الكفالة والتبني .. خداع أم مروءة؟
دالية الحديدي.
■ ■ ■
البواعث أخت المقاصد إلا أنهما غير أشقاء، كما يمكن وصفهما بوجهان لعملة من نفس فئة سلة العملات الفكرية. وهما متشابهان كتوأم ملتصق، لكن من أجل توضيح البيان وإزالة أي لبس في المعاني، يجب الفصل بينهما دون وأد.
المعضلة أننا طالما وقعنا في خطأ الخلط بينهما لفرط تشابههما، حتى أن البعض تعامل مع المقاصد والبواعث على أنهما كيان واحد له نفس المفهوم، أو كزوجين لا يجب إيقاع الطلاق بينهما.
ولا يحاول عوام البشر معرفة الفروقات بينهما، بل الأغلبية يرادفونهما، وقلّ من يخطر بذهنه أهمية البعد فاصلة عن ذاته للتقصي عن كنه بواعثه، كما نبتعد هنيهة عن المرآة لنستبصر أنفسنا بشكل أوضح.
■ ■ ■
المدهش أنه قد لا ننتبه لبواعثنا ولا نلتفت لمقاصدنا وربما عشنا دهراً بلا بواعث أو مقاصد
رُغم أن الأولى”البواعث” كنه القلوب تمامًا كما النواة كنه التمور.
والبواعث تسبق المقاصد بخطوة ذاتية داخل النفس، تماماً كأسبقية النظر للبصر،” فنَظَرَ، فبَصَرْ”، فباعث الشفاء يدفعك أولاً لقصد المشفى.
وعلى منوال العقاد الذي فرق بين السلوى والأمل، نفرق بين البواعث والمقاصد
فقد تُنسب المقاصد والبواعث لأب واحد هو الإرادة، أما أمهما فهي الوسيلة، أخذت البواعث من جينات أبيها، قوته وغموضه أكثر مما ورثت من وضوح أمها وقدرتها على التشكل والتلون.
بينما حظيت المقاصد من خصائص أمها الوسيلة في التنوع، ومن حنكتها في التخفي بأشكال مستترة، أكثر مما أخذت من أبيها المقصد، فرديته كما وضوحه.
فقد يصح تشبيه بواعثنا بالإستعارات المكنية، فيما تنهض مقاصدنا كتصريحية.
فالبواعث دوافع تحفيزية لنيل المقاصد، فهي النواة وهي البذور لا الثمار والبقل… البواعث معاني بينما المقاصد حروف، كلمات ولغة منطوقة و قد تتلاعب في الاعراب لتغيير المعنى و تدليس باعثك!
البواعث هي المحركات بينما المقاصد تعد وسائل، وإجمالاً تكون بواعثنا خفية، بينما مقاصدنا، فجلية.
■ ■ ■
فقد تقصد شابتين مجمع تجاري: الأولى باعثها التسوق، فيما الثانية باعثها التريض
والمرأتين قصدتا المجمع ذاته، الأولى، انتهازًا لفرصة العروض الترويجية، والأخرى للإفادة من رحابة المكان المكيف لتسهيل التريض.
إذن، فقد اختلفتا في البواعث رغم اتفاقهن في المقاصد.
■ ■ ■
وبالمثل، تلجأ زوجتين محرومتين من الإنجاب لكفالة أو تبني طفلاً، فتتكتم إحداهن على الصغير حقيقة كونها ليست أمه البيولوجية، فتجعله يعيش معها الكذبة كما تغرقه معها في الخديعة، وتمثل أمام الجميع أنها تلقمه ثديها للرضاعة أو توكل أختها أمر إرضاعه للتحايل لشرعنة الواقع. ولربما اشترته من والدته مقابل حرمانها منه. فقد قصدت بتبنيه إشباع حاجاتها هي فحسب بباعث أناني حرم الوليد من حقوقه في معرفة أصله، اقاربه وماضيه.
وبالمقابل، تقوم أخرى محرومة أيضاً من الإنجاب بمجرد كفالته –لا تبنيه- فترعاه وتسكب عليه من مشاعر الأمومة والحنو وتستمتع بتربيته، مع فارق جوهري هو حرصها على مصارحته بكونها ليست الأم الحقيقية. كذلك، تولي عناية بعدم تقويض علاقته بأهله، تماماً كما فعلت ” آسيا بنت مزاحم” مع موسى، فاستحقت لقب “سيدة نساء العالمين”، وحاذته في حضرة وجود أم لرسولين هي السيدة “يوكابد” أم هارون وموسى، وزوجة عمران حفيد لاوي بن يعقوب. وعلى صلاح “يوكابد” ، إلا أنها لم تنل اللقب في حضرة وجود إمرأة كآسيا.
