العدو يُهدد بضرب مطار لبنان ، والبروباغندا تعمل على تهويل هذا التهديد!
رنا علوان
شاركت غالبيّة الإعلام اللبناني في تبرير قصف العدوّ لمطار بيروت الدولي بعد تهديده بذلك ، وقد ورد الخبر في مقال لصحيفة «التلغراف» البريطانية المتصهينة ، حيث نقلت فيه عن قوات الاحتلال ما يختصر هدفها من المقال: «إذا قام «حزب الله» بإستهداف المدنيّين الإسرائيليّين من هذه المواقع ، فلن يكون أمام جيش العدو الإسرائيلي أيّ خيار سوى الردّ ، ما قد يعرّض المدنيّين اللبنانيّين للخطر» ، من ثم سارعت اغلبية القنوات اللبنانية لمساعدة التلغراف المتصهينة في مُبتغاها ، وهذه الجملة ليست اتّهامًا عشوائيًّا أو تعسّفيًّا ، بل هي حقيقة لمسها اللبنانيّون جميعًا
هذا الإعلام الرخيص الذي بات يُقدم شاشاته ومنصاته الالكترونية واقلامه لخدمة العدو بشكل مقزز ، بهدف زرع البلبلة وسط الجمهور ، منها لتقديم تبرير مُسبق لضربة العدو “هذا ان تجرأ” ، ومنها بهدف توجيه مُحكم لرمي الاتهامات على المقاومة اللبنانية الشريفة علهم ينجحون في ثنيها عن مساعدة الشعب الفلسطيني الذي يباد امام مرآى العالم اجمع وبدم بارد بل مُثلج ، وتحميله وزر تدهور الامور في لبنان ، كما فعلوا جُزافًا في قضية المرفأ
لكن الحقيقة قد تكون لا تمت الى هذا الافلاس بصلة بل هي تكملة لسمفونية التقسيم التي يتم العزف عليها مؤخرًا
إن الحديث عن نظام سياسي فيدرالي في لبنان ليس وليد الأزمات الحالية ، انما هو كلام مطروح طيلة الفترة المئوية الماضية ، وفي كل مرة يتجدد الحديث عنه ، يكون الحديث فضفاضًا بحكم امور متعددة ، ولعل اهمها التوزيع الديموغرافي ناهيك عن عدم المقدرة على الإكتفاء الذاتي ضمن كل منطقة ولو اجتهدوا ( مشروع كانتونات ضمن الدولة الفيدرالية ) او الذهاب الى تطبيق الفيدرالية السويسرية ، ووصولاً الى التوّغل في اجتهادهم الى تطبيق ” فيدرالية الولايات المتحدة الاميركية “
فلبنان اصعب من يُقسّم ، والحديث عن هذا المشروع يعني تمزيق للوطن ، ولو أنّا أخذنا المشروع على محمل حُسن النوايا ، سنبدأ بأسئلة تفرض نفسها ، على اي ركيزة جيو-سياسية اعتمد الطارحون ؟!؟
وما هي الأسس التي سيُبنى عليها فديراليه هزيلة يصعُب معها وضع خارطة طريق ، كما تشريح المقومات الجغرافيا والموارد الطبيعية وتأمين السيادة فيها ؟!؟
من منطلق هذا السياق ، سنذهب الى ما تم تسميته فدرلة المطارات ، ولنعد ادراجنا الى عشر سنين خلت حين طالب النائب محمد قباني اثر اجتماع عُقد على خلفية اشكال ما حصل ، «نريد مطاراً ثانياً أو ثالثاً، ليس فقط للأسباب الأمنية، فعندما نتحدث عن مطار القليعات فإن هذا ليس مرتبطاً بوجود مطار له هوية معينة ، لبنان بحاجة إلى عدة مطارات متكاملة ، لانه سيحتاج إليها مستقبلاً !!! لذا عندما نتحدث عن مطار القليعات فلا يجوز لأحد أن يفسر ذلك بأنه كلام فئوي على الاطلاق»
هل النائب قباني حينها كان يُمثّل تيارًا فئويًا ، بالطبع لا ، فهو يتحدث عن حاجة الى عدة مطارات !!! فما هو المُبرر البريء والواقعي لهذا المطلب ؟!؟ ولماذا عندما قرر الرئيس رفيق الحريري توسعة المطار ، تعرض لإنتقادات كثيرة بغض النظر عن تكلفة المشروع الباهظة ، وعن الجدوى من ذلك ؟!؟
ولماذا كان يحتاج قباني وفريقه إلى مطارات كثيرة؟!؟ ولأي غاية في نفس يعقوب اتى على المُطالبِة به ؟!؟
ان هذا المطلب من اعادة تأهيل مطار القليعات العسكري ليصبح مدنيًا ، فسره العديد على انه يصب في إطار طائفي بحت ، بعيدًا عن «هيمنة حزب الله» ، وبالتالي الفريق الشيعي !!! وثمّة من يتحدّث عن الأمر بهذه الصراحة لغاية اليوم
