الموضوعات المغفله والمقصية في تاريخ العراق الحديث !
فاطمة تقي.
فجاة يجد المرء نفسه في عالم اخر او انه كان يحلم بانه يعيش في بلد ما ومكان له سمات وملامح فاذا بما عاشه ويعرفه عن بلده ومن ثم عن نفسه قد انقلب وصار عرضة للاهتزاز كمفهوم وكواقع يمكن العيش ضمنه وفيه من دون تناقض وبلا تفارقات مع حاضنة الوجود، هذا يمكن ان يتاتى من كلمات مجرد كلمات من نوع ” الذاتيه” او ” النطق عن الهوية” و ” المنظور الوطني”فاذا بالمرء وكانه امام اشتراطات ولادة جديده، اذن العراق ليس ذلك المكان المحكوم الى الطبقية والطبقات والذي محكوم بان يترسم اليوم طريق الثورة البرجوازية بحسب المتاح اتباعا والتحاقا بالنموذج الأوحد الوحيد الغربي.
الاغرب في الامر هو هذا الكم من الخصوصيات والظواهر الحرية بالانتباه وبالقراءة الجادة والتمحيص في هذا المكان الذي اسمه العراق او ارض مابين النهرين كما يعرف عالميا من نوع ” الازدواج المجتمعمي: او ” التحولية” و” ظاهرة العيش على حافة الفناء” والكيانيه الإمبراطورية الثابته و ” الدورات التاريخيه والانتقطاعات” وكلها ظواهر مع غيرها الكثير ليست مما يمكن تجاهله او العبور عنه حتى يصير المرء واثقا من انه انما يقف امام ظاهرة مميزه كينونة وبنيه وتاريخيا ومن ثم دلالة …
القراءة وسيلة لاكتساب المعرفة ومن أجل ادراك كثير من الأمور الغائبة عن العقل … فهذه قراءة متعمقة وحريصة في نتاج مكرس في مجمله لإعادة قراءة ” التأريخ المجتمعي للعراق”
ما يجعل منه فتحًا مبدئيًا جديدًا في هذا الميدان …
لقد اطلق الأستاذ عبد الأمير الركابي رؤية جديدة وسردية من خلال ” المنظور التحولي لتأريخ المجتمعات “
باسلوبه الخاص الذي يتلائم ويتناسب مع فرادة موضوعاته في بحثه ومقاربته ل “النموذج الرافديني”
لقد ساد الجهل الكلي المطلق بالعراق وتكوينه وبنيته وصفاته التاريخية مع اعتماد المروية الحديثة ” لتشكله الحديث”
التي تلحقه بالغرب وظاهرته الحديثة وسوقه الراسمالية ؛
لقد جرى اعتماد هذا المنظور بسبب عدم توفر المنظور الذاتي المطابق للحالة من حيث آليات التشكل وقوانينه وفي مقدمتها قانون التشكل من اسفل”
ففي العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم جرى استعمال منظور منهجي لاجل تكريس ما يعرف ب ” العراق الحديث” الكيان والدولة ، كما أسس له وثبته الضابط الانكليزي الملحق بالحمله البريطانية ” فيليب ويرلند ” والذي يرى بان العراق الحديث هو ؛ حصيلة العملية التدريجية للتوحد الاقتصادي والاجتماعي للولايات التركية الثلاث” بغداد ، البصرة والموصل “توحيدا نجم عنه وطن واحد وسوق وطنية واحدة، وقد بدأت هذه العملية منذ الاحتلال التركي الثالث لبغداد في عام 1831-حتى أفضت الى تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة تحت الاحتلال البريطاني عام 1920 … هذه المروية وهذا التقدير الذي هو ما اخذ به كل المنتمين ” للحداثةالعراقية
“يسارًا ويمينًا وبالذات اقتصادييها الأبرز …
فقد اعتبر الماركسي
“زكي خيري” ؛ ان ما يجري هو الانتقال من الانتاج للكفاف الى الانتاج للتصدير ودخول عالم تسليع المنتج الزراعي “
فالعراق منذ ان وجد كان تكوينًا وبنية هو موضع كيانية إزدواجية …حكمه قانون النمو من اسفل …من سومر في الدورة الاولى ومن الكوفة والبصرة في الدورة الثانية ومن سومر الحديثة ” المنتفك “في الراهنة … الا ان هذا النموذج كان ومايزال مجهولًا … مجهول الآليات ونوع القانون الناظم لتشكله من قبل اهله وأبناء أرضه أولآ … بينما جرى تكريس وتعميم نموذج الوافد الغربي مفهومًا وواقعًا وتطبيقًا … فلم يقرؤوا العراق يومًا بذاته ولذاته للتعرف على حقيقته المجتمعية التاريخية … فالظاهرة المجتمعية عمومًا لم يعيها العقل الذي يتشكل صعدًا داخلها… فيظل عاجزًا عن التعرف علي حقيقتها … كما في اوربا آلتي ظلت عاجزة عن التعرف على