فمن تكفل طفلاً تتفق في مقاصدها مع من تريد تبني رضيعًا .. لكنها تختلف معها في الباعث. حيث كانت الأنانية باعثًا للثانية بقصدت طريق الخديعة والتلاعب بالأنساب والمواريث، لتعوض نقصها حتى لو لم تعنيها الأمور المادية، فيما تقنع من تريد الكفالة بدور الأم الثانية كون باعثها الرحمة، ومن ثم، فلا تلجأ لمقاصد خفية لتخفي حقيقة أنها مجرد أم بديلة بالكفالة.
■ ■ ■
مثال أخر أدهشني حين طالعت يوماً فيديو سجلته فتاة متحررة أعلنت أنها تنكر الأديان، لكنها مع ذلك لا تقارع الخمر لأنها تؤمن أن الشخصية “المثيرة” لا بد ان تكون قادرة على التحكم في رغباتها أكثر من سواها من الشخصيات العادية.
ومن ثم، فباعثها كان أن تبدو “مثيرة ” وقصدت في ذلك وسيلة لفت النظر لملكتها في التحكم في رغباتها.
■ ■ ■
نادرًا ما نفرق بين بواعثنا ومقاصدنا، مع أن البواعث تقوم مقام “النية” من العبادة.
ومع أن النية ثلث الدين، إلا أن بواعثنا لا تشغل ثلث اهتمامتنا؟
فقد يستميت شابان في دراستهما، فتتحد المقاصد في مسعاهما للإلتحاق بجامعة من جامعات القمة، رُغم اختلاف بواعثهما، فأحدها باعثه الشغف بالبحث في المعارف والعلوم، فيما باعث زميله حيازة شهادة علمية ترونقه وتؤهله للقفز على السلم الإجتماعي ليشعر بأفضليته على محيطه. وقد تراود هذا الأخير أحلام يقظةً للنهارالذي سينزل فيه عميد الكلية لإستقباله بنفسه وسط تصفيق الجميع. وربما صمم سلفاً “بطاقات العمل” المكتوب عليها لقب “الأستاذ الدكتور عميد كلية”، لترونق رتبته العلمية.
■ ■ ■
وقد يداوم الزوج على الذهاب لمقر عمله لتوفير حياة آمنة لعائلته وبالمقابل، ترفض قرينته الوظيفة لتبقى بمنزلها من أجل تحقيق حياة أشد أمناً لعائلتها.
ومن هنا نتبين أن وحدة باعثهما تحققت رغم إختلاف مقاصدهما.
■ ■ ■
حتى الشعراء خلط البعض منهم بين بواعثه في الحب ومقاصده!
فرغم إسراف بعضهم في الإعراب عن هيامه بالمرأة، إلا أن هناك من اعترف أنه استخدم النساء كشواحن لتعبئة ملكاتهم الشعرية لاستقطار معاني العشق من شهد مناحل معاناتهم في الحب.
لقد هالني ما كتبه الدمشقي “نزار قباني”
“ولست أحبك كي تتكاثر ذرّيتي
ولكن أحبك كي تتكاثر ذّرية الكلمات”
ثم هذا أسطورة الشعر “محمود درويش” وقد سطر رائعته
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
فعدد أشياء تستحق أن نعيش من أجلها، منها: ” أول الحب” لا كله
فأكم من شعراء زرعوا حباً غلولاً، ليثمروا ويحصدوا شعراً “بالفايظ” أي بالفائدة كي يتوجهم ملوكاً للضاد، ولو على جثة امرأة مكلومة في قلبها.
لقد اغتنموا النساء كسبي الروم، لكن في مُخيلتهم ،لإشعال قرائحهم الشعرية بنظم أخلد القصائد مضافاً إليها متع غير مكلفة!
لم يكن باعثهم حباً خالداً، لكن كان الباعث قصائد خالدة تحقق مجدهم، فقصدوا درب الحب.
لذا اعترف درويش أنه انتخب من الحب أوله اللذيذ، الشهي بقشوره البراقة، فيما هجر لبه، مسئولياته وتبعاته فلم يقصد طريق الزواج .. لرفضه تحمل مشقة رعاية أسرة وأطفال.