إذاً ، كانت الغاية افتتاح مطار القليعات «السني» في مقابل مطار بيروت «الشيعي» ، ولكن ماذا عن باقي الطوائف؟!؟ ألا تريد الفئات الأخرى مطارًا للمسيحيين «حتمًا»؟!؟
نعم حتمًا تريد ، ومن هذا المنطلق تم انشاء حملة ممنهجة على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الغاية ، فمن صفحة على موقع «فايس بوك» نقرأ الكلمات التالية ، والصفحة مخصصة لهذا المطار المُرتجى : «كلنا لمطار الرئيس بشير الجميل في حالات … نريد مطارًا آمنًا بعيدًا عن هيمنة سلاح الحزب وتابعًا فقط للدولة اللبنانية !!! لا نريد أن نصبح رهائن لهم»
الامر نفسه تكرر بروغانديًا بشأن مطار القليعات ، الذي يطلق عليه اسم «الرئيس رينيه معوض» ، فقد ذكرت صحيفة المستقبل تحت عنوان «أمّنوا مطار بيروت.. أهّلوا مطار القليعات »
وتضيف الصحيفة، نقلاً عن هؤلاء «الناشطين» انهم «يسعون إلى تسيير رحلة طيران مدني إلى مطار القليعات ، للرد بطريقة غير مباشرة على حال التسيّب القائمة على طريق المطار في بيروت ، الخاضعة لسطوة حزب السلاح ولمزاجية عشائره وبيئته الحاضنة»
السؤال الذي يطرح نفسه امام هذا الإفتراء ، هو لو ان هذه الذرائع والإتهامات حقيقية ، لكنا شاهدنا عشرات التجاوزات ؟!؟
ألم يَعبُره اسماء لامعة من العملاء ، الذين فروا من لبنان بعد التحرير بدل ان يتم اعدامهم ؟!؟
ألم تدخل كواتم الصوت التي استوردتها سفارة الشيطان الأكبر عبره ؟!؟
هذا السؤال جوابه يسكن في مضمونه ، ليؤكد للجميع أن ليس لحزب الله في المطار إلا بمقدار ما لغيره ، وإلا لما حصلت مثل هذه التجاوزات التي تضرّ به ، كما ان طرح مشروع الفيدرالية كما هو وارد في أذهان بعض الزعامات التي تسكن في عقولها المُتحجرة مقولة «الكيانات الإفتراضية»وان الحديث عن «فدرالية المطارات »كون الدويلات لا تقوم الا بمطار ومرفأ بحري وكشرط اساسي بإعتڨادهم او ضمن حساب خططهم
وبما ان الشيء بالشيء يُذكر سوف نذكر مطار حامات ، (فلطالما سعى المسؤولون الأمريكيون ، خاصة بعد العام 2005 ، الى فتح قضية هذا المطار وإعادة تأهيله ، أمام زائريهم اللبنانيين سياسيين كانوا أم عسكريين ، لكي يكون بديلاً أكثر “أمانًا” لهم من مطار بيروت الدولي ، أي بعيدًا عن أعين ، أي جهة معادية للأمريكيين في لبنان ، وعلى رأسهم حزب الله)
[أما لماذا هذا المطار ، لأنه لا يمكن استخدام باقي المطارات في جميع الأوقات والظروف ، فقاعدة رياق الجوية العسكرية ، تقع بالقرب من مناطق “نفوذ حزب الله”، أما مطار القليعات فيبعد حوالي 6 كم فقط من سوريا ، وبالتالي ستكون حركة اقلاع وهبوط الطائرات الامريكية من هذين المطارين ، تحت خطر الاستهداف من أي سلاح ناري قصير المدى ، ولا يتطلب ذلك منظومات دفاع جوي متطورة]
أما أبرز المعلومات حول هذه القاعدة ، وكيف يستفيد الأمريكيون منها في تنفيذ مهامهم؟
_ يمتلك هذا المطار موقعاً جغرافياً مهماً، فهو يقع في المنطقة الشمالية للبنان ، فوق “رأس الشقعة” على حدود بلدة وجه الحجر ، وعلى ارتفاع 300 متر عن سطح البحر
أما محيط القاعدة الجغرافي ، فهي من البيئة السكانية غير الموالية لحزب الله، وهذا ما يهتم الأمريكيون له بالدرجة الأولى
كما تحولت المنطقة المحيطة به الى مربع أمني عسكري بامتياز ، حيث ينتشر فيها نقاط تفتيش ودوريات ، تابعة لمديرية المخابرات وشعبة المعلومات
كما ان هذه المنطقة تتمتع بميزة مهمة جداً ، بأنها طبيعياً (رأس الشقعة) تقطع إشارات التواصل اللاسلكي بين الشمال وبيروت ، وهذا ما عانت منه المحطات التلفزيونية، ودفعها لإقامة أعمدة إرسال خاص بها في تلك المنطقة
