المؤتمر القومي العربي في دورته “31” واحة نهضوية جامعة وسط صحراء التمزق والتفتيت!
معن بشور صديق مهتم بالشأن العام قرأ خاطرتي “أقبال لافت” عن حماسة العديد من القادة والشخصيات العربية للمشاركة في اعمال الدورة الحادية والثلاثين للمؤتمر القومي العربي التي ستعقد في بيروت يومي 23و 24 حزيران الجاري في تعبير عن ادراكهم لخطورة المرحلة التي تواجهها أمتنا من جهة، وعن رغبة عارمة بالتضامن مع لبنان وشعبه في مواجهة الحصار الخارجي المفروض عليه والمستند الى فساد داخلي نهب مدخرات اللبنانيين ودمّر اقتصادهم، وسألني : “ما هو مؤتمركم هذا ، وكم عمره، وماذا قدّم للأمة.” لست أدري إذا كان سؤال صديقي هذا كان من باب الاستفسار أم من باب “الاستفزاز” الودي لمعرفة المزيد، ولكن وجدت من واجبي أن أجيب عليه باختصار قد لا يفي هذا المؤتمر حقه. قلت لصديقي المؤتمر القومي العربي هو اطار للتحاور والتشاور بين مثقفين وممارسين ومناضلين من كل أقطار الوطن العربي ومن المهاجر العربية للبحث في سبل استنهاض الأمة لتحقيق مشروعها النهضوي الحضاري وعناصره الست: الوحدة العربية، الاستقلال الوطني والقومي، الديمقراطية، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدد الحضاري. ولقد أكد المؤتمر منذ تأسيسه في تونس في ربيع 1990 على يدّ عدد من الشخصيات القومية البارزة ك خير الدين حسيب وأديب الجادر (العراق)، ومحمد فائق (مصر) وحمد الفرحان (الأردن) ، وعبد الحميد مهري (الجزائر)، والأخضر الإبراهيمي (الجزائر)، واحمد صدقي الدجاني (فلسطين)،و جاسم القطامي (الكويت)، وجوزيف مغيزل (لبنان)، وجمال الاتاسي (سورية)، على انه ليس حزباً سياسياً بل اطار لتلاقي شخصيات من كل الأحزاب والحركات المؤمنة بالمشروع النهضوي العربي، كما انه ليس مركز أبحاث أو دراسات بل هو اطار لتفاعل العديد من مسؤولي هذه المراكز لا سيّما وانه وليد فكرة بناء كتلة تاريخية، رأى ضرورة قيامها المشروع النهضوي العربي، الذي أطلقه مركز دراسات الوحدة العربية كأداة قادرة على تحقيق أهدافه، وبالطبع ليس نقابة او تجمع مهني، وإنْ كان يسعى لكي يضم في صفوفه قادة كل الاتحادات النقابية والمهنية العربية، ليشاركوا في مشروع النهوض القومي والاجتماعي الحضاري كل من موقعه، وليس منصة إعلامية أو ثقافية، وان كان يسعى ان يضم في صفوفه أبرز الوجوه الإعلامية والثقافي، بل ان المؤتمر كما عرّف نفسه هو اطار للتحاور والتشاور في قضايا الأمة، يحدّد الاستراتيجية القومية والتحررية المطلوب ، ويحدّد خطوطاً عريضة وآليات محددة لتحقيق ذلك، ثم يسعى اعضاؤه من خلال مواقعهم الحزبية والنقابية والسياسية والنقابية والاعلامية والتربوية الى تنفيذها في أقطارهم عبر التعاون فيما بينهم أو عبر التنسيق مع كافة القوى والشخصيات والهيئات المهتمّة بهذه القضية او تلك. صادف تأسيس المؤتمر في ربيع عام 1990، اندلاع حروب وحصارات شهدتها الامة بدءاً من العراق في صيف عام 1990، فكان له موقف معترض على غزو الكويت، كما كان معارضاً بقوة لاستحضار القوات الأميركية والأطلسية الى الخليج والمنطقة، ومطلقاً لحملات كسر الحصار على العراق، براً وجواً، والتي تولى قيادة العديد من هذه الحملات أعضاء المؤتمر في بلدانهم تماماً كما قادوا حملات مساندة المقاومة العراقية ونظمّوا محاكمات شعبية لمجرمي الحرب على العراق لدرجة