رنا علوان
قبل البدء بالقراءة ، ارجوك ، إرسم على وجهك إبتسامة فقد يكون ما تقرأه طرافة أقرب الى الخيال منها الى الجنون
امتازت العصور الوسطى بلقب الكونت ، الذي كان يُطلق على النبلاء والاثرياء واصحاب المكانة المرموقة في المجتمعات الاوروبية ، ولكن الكونت فيكتور لوستج كان اشهر من حاز على اللقب دون ان يستحقه
في اوائل القرن العشرين ، بدأت رحلة المراهق فيكتور بعمليات احتيال صغيرة ومراهانات حتى اصبحت رويدا رويدا عمليات احتيال على مستوى عالمي من دون اي مُبالغة في الأمر ، فدهاء الكونت قَلَّ نظيره ، حيث تمكن من [ بيع برج ايفل ( للخردة )] مرات عدة ، وفي تفاصيل القصة ، ما إن وطأة قدمه ارض باريس ، حتى سمع بخبر اعادة ترميم للبرج ، الا ان هذا الخبر لم يكُ عادياً لفيكتور ، ما دفعه الى حجز غرفة فاخرة في اهم فنادق العاصمة ، من ثم مراسلة اهم تُجار الخردة الى الاجتماع به ، منتحلاً صفة مسؤول رفيع الشأن ، وما ان حضروا ، بدأ فيكتور حديثه بلهجة شديدة الجدّية ، واعتلى وجهه تعابير القلق قائلا ، بسبب ما يُعانيه برج ايفل من سوء اصبح هدمه امراً ضرورياً ، لذلك قبل تسريب الخبر الى الاعلام وإثارة البلبلة حوله ، من يدفع اكثر سوف يحصُل عليه ، وبالفعل وقع الجميع في شباك فيكتور وتمت الصفقة كما كان يرجو
لم يكتفِ فيكتور بالاموال الطائلة التي حصل عليها جراء اعماله الاحتيالية فقد عمد الى تزوير العملات وكاد ان يتسبب في زعزعة (الثقة بالدولار الاميركي عالمياً) ، لشدة ما اتقن تزويره وبكميات هائلة ، وهذا تحديداً ما دفعهم الى فعل المُستحيل كي يتم القاء القبض عليه
خدع فيكتور صندوق المال الروماني ، حيث كان يدّعي امام ضحاياه انه يستطيع نسخ المال من خلال استخدامه ( لإشعاعات الراديوم )
أما أكثر عمليات النصب التي قام بها نجاحاً كانت ماكينة نسخ العملة ، حيث أخذ يعرض على الناس صندوقاً ادَّعى أنه بإمكانه نسخ 100 دولار كل 6 ساعات ، فتهافت الطامعون على اقتناء هذا الصندوق بعد أن عاينوه و اقتنعوا به ، واستطاع لوستيج بيعه بأسعار كبيرة تصل إلى 30000 دولار !!
طبعاً الصندوق في البداية ينسخ فعلاً النقود و يستمر بفعل ذلك لمدة 12 ساعة ، و بعدها يبدأ بنسخ أوراقٍ بيضاء نتيجة نفاد مخزونه من العملة ، فيعلم المشترون أنهم وقعوا ضحية عملية نصبٍ من الدرجة الأولى لكن متى ؟؟ بعد فوات الأوان ، و تكون النتيجة أنهم حصلوا على 200 دولار فقط بينما خسروا آلاف الدولارات ثمناً لهذا الصندوق المزيف و بالطبع لا يمكنهم الإبلاغ عن الأمر ، فمن هذا الذي يعترف للشرطة أنه اشترى ماكينة لتزييف النقود
من الجدير بالذكر أيضاً ، أن جرأة هذا المحتال تخطت الحدود ، فقد طالت عمليات نصبه آل كابوني [ و هو أشهر زعماء المافيا في أمريكا ] و أقنعه باستثمار 50000 دولار في صفقة سندات ، أبقى أرباحها في حوزته لمدة شهرين لكنه بعد ذلك شعر بتهوُّره و خشي من بطش المافيا إن علموا بحقيقته ، لذلك أعاد إليه النقود مدَّعياً أن الصفقة قد خسرت
كبر المحتال في عين آل كابوني و أعجب بشهامته لذلك أعطاه مبلغ 5000 دولار مكافأةً له على أمانته ، و هكذا أمن انتقامه و خرج من عنده مرفوع الرأس و بحوزته المكافأة !!
