ملاحظة:نشرهذا المقال في 14/9/2014ولأهمية المقال موقع ساحة التحريراعاده نشره
October 9, 2014
المُهم تمزيق سورية.. حتى وشإن اقتضى الأمر تمزيق كل دول الخليج
اسماعيل القاسمي الحسني

المحزن في قصة أجيال هذه الأمة، أمة “اقرأ” هوأنها لا تقرأ بالفعل، ولعل مراكز استقصاء موضوع المطالعة لدى شعوب العالم، لم تخطئ حين جعلت منا ذيل قوائمها، ولا يحتاج الأمر هنا لدليل، فواقعنا البائس يكفي، وما وصلناه من درك اخترق القاع، وقد جعل الغباء بعينه يشفق لحالنا، والجهل نفسه يتعفف ويسحب إليه لبوسه، خشية أن نزيده سوادا أكثر قتامة وحلكة.
حين اندفع كبار (علماء) الدين ومشاهير الدعاة في الشهر السادس لإعلان الجهاد رسميا في سورية، بعد أن سرت الدعوة اليه سرا كما أشرنا في مقال سابق في الأسبوع الأول من بدء الاحداث في درعا، ثم ارتفعت وتيرة الحرب بصبغة دينية وطائفية، أطبق صوتها وصيحاتها عن أي صفة أخرى، قد تكون أعدت من قبل فضلا عن كونها تزامنت معها في المحافل الاقليمية والدولية؛ وبلغت ذروتها في ذلكم المؤتمر التعيس الذي انعقد في القاهرة 2013/06/16، لما يسمى علماء الأمة ودفعوا بهياجهم وهيجانهم، رئيس دولة بحجم مصر لأن يرفع صوته مدويا القاعة،كأنما يُبشر باستعادة القدس الشريفمعلنا عن قطع العلاقات المصرية مع سورية؛ في حين كان يجتر وصحبه من قبل توليه السلطة، ضرورة قطع العلاقة مع كيان العدوالاسرائيلي، لو أناخت ناقته بقصر الرئاسة، وراح مع ثلة من القوم يهرولون في القاعة، تحت صيحات التكبير والتهليل يحمل علم الاحتلال الفرنسي؛ بديلا عن علم الجمهورية العربية السورية الحرة، رئيس الوفد “العلمائي” الجزائري وفي حالة تخبط، ناقض بشكل فاضح سياسة دولته، لكن أخطر من ذلك حين عاد لأرض الوطن، ينزل بمقال ساخط على ذلكم التجمع الفلكلوري، معلنا على دعمه لمضمون البيان الشؤم على الأمة، لكنه أقر بعدم الامضاء عليه، والسبب الذي دفع به الينا أخطر من الجريمة ذاتها، حيث رد الأمر لتهميش وفده، وشعوره بأنهم مجرد ديكور ليس أكثر؛ هنا تذكرت حجة الاسلام ابوحامد الغزالي وتفصيله في باب الشرك الخفي بكتابه الجليل.
الكل مع الأسف الشديد يلعب على الظهوروالتميز وإن كان على حساب دماء أمة بكاملها ومستقبل شعوب. أوذلكم الداعية الشاب السعودي الذي ألهب مسجد عمروبن العاص 2013/06/14، وأوقد نار الحرب بمسمى الجهاد ضد النظام السوري، يوم الجمعة التي تلت الاجتماع، لم يقرأ هؤلاء ولا قوم تبّع من الكتاب وصناع الرأي في نفس اليوم، ما صرح به رولاند دوما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، بخصوص صناعة الحرب على سورية.