انشطارها المجتمعي طبقيًا حتى القرن التاسع عشر …
لم يعرف العراق حتى اللحظة ما يعرف ” بالمنظور الوطني” ومفهوم الذاتية الوطنية …فهذه الظواهر جرى التجاوز عليها وعلى الخاصيات البنوية التي كانت أساسًا لتشكله الوطني الحديث الجاري من القرن السادس عشر قبل وصول الاستعمار …
ففكرة ” العراق الحديث “
لم تطرح الا مع ما ذهب المستعمرون لتقريره وما أقدموا على تنفيذه واقعًا … مع ظهور الأحزاب الايديولوجية وحضورها السريع …الماركسيه منها والليبرالية ومن ثم القومية التي تأسست على فرضيات جاهزة جازمة منقولة ومستعارة تخص أماكن أخرى من العالم … وأقحمت على العراق …ففجأة يصير العراق هو اوربا الثورة الصناعية والمصنعية وصراع الطبقات… كمبررات ومقدمات أقامتها ككيانات سياسية … فأصبحت قوى لها تأثير وفعل… ماتزال تعتاش عليه رغم عقم منظورها وما أورثته التجارب القاسية من نتائج … فلم تتفاعل مع الحقيقة التاريخية والوطنية وذهبت بعيدًا في نبذ نزعة أو شبهة الميل ل” الخصوصية ” بمعنى الذاتية “وما يدل عليها… ما يدل على نوع من الدونية ومن الموقف لإلغاء للذات من قبل من تصدى في الثلاثينات لمهمة تأسيس “الوطنية الحزبية الايديولوجية ” فتاريخ تلك الحقبة كما يذكر في ادبياتها ؛ أن جعفر ابو التمن “الملقب ب ” أبو الوطنية العراقية “حاول تجسيدالوطنية العراقية في ظروف قيام ” الدولة والكيان “الحديثان”
فحال العراق اليوم مع متوالية الدمار على مدى يقارب النصف قرن هو شكل من أشكال الانقطاعية التاريخية التي ميزت تاريخه ابان دوراته الماضية الاولى والثانية وما اعقبها وفصل بينها من غياب وتوقف الديناميات التاريخية الصعوديه ويتولد عنها من ” غياب العراق” الذي هو من خاصيات
” الازدواج المجتمعي” للعراق وقد تجدد اليوم ضمن اشتراطات مختلفة…
لا يعود العراق ان يستمر موجودًا وهو ينظر الى ذاته بعين غيره كما كان عليه الحال ابان الدورتين الأولى السومرية البابلية الابراهيمية والثانية العباسية … ومع حصول المتغير النوعي الأكبر على مستوى المعمورة بالانتقال إنتاجيًا الى “الاله
وانعكاساتها وما رافقها وتولد من نموذجية غربية ناهضة حداثية وما قد حل على ألعالم والمجتمعية البشرية وعلى العراق بالخصوص من تحدي غير مسبوق …كانت الفترة الايديولوجية احدى مظاهره العابرة وصولًا لاشتراطات
” الانقلابية التحولية ” المنتظرة منذ سبعة آلاف عام
حيث تتبدل القاعدة كليًا وبدل ان يظل العراق مجبرًا لأسباب تاريخية موضوعية على النظر لذاته بعين غيره … تحل لحظة نطق أرض مابين النهرين المتاخر ليعم المعمورة ويصير هو “” المنظور الانتقالي العالمي الشامل المعتمد لدى عموم المجتمعات البشرية “” فيظهر هذا المنظور علامات ومعطيات الانتقالية التحولية العراقية الحديثة خارج المنظور الاستعاري الذاتي المتولد عن العجز والقصور العقلي التاريخي إزاء الظاهرة المجتمعية وصيغتها الاعلى الرافديني الازدواجية التحولية …
والمنظو الثاني المتولد كشكل من اشكال انعكاس الظاهرة التوهمية الغربية الحديثة وما نتج عنها من تعبيرات ايديولوجية اعترضت وصادفت عملية التشكل التاريخي الراهنة …
ان ما يميز هذا المنظور هو انه أحدث اختراقًا …تجاوز زمنه نحو القادم كأنه اقام هناك في انتظار وصول الباقين الى رياضه ورحابه
فقد خرج على افق التوقعات الى افق ومالات الظاهرة المجتمعية …
2021-04-12