا تطرح عادةً في أروقة السياسة وانما داخل مراكز البحوث التي ترسم للسياسيين استراتيجياتهم. وأعتقد ان العجز الاسرائيلي الخطير أمام مقاومين محاصرين، والمتزامن مع التحولات في المشهد الدولي من القطبية الأحادية إلى المتعددة سيضع مصير المشروع الصهيوني على طاولة البحث الجيوسياسي في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة خصوصاً، وهو ما يفسر حدة الاستقتال الجارية في فلسطين وما حولها لإظهار إسرائيل منتصرة بما يمدد الرهان على بقائها. وقد ضحوا لأجل هذا (الانتصار) بأغلى كنوز الصهيونية العالمية وهو تعاطف الرأي العام الغربي مع إسرائيل وتأييده الساحق لها. انها الخسارة الاكبر في التاريخ الصهيوني إذ انقلب الموقف الشعبي في امريكا واوربا من النقيض إلى النقيض بصورة إعجازية تليق أن تُعد من عجائب هذا العصر. لذلك يطلق نتنياهو العنان لآلة إجرامه وتوحشه لإدراكه جسامة الخسران فيحاول تعويضه بالإبادة ولو من باب الانتقام ككل من يتعرض لخسارة العمر.
لا أقول ان الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل في المستقبل المنظور، إلا انها ستشعر لأول مرة بفداحة الثمن الذي تدفعه ثمناً لاستمرار مشروعها الخاسر في فلسطين. ان صعوبة الخيارات المطروحة امامها للتعامل مع ايران تعكس العبء الثقيل للإنفاق الأبدي على هذا الكيان الكسيح. وسنرى وقريباً مقدار المغامرة الاستراتيجية التي على الولايات المتحدة ركوبها في الخليج. أقول قريباً لأن النظام العالمي الجديد يلقي مراسيه بحكم موازين القوى الناشئة، ولا بد من استباقه لمن لديه متعلقات تستوجب الحسم. وعدم فعل شيء من جانب الولايات المتحدة بحد ذاته خيار سياسي تترتب عليه أشياء وأشياء.
_____ يتبع
( اضحوي _ 2248 )
2025-09-20