لم يكن قد مضى عن العدوان الهمجي الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني بغزة أكثر من نصف عام، ففي 2012/11 شنت هجوما تحت نظر هؤلاء وعلى مرمى حجر منهم، كأنما على رؤوس أغلبهم الطير، لم ترفع رايات الجهاد، وحذف الركن من الدين، ولم يطرد سعادة السفير فضلا على أن تقطع العلاقات الدبلوماسية مع المعتدي، وتلحفت المآذن معلنة عن أنوثتها؛ وانزوت المنابر الملتهبة الى الخدور؛هنا تداعت لذاكرتي فتوى علماء الحجاز ذات عام 1841، التي حملها الجاسوس الفرنسي ليون روش، ممهورة بختم شريف مكة محمد بن عون، تحرم في مضمونها الجهاد ضد المحتل الفرنسي في الجزائر، ومن بين ما جاء فيها:”….ان اي شعب مسلم يغزوالغيرُ اراضيه، فإن قام بالثورة فإنه يفقد كل حظ في الحصول على الحرية، وعليه أن يقبل بالعيش تحت سيطرته مع الاحتفاظ بأمله في التخلص من الاستعمار” (1) لن أتوقف عند المصطلحات وإن كانت غاية في الخطر، فصياغة الفتوى بالضرورة تعطي لمفرداتها المعنى المستخلص بطبيعتها من الأصل، وهنا الأصل هوالقرآن الكريم، ليس من باب الجهل باللغة لدى العلماء الذي صادقوا على هذه الفتوى “الجريمة” بحق الشعب الجزائري، حين تعمدوا وضع كلمة “الأمل”، والتي تحمل في المعنى القرآني استحالة التحقق، خلاف مفردة “الرجاء”. لم يكن لهذه الفتوى الخبيثة من كبير أثر على مقاومة الأمير عبد القادر بن محيي الدين، لواقتصر الأمر على بعض علماء القيروان والقاهرة، لولا تزكيتها من الجزيرة العربية، لما لسطوة المقدسات بها على نفوس الناس (2)، فكانت واحدا من أهم الأسباب في تسريع هزيمة الأمير عبد القادر، الذي سبق وأن دحر 17 جنرالا فرنسيا، قبل هذه الفتوى المشؤومة، ورفع قواعد الدولة الجزائرية المعاصرة.
لم يجد العدوالفرنسي وحينها كان الجنرال بيجو، من سبيل لفت عضد مقاومة الأمير، وشرذمة الرجال من حوله، إلا ما نشاهده اليوم على أيدي علماء هذا العصر، من استصدار فتاوى تخدم العدوأولا وأخيرا، وليس من قبيل الصدفة أن تمهر ممن ينتسبون لذات العواصم.
اليوم نقف على قصة عين العرب شمال سورية وتهديد تركيا بالتدخل البري، ولا شك لدي بأن علماءنا الذين لم يراجعوا تاريخ ليون روش وغيره، واستغلال الفتاوى الدينية لاستعمار بلد مسلم، بل والعمل على خذلان رجل مجاهد من طراز الأمير عبد القادر بن محيي الدين؛ فلن أتوهم قراءتهم لما جاء في مقالة برنار لويس عن صدام الحضارات 1957 والتي دعا فيها لتفتيت المنطقة العربية بعد عدوان 1956، ثم وضع لهذا التصور تقارير اعتمدت لدى مجلس الشيوخ الأمريكي، ولكن ما يهمني هنا هواعتماد برنار لويس وغيره مثل زبغنيوبريجنسكي في كتابه بين عصرين، أوصامويل هنتيغتون 1993 على ضرورة استعمال الجانب العرقي والطائفي، واللعب عليهما وبهما لتقسيم العالمين العربي والاسلامي، والغريب أن علماءنا ومفكرينا هم أنفسهم يستعملون هذه الأدوات المدمرة، وإذا افترضنا حسن النية فيستحيل معها بالضرورة مطالعة ما سبق ولحق، بخصوص الاحتلال الجديد وتقسيم الدول العربية ابتداء. وعين العرب لم تكن بعيدة عن هذا الطرح، خاصة فيما تعلق بضرورة فصل الشمال السوري؛ وهنا لنا أن نسأل بجد كل داعية لقلب النظام في سورية، ما علاقة هذا بذاك؟