_ بدأ العمل لتجهيز وتأهيل المدرج في هذا المطار ، منذ تموز العام 1976 ، حينما قرر قائد القوات اللبنانية حينذاك بشير جميل ، بإنشاء مطار لما كان يسمى حينها بالمنطقة الشرقية، وكان من المفترض تسميته “مطار بيار الجميل الدولي”
_ تم افتتاح هذه القاعدة التابعة للجيش اللبناني فعليًا ، في الـ 24 من أيار العام 2011 ، بعد هبوط أول طائرة فيه من نوع “سي 130” أميركية
وقد جرى لها استقبال رسمي شاركت فيه السفيرة الأميركية وقتئذٍ “مورا كونيللي” وممثلون عن قيادة الجيش
_ قبل إعادة تأهيلها بسنوات ، زار المنطقة عدة وفود عسكرية أجنبية ، يرافقهم مهندسون مزودون بخرائط ومعدات مسح متطورة ، وقاموا بمسح المنطقة طبوغرافيًا
ووفقًا لتقارير خبراء أمريكيين ، فإن مرافئ “سلعاتا” و”شكا” المجاورين للمطار ، يتمتعان بمواصفات عالمية ، ويمكنهما استقبال أكبر السفن
شارك الامريكيون ماديًا عبر المساهمات المالية والتجهيزية في تأهيلها، حتى أنهم في العام 2021 حضرت سفيرتهم “دوروثي شيا” خلال افتتاح أربع منشآت كبيرة لتخزين الذخائر فيها
_ تمّ تجهيزه وتطويره وفق أهم المعايير ، حيث يضم مركز مراقبة جوية ، هنغارات كبيرة لاستيعاب الطائرات ، محطة وقود ، محطة إطفاء ، ومخازن للذخيرة
كما جرى تأهيل المدرج وإنارته، وإنشاء سور لعزل القاعدة عن محيطها بهدف تأمين حمايتها، وشق طريق يصل حامات ببلدة “وجه الحجر” لا يمر بالقرب من المدرج
_ يزورها بشكل دوري وفود رسمية أمريكية ، مدنية وعسكرية ، مثل وفود الكونغرس، وقادة في المنطقة الوسطى الامريكية، حتى أن السفيرة ” شيا” قد زارتها في شهر واحد فقط 3 مرات خلال العام الماضي
_ في العام 2019 ، تحدثت بعض الأوساط الإعلامية عن نية أمريكية بتوسيع هذا المطار، ليتمكن من استقبال طائرات نفاثة أمريكية ، خاصةً إذا ما تم الانسحاب من سوريا ، الذي قرره الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب
_ عند حصول أي حدث أمني أو عسكري في لبنان ، ترصد حركة جوية أمريكية مريبة انطلاقًا من هذه القاعدة باتجاه قبرص ، وكيان الاحتلال الإسرائيلي
كما رصدت الكثير من رحلات طائرات الشحن C-130 التي تصل اليها انطلاقًا من تل ابيب مرورًا بالعاصمة القبرصية لارنكا
بالإضافة لمشاركة طائرات أمريكية متواجدة في هذه القاعدة ، في عمليات استطلاعية مشتركة مع طائرات جيش الاحتلال الإسرائيلي للتجسس الالكتروني من نوع “نحشون شافيت”
وفي إحدى المرات ، تم رصد عمليات هبوط لطائرات الشحن C-130 التي كانت محملة بصناديق سوداء كبيرة الحجم ، جرى نقلها الى مناطق لبنانية عديدة
تستخدم قاعدة حامات العسكرية دائماً في استقبال تعزيزات الجنود الأمريكيين ، عند حصول توترات وأحداث امنية في لبنان أو المنطقة (مثلما حصل بعد عملية اغتيال الشهداء القادة اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما)
_ يوجد في القاعدة جناح (عنبر) منفصل مخصص للجنود والضباط الأمريكيين ، الذين قد يعملون بصفة مستشارين أو فنيين، ولا يمكن لأي أي أحد الاقتراب والتعامل معهم ، سوى من الدائرة المقربة جدًا من قائد الجيش اللبناني “جوزيف عون”
_ كما لا يقتصر الوجود الأجنبي فيها على الأمريكي ، بحيث يزوروها في العديد من المناسبات قوات بريطانية ، تشارك في التدريبات وحتى في بعض المهمات
_ حامات بالأرقام:
1) مدرج المطار حوالي 2 كم يمكن زيادته حتى 4 كم متر، بعرض 100م تقريباً، ما يعني إمكانية استقباله لطائرات الشحن الكبيرة وحتى للطائرات النفاثة بعد إجراء تعديلات إضافية عليه. وذلك بسبب مدرجه الصخري وموقعه القريب من البحر، بحيث تنطلق الطائرات منه لتصبح فوق البحر مباشرة وعلى علو شاهق، وهذا ما أعطاه مميزات تعتبر نادرة عالمياً.
