المسألة الكردية في العراق!
( الحلقة – 1 )
علي رهيف الربيعي*
إن التفتت الأثني في العراق يتمثل الآن بشكل اساس فيما أصطلح عليه عراقيا بالمشكلة الكردية التي هي في حقيقتها مشكلة تواجد جزء من قومية ضمن الحدود السياسية لكيان هو الآخر قد إعتبر نفسه ومنذ قيامه على أنه جزء من كيان قومي أكبر. فكرد العراق يعتبرون أنفسهم أنهم جزء من القومية الكردية إلا أنهم وجدوا أنفسهم جزء من الكيان العراقي الذي إعتبر نفسه هو الآخر ومنذ تأسيس الدولة العراقية انه جزء من كيان أكبر هو الكيان القومي العربي . بعبارة أخرى ان كلا الحركتان القوميتان العربية والكردية في العراق نظرتا إلى الدولة العراقية وكأنها كيان مؤقت ولايمكن ان يمثل الطموح النهائي لأي منهما ، بل يجب العمل على الأنسلاخ منه بالنسبة للأولى وإلغائه عن طريق دمجه بكيانات أكبر بالنسبة للثانية . لاعجب إذا ان حل بالعراق ما حل به . فالدولة العراقية الحديثة كانت قد رفعت راية القومية العربية رسميا منذ عام 1921 بينما لم ترفع سورية إلا بعد إستقلالها عن فرنسا في عام 1946 ولم ترفع مصر إلا بعد حرب السويس في عام 1956 . إن المشكلة الكردية الآن هي مشكلة قومية موزعة بين أربع دول أو أكثر ، إحدى تلك الدول هي العراق، إضافة إلى أن سكان العراق من الكرد هو ربما ثلث ماتحتويه تركيا من كرد وربما ثلثي ماتحتويه إيران من الكرد. بالرغم من ذلك فقد تركزت المشكلة الكردية في العراق ، إذ تعاظم الوعي القومي بين كرد العراق وبدرجة أعمق من نموه بين كرد تركيا وبين كرد إيران والسبب يتعلق بعضها بفشل الدولة العراقية في خلق اللحمة الوطنية كنتيجة لتركيزها على الهوية القومية العربية بدلا من الهوية الوطنية العراقية ، على عكس إيران التي كان تركيزها على الهوية الوطنية اي الإيرانية بدلا من الهوية الفارسية، فجنب ذلك إيران ان تفجر كثير من المشكلات الأثنية الكامنة بين سكانها من الترك والأذربايجانيين والتركمان والكرد والبلوش والعرب والأرمن التي كان من الممكن أن تؤدي تلك المشكلات الأثنية لو تفجرت إلى تقسيم إيران لاسيما فيما لوكانت بجدية المشكلات التي جابهتها الدولة العراقية مع كرد العراق. بينما تعلق البعض الآخر من الأسباب بتعاظم التيار الماركسي في العراق وتحالفه الاستراتيجي ومنذ دخوله إلى العراق خلال عقد الثلاثينات مع التيار القومي الكردي وبالضد من التيار القومي العربي بسبب التنافس التأريخي بين التيار الماركسي العراقي والتيار القومي العربي في العراق. بعد انسحاب صدام من المنطقة الكردية إثر هزبمته في الحرب، أصبح هنالك ولأول مرة في تاريخ الكرد كيانا كرديا غير تابع فعليا لأي من الدول المجاورة، تعهدت بحمايته وتولت ذلك فعليا الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا وفرنسا . لقد كان من الممكن أن يكون ذلك الكيان في شمال شرق العراق دولة كردية مستقلة لو تعلق الأمر بالعراق المهزوم فقط ، لكن الأمر يتعلق الآن بتركيا عضو حلف الناتو والمجربة أمريكيا ولنصف قرن من الحرب الباردة وإيران الحليف السابق للغرب والتي لاتريد الولايات المتحدة وبريطانيا حقا إلحاق أذى حقيقي بإيران كالذي ألحقوه بالعراق . إن هذا المقال لايستطيع بحث المشكلة القومية الكردية خارج حدود العراق ، فهي مشكلة شعب هو الوحيد من بين شعوب العالم الذي حرم من كيان قومي وهو امر لايمكن أن يقره اي منصف في هذا العالم آخذين بنظر الأعتبار ان هنالك دول في العالم اليوم لايزيد عدد سكانها عن بضعة عشرات من الآلاف كما هو الحال في منطقة الخليج مثلا ، فالكرد في الحقيقة هم الشعب الوحيد في العالم المعاصر الذي لايتمتع بكيان قومي وذلك هو ليس من العدل في شيء . لكن اللوم في ذلك لايمكن أن يلقى على العراق بعد الآن ، لايمكن بعد أن إنسحب الجيش العراقي من المنطقة الكردية ومنذ خريف عام 1991 ، مما يدل على أن عدم قيام دولة كردية في شمال شرق العراق يتعلق بممانعة إقليمية ودولية لاتحسب لرغبات كرد العراق القومية حسابا، إلى الدرجة ان وزارة الخارجية الأمريكية والبريطانية وكذلك الفرنسية منعت موظفيها من إستخدام عبارة كردستان أو حتى عبارة كردستان العراق وعممت رسميا على موظفيها إستخدام عبارة شمال العراق وهي نفس العبارة التي وردت في كافة قرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة بالعراق ومنها القرار الخاص بأقامة منطقة الحظر الجوي شمال العراق خط العرض 36.
يتبع..
2025 /09 /25