الفساد في العراق..!
العامل الخارجي.
ابو زيزوم .
عندما احتلت بريطانيا العراق خلال الحرب العالمية الاولى وبدأت بتشكيل الإدارات فيه أوكلت المهمة الى شخصيات من أكفأ كوادرها ، وبنيّة البناء الصحيح لتتمكن من البقاء اطول مدة ممكنة فيه ولتقلل نفقاتها عليه . فللبريطانيين الذين كانوا يستعمرون معظم الارض خبرة واسعة في التعامل مع الشعوب الواقعة تحت سيطرتهم . غير ان الامريكان حالة مختلفة ، فأمريكا ليست دولة استعمارية بالمفهوم التقليدي للاستعمار وليس لديها خطط او نوايا للبقاء طويلاً في الدول التي تحتلها . وما ان دخلت العراق عسكرياً حتى دخلت ايران بسرعة البرق وبأشكال عديدة .
امريكا وإيران عدوان لدودان تعايشا في العراق بطريقة معقدة تمثل إقراراً من كليهما بعدم القدرة على ازاحة الاخر . والحقيقة ان النفوذ الإيراني اثبت انه الأقدر لأسباب عديدة أهمها ان الإيرانيين خططوا لإستراتيجية طويلة الأمد في العراق بينما جاء الامريكان بدون استراتيجية وانما لأهداف غير متجانسة بعضها ظرفي .
النقطة الرئيسية التي إلتقى عندها الطرفان هي ان لا يكون العراق دولة بالمعنى الحقيقي للدولة . فقيام الدولة الصحيحة يلغي النفوذين معاً . وتحت هذا المبدأ عمل كل منهما ما يستطيع . الهدف الامريكي المعروف في العراق هو التقسيم وإقامة الدولة الكردية . وانت حين تقرأ الدستور الذي كُتب في عهد الاحتلال وبمشيئته ترى بوضوح انه مشروع تقسيم . فيما عدا ذلك لم يكن الامريكان معنيين كثيراً بالصورة المستقبلية لطريقة إدارة البلد وتشكيل مؤسساته. كانوا يعالجون فقط الحالات الوقتية لتمشية الأمور وليستلمها بعد ذلك من يستلمها من العراقيين كفوءاً او فاسداً او متحزباً او عميلاً لطرف ثالث تلك امور لا تعني الامريكان كثيراً . كان الجيش الامريكي ينتدب عناصر منه للتعامل مع الدوائر العراقية الى مستوى الأقضية والنواحي . يترددون عليها بانتظام ويقومون بأعمال وقتية لا يتعدى مفعولها الأيام القليلة القادمة .
ايران دخلت العراق بخطة متكاملة ومدروسة وطويلة الأمد . فالعراق بالنسبة لها ليس مستعمرة وراء البحار وانما بلد مجاور وغني ولها معه حرب ضروس لم تجف دماؤها بعد . ثم انه بلد ذو أغلبية شيعية جرى العمل عليها إعلاميا وسياسياً طوال ثلاثة عشر عاماً منذ غزو الكويت . لم تكن ايران وحدها التي عزفت على الوتر الطائفي في تلك الحقبة وانما الجميع وفي مقدمتهم الغرب . فحين تمر بإذاعة من إذاعات المعارضة التي تكاثرت في التسعينيات تحتاج التوقف عندها دقائق او اكثر لتميّز هل هي إيرانية ام أمريكية ، فالخطاب متقارب بشكل كبير . والنتيجة من كل ذلك ان المعارضة الشيعية (الاسلامية) باتت القوة الرئيسية المعتمدة عند الغرب كما هي عند ايران . وطبيعي ان تهيمن على الوضع بعد الاحتلال رغم كل محاولات الامريكان اللاحقة لمنعها من الانفراد بالمسرح . فلما انسحب الامريكان اصبحت هذه الأحزاب ومن ورائها ايران الحاكم الفعلي للعراق .
ولأن موضوعنا هو الفساد لابد قبل ان نشرح الدور الإيراني فيه لابد من توضيح للمخطط الإيراني في التعامل مع العراق بعد الاحتلال وكيف تطور هذا المخطط بالاستفادة من المستجدات على الساحة . وهو موضوع يتطلب منشوراً منفصلاً او اكثر .
( ابو زيزوم _ 977 )
2021-01-20