ان الإدارة الأميركية وضعت اسم أمين عام سابق للمؤتمر على لائحة “المطلوبين” بتهمة دعم المقاومة في العراق. بالنسبة للقضية الفلسطينية كان للمؤتمر موقفه الواضح منذ التأسيس حيث أحتضن المقاومة الفلسطينية وعارض بشدّة كافة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية واتفاقات الاعتراف بالكيان الغاصب والتطبيع معه، وشكّل أعضاؤه مع رفاق نضال آخرين هيئات نصرة فلسطين ومناهضة التطبيع في العديد من الأقطار وتعرّضوا لملاحقات ومضايقات عدة في أكثر من قطر عربي، وكانت أول مواقف المؤتمر بعد تأسيسه هو اعتراضه على مؤتمر مدريد (1991) ، ثم على اتفاق أوسلو (1993) ، ووادي عربة (1994) وصولاً الى الاتفاقات ” الابراهيمية” الأخيرة، وقد شارك المؤتمر عبر أعضائه مع المؤتمرات والمؤسسات الشقيقة المجتمعة في اطار المؤتمر العربي العام، في اطلاق العديد من المبادرات والمنتديات والملتقيات العربية والدولية انتصاراً لفلسطين ومقاومتها وأسراها وانتفاضات شعبها، وكانوا وراء العديد من المظاهرات والمسيرات في الوطن العربي والعالم انتصاراً لشعب فلسطين في مواجهة الاحتلال، وهو ما أدى الى التضييق السياسي والإعلامي والحصار المالي على المؤتمر وعدد من أعضائه عبر السلطات الحاكمة وأدواتها وعبر توجيهات من الخارج أيضاً. وفي لبنان ، كان المؤتمر منذ تأسيسه عام 1990 داعماً لوحدة لبنان والجهود لاخراجه من الحرب اللعينة التي فُرضت عليه ولعب اعضاءه في لبنان دوراً ملحوظاً في بناء جسور الحوار والتواصل بين مكونات المجتمع اللبناني، وكان أحد أعضاء لجنته التأسيسية المبعوث العربي الأخضر الابراهيمي هو واحد من ابرز العاملين لإخراج لبنان من محنته، كما كان المؤتمر في كل لقاءاته حريصاً على دعم مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل الوانها، من أجل تحرير الأرض اللبنانية المحتلة وتوحيد الشعب اللبناني حولها. وقد لعب المؤتمر بالتعاون مع شركائه في المؤتمرات العربية الثلاث (القومي- الإسلامي والأحزاب العربية)، دوراً مهماً في دعم المقاومة ، بل في انطلاقها في لبنان بعد عام 1982، عبر القوى والشخصيات التي ساهمت بعد ذلك في تأسيس المؤتمر، وبرز هذا الدور للمؤتمر بشكل خاص بعد عام 2005 حيث بدا واضحاً التركيز على حملات مناهضة المقاومة ونهجها في لبنان، فعقد في أعوام 2001 و 2003 و 2004 و 2005 مؤتمرات لدعم المقاومة كان لها دورها في بناء شبكة امان شعبية عربية حول المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وكل قطر عربي يتعرّض للعدوان، ومحاولات وصمها بالإرهاب من قبل جهات رسمية عربية، حين انعقد المؤتمر الشهير في 16/7/2016 في فندق “السفير” في بيروت بحضور المئات من أبرز شخصيات الامة تحت شعار “رفض وصم حزب الله والمقاومة بالإرهاب” وهو المؤتمر الذي قيل انه لعب دوراً مهماً في عدم ادراج بند اعتبار حزب الله منظمة إرهابية في جدول اعمال القمة العربية في نواكشوط عام 2016 خلافاً لما جرى في مؤتمرات وزراء الخارجية والداخلية العرب. ولقد تميّز موقف المؤتمر من التحركات الشعبية الكبرى التي شهدتها المنطقة عام 2011، ومنذ اللحظة الأولى بأمور ثلاثة أساسية: أولها تأييد المطالب المشروعة لهذه التحركات والتي تتلخص بالعدالة والديمقراطية والمشاركة الشعبية. ،ثانيها رفض الأجندات المشبوهة التي حاولت استغلال