تقسيم المشرق ليس مؤامرة، بل هوتخطيط معلن ومشهر ولا يقفز على حقيقته إلا جاهل أومكابر، وهنا لست أخلي الأنظمة العربية من سوء تقديرها لحجم المخاطر مسبقا، لكن المشهد بين ايدينا اليوم أنظمة تدافع ليس عن بقائها ولكن عن جغرافية الوطن ووحدة الشعب، وفي المقابل دعاة دين وفكر يعملون ميدانيا على تمزيقها؛ لم يكن يعلم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عند تقدم داعش، أبعاد الهجوم على الموصل، فأصدر بيانا حينها بضرورة دعم هؤلاء المجاهدين الذين جاؤوا لإنقاذ أهل السنة، لم ينتبه أغلبنا لتلكم المفارقة العسكرية، حين بادر هذا التنظيم فورا، وبعد بسط سيطرته على جغرافيا الموصل، لسحب كل الاسلحة التي غنمها الى داخل الرقة، والحال أن الضرورة تقضي ببقائه بل وتعزيزه، حتى يترسخ التواجد، لم يلاحظ العلماء ولا المفكرون تلكم المجازر التي ارتكبت في حق الناس، وما استوقفهم سوى اعلان الخلافة (السلطة) ليعلنوا براءتهم منها وعدم اعترافهم بها، ولم يتحرك العالم الغربي عن قصد إلا بعد أن هددت آبار النفط جديا؛ هنا وبتناغم لافت اندفع الجميع لحشر داعش في سورية واستدراجها الى التوسع نحوالشمال، والعمل على استفزاز شماعة السلطة التركية قبر سليمان شاه، التيار الاسلماوي الحاكم في تركيا لا يعنيه أي ضريح لصحابي جليل تم نسفه، أوحتى قبر نبي من أنبياء الله، المهم ألا يمس بسوء القبر المعظم هكذا تقول الشريعة الاسلامية؛ علينا هنا ان نستحضر الاجتماع الذي سرب في الشهر الثالث من هذا العام – أي قبل نصف سنة فقط- للعالم، بين وزير الخارجية التركي آنذاك احمد داوود اوغلوورئيس جهاز الاستخبارات وممثل عن قائد اركان الجيش التركي، وكان ملخصه اصطناع حدثوحياكة فعل عسكري بأيديهم، يُنسبُ للقيادة السورية ظلما وزورا (هكذا تقول الشريعة الاسلامية)، ليكون ذريعة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي للتدخل البري المباشر في سورية. بين دعم تركيا لداعش، وطريقة صناعة البهتان وتزوير الحقائق، وبين البحث عن موجب شرعي للتدخل في الحرب على سورية، والذي رهنه بكل صفاقة وجه بضمان الاطاحة بالنظام السوري، ولا ندري ما علاقة حماية عين العرب بقلب النظام؟
وبين كل هذه النقاط وما سبق في كتب منظري الغرب حول تجزئة الدول العربية، وأن يكون لتركيا الداعم المهم، والحليف القوي في المنطقة للعدوالاسرائيلي، سهم جغرافي يضاف للواء اسكندرون، كما يستقر للعدوالاسرائيلي الذي تربطه بالجماعات المسلحة علاقة ظاهرة ومعلنة، نصيب الجولان بشكل نهائي وشريط مضاف اليه كسهم مضاف.
اطمأن العقل الغربي لسفه نخب العالم العربي، لأي ميدان فكري انتسبت، فأخرج بعد مؤتمر نصرة سورية بنصف عام فقط، عبر صحيفة نيويورك تايمز 2013/09/30 خريطة تقسيم المشرق العربي، وإن كان جزء منها قد تحقق في العراق عمليا، والجزء الذي يعني سورية ندفع نحن الأغبياء الى تحقيقه، وهنا لا استبعد صدور فتاوى من قطر لنصرة السيد رجب طيب ارد وغان، تنتهي باحتلال شمال سورية، وتمزيق البلد، وقد أحلوا من قبل اقتطاع الرقة؛ لا أدري هل هذه النخب قد طالعت كتب من سبق ذكرهم، أوعلى الأقل تأملت النصف الآخر للخريطة التي نشرت، والذي يعني تقسيم السعودية الى خمس دويلات على اساس قبلي ومذهبي؟ حتى دولة الامارات والكويت لم تسلما من المخطط؛ باللغة العربية الفصحى: هل هذه النخب الدينية والفكرية التي تعمل على تدمير سورية، تعي جيدا أن الخريطة لا تتوقف حيث يتوهمون؟ أم لا ضير فلتمزق سورية وإن اقتضى الحال تمزيق السعودية وكل دول الخليج؟.
هذه ليست أوهام الكاتب ولا هي بنات خياله، اقرؤوا يا نخب الخليج وعلماءها ولولمرة واحدة، ولولهذه المرة فقط، ثم افتوا وادعموا تركيا وأمريكا لتمزيق سورية، فإن النار التي اوقدتموها تسري تحت تبن العروش، وسيأتيكم نبؤها ولوبعد حين قريب.
(1) مجلة المجاهد عدد 968-1979
(2) مذكرات ليون روش الجزء 2 ص 46- 135
الفلاح الجزائري
عنمدونة الكاتب في الفيسبوك