2) يبعد عن:
أقرب نقطة للشاطئ في المنطقة القريبة من القاعدة، والتي تجرى فيها العديد من المناورات:
800 متر تقريبًا
خليج طبرجا وجونية: حوالي 27 كم (حيث كشفت بعض الأوساط الإعلامية عن تواجد مراكز عسكرية مشرفة على البحر لعناصر أمريكيين)
موقع السفارة الجديد: 39 كم
فلسطين المحتلة: 143 كم
قبرص: 165 كم
مطار القليعات: 44 كم
مطار رياق: 55 كم
الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا: ما بين 48 و80 كم، ما يسمح بتنفيذ جولات استطلاعية بالطائرات المسيّرة (من نوع سكان إيغل أمريكية الصنع) انطلاقاً من هذه القاعدة.
كل هذه المعطيات وأكثر منها مِمَ لا يتم كشفه ، يظهر بأن الأمريكيين قد يستغلون برامج المساعدات التي يقدموها للجيش ، في سبيل انتهاك السيادة اللبنانية أولاً، عبر إدخال الطائرات والذخائر والأسلحة من دون حسيب أو رقيب (لا سيما ان المساعدات العسكرية الأميركية الرسمية المعلنة تدخل من خلال مطار بيروت الدولي فيما تستخدم قاعدة حامات لإدخال معدات وربما أسلحة نوعية بطرق غير قانونية وغير رسمية ، “بعيدًا” عن الاعلام والرأي العام اللبناني) وفي ذلك تنفيذ لمخططات لا تحقق سوى مصالحهم أو مصالح الإسرائيلي وحلفائهما
وبالتالي فإن من حق اللبنانيين ، سؤال قيادة مؤسسة الجيش ، التي يعتبرونها الدرع الأول والأخير عن وطنهم ، عن ماهية الاتفاقات مع الإدارة الامريكية حول هذه القاعدة وغيرها ، والتي قد تستخدم في يوم من الأيام ضد الشعب اللبناني
ولو اننا اخذنا من منطلق هذا السؤال سؤالًا مماثلاً له ، لو ان المطارات المُطالب بها سلكت نفس مسلك هذا المطار ، واخذت السعودية تسرح وتمرح في مطار القليعات “السُني” كما تبتغيه هذه الفدرالية ، وليس منا من لم يعرف دور السعودية في حرب تموز 2006 ، وكيف انها كانت الممول لها
وهذا ايضًا ما سيحدث في مطار “حالات حتمًا” التي تُطالب به الفئة المسيحية
ختامًا ، ان المُطالبة بتطبيق مشروع الدويلات او الفدرلة ، لهو اشد لعنة من الحرب الأهلية وما نتج عنها ، او اجتياح العدو الإسرائيلي له ، ذلك لأن الأخير النجس سوف ينال مُبتغاه على طبق من فضة ، وسوف يحصل على اتفاق “السلام”(وانا افضل تسميته استسلام) من الدويلات التي لم تراه يومًا عدوًا للبنان وبكل رحابة صدر ، وكما تمليه عليهم التبعية
فهل لبنان يحتمل هذا التمزيق ؟!؟
2024-06-27