هذه المطالب المشروعة لتنفيذ مشاريع ومخططات تستهدف اشعال الحروب والفتن في أقطار الأمة على طريق فرض التقسيم عليها ودفعها لمزالق التطبيع مع العدو في اطار ” مشروع الشرق الأوسط الجديد” أولاً و “صفقة القرن” ثانياً. ثالثهاً السعي لإجراء حوارات داخل الأقطار المعنية بين الأطراف المتصارعة على قاعدة الحفاظ على وحدة هذه الأقطار وسلامة أراضيها وتنفيذ الإصلاحات الضرورية ومنع التدخلات الأجنبية فيها. وفي هذا الاطار بذلت الأمانة العامة للمؤتمر بالتعاون مع المؤتمرات الشقيقة جهوداً عدّة من اجل حوار وطني شامل لإخراج هذه الأقطار من الجحيم الذي كان مخططاً لها ان تدخله، كما كانت الأمانة العامة ، كما دورات المؤتمر السنوية تعلن تضامنها مع سورية في وجه الحرب الكونية عليها، ومع ليبيا في وجه حرب الناتو، ومع اليمن في مواجهة الحرب فيه وعليه، مع التأكيد دوماً على ضرورة الشروع بالإصلاحات الضرورية التي تضمن المشاركة الشعبية الواسعة في تقرير مصيرها. وبالإضافة الى المواقف المبدئية التي كان المؤتمر حريصاَ على إعلانها، والتي أدت الى احكام الحصار السياسي والإعلامي عليه، ومحاولات شيطنته وشيطنة رموزه. كانت دورات المؤتمر تشهد تقارير هامة حول المشهد السياسي العربي والإقليمي والدولي وحول حال الامة بالإضافة الى أوراق تتضمن قراءة للتطورات المتصلة بعناصر المشروع النهضوي العربي من الوحدة العربية الى الاستقلال الوطني والقومي الى الديمقراطية الى التنمية المستقلة، الى العدالة الاجتماعية الى التجدد الحضاري حيث يعدّها كل عام خبراء مختصون من أعضاء المؤتمر وكانت تنشر في كتاب صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية قبل دخول المؤتمر والمركز في أزمتهما المالية المعروفة. لا بل ان “نداء الوحدة” الذي اطلقه المؤتمر في الذكرى الثانية والخمسين لميلاد الجمهورية العربية المتحدة (22/2/2010) شمل برنامج عمل وحدوي يضيء درب كل الوحدويين العرب الجادين في التزامهم الوحدوي. في مسيرته الطويلة الممتدة من ثلت قرن، والتي تظهر بحد ذاتها قناعة أعضاء المؤتمر بضرورة وجوده كمؤسسة جامعة للنهضويين العرب ، حرص المؤتمر أيضاً على استقلاليته عن الواقع الرسمي العربي، مما عرّضه لضغوط واتهامات متعددة المصادر، وأحياناً متناقضة، تريد استخدام المؤتمر كمنصة دعائية لهذه الجهة او تلك او كمنصة عدائية لخصومها ومنافسيها، وهو أمر رفضه المؤتمر ، بشكل قاطع معتبراً ان ما يحدّد موقفه من مختلف القضايا ، وفي شتى العلاقات، هو المبادئ التي قام عليها وفي مقدمها وحدة الأمة واستقلالها وقيم العدالة والحرية واليات النمو والنهوض والتواصل مع التجدد الحضاري والروحي للأمة. وبهذا المعنى ، يكفينا ان نرى نجاح الدورة الحادية والثلاثين للمؤتمر التي ستنعقد في بيروت يومي 23 و24 حزيران/ يونيو 2022. يبقى المؤتمر القومي العربي الذي حرص منذ تأسيسه ان يبقى منفتحاً على كل نقد أو مراجعة او تطوير، واحة نهضوية عربية في صحراء التفتيت والتمزق والضياع والفساد والاستبداد والارتهان والتبعية سواء بحضوره او بالمشاركة في تطويره فكرياً أو سياسياً . في ظل خطاب سياسي حضاري بعيد عن الانفعال والارتجال ، خطاب يجمع ولا يفرق، يصون ولا يبدّد، يشدّ أزر كل مناضل يسعى الى وحدة الامة وتحررها ونهوضها، ويردّ كيد كل عدو للأمة من الخارج والداخل. 2022-06-18