عذرا، العراق ليست صدام حسين و العراق ليس حزب البعث ، العراق حضارة متقدمة في الأرض و في الزمن ، هناك دول خليجية إن لم نقل كلها لا تمتلك 1 في المائة من تاريخ الحضارة العراقية في كل المجالات و مع ذلك فهي تحتفل “بتاريخها” و تقيم الأفراح و الليالي الملاح ، و مع ذلك فالغرب الماكر لا يتحدث عن الحضارة العراقية عندما يتحدث عن العراق بل يقتصر كلامه و همسه و لمزه حول فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين ، و حتى و هم يختصرون العراق في هذه الفترة فهم لا يتحدثون عن كل ما تحقق من انجازات بل يوهمون الرأي العام بأن كل ما حصل في تلك المساحة الزمنية من عمر و تاريخ العراق هو الاستبداد و النزعة التوسعية ، و مع أن الحقيقة عارية تنطق بغير ذلك فهم يصرون من باب استغفال المتابع و فرض إرادتهم الفكرية التضليلية على الذهاب في هذا الطريق. من التضليل و المبالغة و النفاق أن نقصر في إعطاء قيصر ما لقيصر ، و العراق في عهد الرئيس صدام حسين تم فيها الكثير في كل المجالات و كانت مزارا منيرا و مشعا لكل الشعوب العربية ، و العراق تخرجت منه عديد الكوادر المهمة في كل المجالات تحتل اليوم أول الصفوف في الحكومات العربية ، و للعراق كلمة مسموعة في الجامعة العربية و في كل المحافل الدولية ، و الشعب العراقي في غالبيته العظمى كان من أول الشعوب العربية في ميدان التعليم و الرقى العلمي و البحوث العلمية العراقية في كل المجالات كانت معلومة للعالم و العراق يحتكر المرتبة الأولى في مجموع القدرات العلمية المتفوقة في كل المجالات ، و العراق كان إلى جانب فلسطين و تحمل شعبه الكثير في هذا الغرض و العراق كانت حدوده و مياهه الإقليمية مصانة و الدبلوماسية العراقية كانت كلمتها مسموعة في كل المنتديات العالمية ، هذا في المجمل لكن بالطبع كانت هناك مساحات كبيرة للقمع و الاستبداد و سوء التصرف و الميل للحكم بالقبضة الحديدية ، و حزب البعث تحول في كثير من الأحيان إلى شاهد زور و لم يقم بأي دور لفرملة هذا الاندفاع الاستبدادي عدا بعض الاستثناءات القليلة جدا . حين جاءت القوات الأمريكية الصهيونية إلى بغداد لإتمام ” المهمة” المعلنة بإسقاط نظام الرئيس صدام حسين و القضاء على أكبر جيش عربي في المنطقة بشر الرئيس بوش الابن العالم بأن عهد الديمقراطية في العراق قد جاء على ظهر الدبابات الأمريكية و جناح الراية الأمريكية التي غطت وجه تمثال الرئيس صدام في ساحة الفردوس ، الذين يعرفون عائلة بوش و علاقتها بالصهيونية العالمية و بكبار الأمراء في السعودية كانوا يعلمون و يهمسون في خلواتهم السياسية بأنه مجرد واعد كاذب و بأن أمريكا بعد أن ” اغتصبت ” العراق بالقوة ليس في واردها الاهتمام بمعالجة الجروح العراقية أو البحث عن ترميم ما دمر و هذا ما جاء على لسان بول بريمر الحاكم العسكري للعراق في تلك الفترة ، و لان أعداء العراق لم يكن همهم الوحيد القضاء على الرئيس صدام حسين و حزب و جيش البعث فقد جاءت الشواهد تباعا على اغتيال و تهريب العلماء العراقيين و نهب التاريخ العراقي في كل عناوينه حتى يصبح العراق بلا هوية و بلا تاريخ و يحتاج للدول الخليجية للقيام بالتعريف به بين الدول ، أيضا ظهر من يطالب بالاستقلال و باقتسام الثروات و بتغيير الراية و النشيد . لم يعد العراق بلد الثلاثين مليون نخلة بل بلد الثلاثين مليون حزب ، و لم يعد العراق بلد الآلاف العلماء بل بلد الآلاف من السياسيين و لم يعد العراق بلد أرصفة بيع الكتب الثمينة و المخطوطات النادرة بل بلد بيع الأوهام و التكفير و الجاهلية السياسية الحمقاء ، لم يعد الحكم في العراق بل صار الحكام يأتون إلى العراق ، و لم يعد للعراق سياسة خارجية بل صار الخارج هو من يسطر سياسة الداخل ، فالذين أوهموا الشعب بان الماضي هو المشكلة فالماضي قد ذهب بسلبياته و ايجابياته فلماذا لم يتعافى العراق من الأزمات المتتالية و من التفجيرات و من السقوط الاقتصادي ؟ … المشكلة اليوم أن هناك من يتلذذ برمي الكرة في ملعب صدام حسين و هناك من يرمى الكرة في ملعب إيران و في ملعب السعودية و في ملعب سوريا و ما تعيشه سوريا من مخاض عسير لكن لا أحد من هؤلاء المسئولين يعترف بفشل الرؤية و بفشل الإستراتيجية وبفشل الكذبة الكبرى . لقد تم احتلال العراق باسم كذبة كولن باول الكبرى حول وجود أسلحة الدمار الشامل العراقية ، و قيل الكثير حول هذه ” الكذبة” الكبرى و اعتذر تونى بلير رئيس الحكومة البريطانية عن هذه الكذبة التي دمرت العراق في آخر “اعترافاته” منذ أسابيع و اليوم يتم ” احتلال” العراق و العبث بتاريخه و مستقبله من طرف فئة قيادية تتذرع بكذبة الإرث السابق و بالفلول و الأزلام و بقية ” التراث” الرديء المستعمل من كل الذين ينتصبون للحكم على الماضي برؤية الإدارة الأمريكية و بخفايا لعبة الأمم الدولية ، إلى هؤلاء نقول أن الشعب الألماني لم يبق حبيس جرائم أدولف هتلر و تحول اليوم إلى أكبر قوة في العالم و أن شعب جنوب أفريقا لم يبق حبيس تسلط زعماء الميز العنصري البيض و تحول إلى شعب يشار إليه بأصبع التاريخ ، فالعبرة ليست بالبكاء على الأطلال و إطلاق التهم جزافا و الإصرار على التحالف مع الشياطين بل العبرة بالأخذ بيد العراق لينهض من جديد و لنترك التاريخ للتاريخ ، أن الرجوع إلى هوية الوطن بدل هوية الأقليات كفيلة برأب الصدع و نقل العراق من حالة الوهن إلى حالة الشفاء المنتظر ، فأين رجال العراق و ماجداتها …أين ؟