بإختصار، قصد بعض الشعراء إقامة علاقات مع النساء وكان باعثهم إثراء وإزكاء وتتويج ملكاتهم الشعرية فحسب، فتمسكوا تمسكاً واعياً بمرحلة الشغف أو أول الحب، تماماً كما يفضل صغارنا ما يعرف ب ال
Toppping or Icing
أي القشطة التي نزين بها أعلى الكعكة، فيلتهمها الصغار كون طعم “الأيسينج” محض سكاكر لذيذة، و إن كانت دون فائدة غذائية، على أنهم يتركون لب الكعكة الذي يحوي القمح والبيض والحليب المفيد.
كذا يقصد بعض الشعراء أول الحب لأنه عصارة الشهوة، وخلاصة مسك المتع، لذا، يهربون وينأون عن الإستمرار في علاقة زوجية لها تبعات اجتماعية ومادية مرهقة، وإن كانت مفيدة لصلاحهم كأفراد وللمجتمع ككل، لكنها مقيدة لانطلاقهم كلشعراء.
■ ■ ■
ولو فهمت المرأة الفرق بين البواعث والمقاصد لما عيرت شريكها بعجزه عن الإطراء ولما تحسرت لأن القدر حرمها من زوج رومانسي كمحمود درويش، فالأخير كان يحب “أول الحب” أي قشطة التحلية، “الأيسينج” أو المرحلة الخالية من المسؤليات والإنفاق والبذل، فيما زوجها قد يكون مرهقاً بشراء الطحين، الحليب والبيض لإطعام أهله بوجبة مفيدة، ولكنه لكثرة أعبائه، قد ينسى تزيين الكعكة بالقشطة!
■ ■ ■
وإن نتوقع أن يتبلبل البسطاء في الخلط بين مقصد وباعث، لكن المدهش هو تفشي تلكم البلبلة بين أوساط المتعلمين وإن كانوا أطباء.
فعلى سبيل المثال هناك من يعالج مرضى “الشره” على أنهم مرضى سمنة، فيداوي لمريضهالعرض بإجراء جراحة طبية، فيما يستبقي على المرض الكامن وهو “الشره” لينمو في كيانالمريض؛ بل يصل الأمر ببعض خبراء التغذية بالتباهي بأنظمة غذائية تتيح للمريض التهام وجبات تحتوي على سعرات ضخمة، ضمن نظم كيميائية ضارة لكن تخفض الوزن، ما يشي بأن الطبيب يغذي فيروس الشره لمريضه بالقضاء على عرض السمنة مع استبقاء غول الشره.
بقولٍ أخر، بعض خبراء التغذية يدعمون شره المريض ولا يلفتونه لضرورة علاج الشره لوجود خلل في بواعثهم الساعية لتحقيق شهرة من خلال خفض وزن سريع.
فالطبيب النصف متعلم اصطلح مع المريض نصف الجاهل على إزالة عرض السمنة عوضاً عن علاج داء الشره.
■ ■ ■
مثال أخر لإنسان يعود صديقه المريض ويكون باعثه ارضاء الله، فيقصد زيارة المريض بالمستشفى، فيما يذهب إنسان آخر لذات المقصد أو المستشفى مصطحباً زوجته لعيادة قرينة زميله، إلا أن باعثه لا يعدو أن يكون تحميل (جميل) وتقديم سبتًا إنتظارً لأحآد.
■ ■ ■
كذلك قد يزور أحدهم زميله بدعوى إهدائه من ذبيحته؛ فيقصد داره معلنًأ نيته الخيرية في مشاركته فضل الضحية، بينما يكون الباعث الحقيقي هو معاينة بيت زميله الجديد لمقارنة ما قدمته الوظيفة لكليهما من سكن. وشتان بين الباعثين على وحدة المقصد!
■ ■ ■
ومن يخلط بين مقاصده ببواعثه كمن أدى صلاته، ناسيًا أعصر هي، ظهر، أم عشاء!
الأمر يتعلق بجديتنا وصدقنا مع خالقنا ومع أنفنسا لتحديد مشروعية بواعثنا وكنه مقاصدنا في دنيانا. فلا غرب أن أول من تُسَعر بهم جهنم يوم القيامة هم :” شهيد، قارئ قرآن ومتصدق”، جَمَعَهُمْ مقصد الرياء وحب السمعة بين الخلق، لا باعث إرضاء الله.
إن تحديد بواعثنا أمر ليس هينًا لكن الأصعب هو اعترافنا بها، وإن لم نفعل، فسنكون كمن حبب إليه النفاق، فتربع بنفسه على باكورة من خدعهم!
■ ■ ■
شكرا للأستاد خالد ناجح رئيس تحرير مجلة الهلال و الهلال اليوم
2020-12-22