[ولأن الاحتيال فن لا يتقنه الكثيرون وضع لوستيج وصايا للنجاح في هذا المجال عرفت بالوصايا العشر ، و هذه هي بنودها
1 – أثناء لقائك مع الغير ، كن مستمعاً جيداً و لا تتسرع بالكلام
2 – لا تجعل الملل يبدو عليك ظاهراً أثناء الحديث
3 – لا تبدِ أي رأي سياسي و انتظر من الآخر فعل ذلك ، ثم وافقه على ما يقول
4 – اترك المجال للطرف الآخر أن يكشف عن معتقداته الدينية و بعدها أظهر أن لديك نفس المعتقدات و الآراء
5 – لمِّح من خلال حديثك عن الجنس ، لكن لا تسترسل في هذا الموضوع إن لم تلقَ اهتماماً من الطرف الآخر
6 – لا تدخل في مناقشة عن الأمراض ما لم يظهر لك المتحدث قلقاً بهذا الشأن
7 – لا تتدخل في خصوصيات الأشخاص و لا تتعب نفسك في التنقيب عنها ، لأنهم سيبوحون بها في النهاية من تلقاء أنفسهم
8 – لا تتباهى و تتفاخر ، دع الغير يلاحظ أهميَّتك بكل هدوء
9 – اهتم بمظهرك و احرص على أن تكون مرتباً دائماً
10 – لا تجعل الغير يراك في حالة سكر ، و لا تشرب]
هل تذكرون شخصية المحتال العبقري التي لعبها ليوناردو ديكابريو في فيلم Catch Me if You Can ، إنها تشبه إلى حد بعيد شخصية فيكتور لوستج الذي استخدم خلال مهنته في الاحتيال والتزوير قرابة 47 اسماً مستعاراً وحمل عشرات من جوازات السفر المزيفة ، وكان يتحدث أكثر خمس لغات مختلفة بطلاقة
لم يكُن الكونت فيكتور لوستج البالغ من العمر 46 عاماً آنذاك سجيناً كغيره من سجناء جزيرة الكاتراز الواقعة في خليج سان فرانسيسكو ، فعندما ألقي القبض عليه أخيراً ، تم تحويله إلى سجن معزول في العام 1936 كان يعتبر أخطر رجل محتال في أمريكا
يقال ان اسمه فيكتور لوستيج ولد في بوهيميا أو ما يعرف حالياً بجمهورية التشيك في 4 يناير عام 1890 ، والده كان عمدة بلدة صغيرة تدعى هوستيني ، الا انه حاز على الكثير من الاسماء والالقاب واشهر لقب كان ( ذي الندبة ) لإمتلاكه ندبة واضحة تُزيّن خده الأيسر
لقد كان الكونت فيكتور موسوعة كاملة في الخداع والمكر ، ألقي القبض عليه في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 50 مرة ، ولكن تم إطلاق سراحه عدة مرات بسبب عدم وجود أي أدلة ضده ، من ثم بدأت محاكمته بجرائم كُبرى ، حتى توفي داخل السجن بإلتهاب رئوي حاد ، وحين ارادوا تدوين شهادة الوفاة بناءً على مُعطيات كان فيكتور قد صرّح عنها ، كمعلومات شخصية عنه ، تبين انها وهمية ، فهو لا ينتمِ الى البلد او العائلة التي ذكر نهائياً ، لذلك يُعتبر فيكتور اغرب شخص غامض على الاطلاق ، والى تاريخنا هذا
ختاماً ، فيكتور شخص اتقن المكر والخداع ونال جزاءه من العقاب ، الا ان هناك للاسف من سرقوا بلدان إئتمنوا عليها وسرقوا حياة جيل شاب وطموحاته ، وضحكات اطفال ومستقبلهم ، وتعب اباء وامهات في بلدان ، المسؤول فيها فوق القانون ، لا القانون فيها ، فوق الجميع .