العثمانيون الجدد.. بين الإرث التاريخي والسياسات الحديثة!
محمد الحسن
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، صرّح أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية التركي الأسبق، قائلاً: “نحن أصحاب إرث باقٍ من العثمانيين… نعم، نحن العثمانيون الجدد”. هذه الإشارة إلى استمرارية الإرث العثماني لم تبقَ مجرد نظرية، بل تجلّت في ممارسات وسياسات على أرض الواقع.
لقد انتهت الدولة العثمانية كإمبراطورية مهزومة بعد الحرب العالمية الأولى، حيث كسر الحلفاء سيطرتها على شعوب المنطقة، لكن النسخة الحديثة التي يروج لها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تواجه رفضًا أوروبيًا واضحًا، لعدة أسباب، أبرزها مطالبة ألمانيا لتركيا بالاعتراف بالمجازر التي تعرّض لها الأرمن كشرط أساسي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
يمثل هذا الاعتراف خطوة نحو التحرر من الإرث العثماني الثقيل، تمامًا كما تخلّص الألمان من ماضيهم النازي. ولكن في حال حدث ذلك، فسيكون لزامًا على أنقرة التعامل مع شعوب الدول التي كانت تحت سيطرتها ككيانات مستقلة، وهو ما يتناقض مع المشروع السياسي الذي يحمله تيار الإسلام السياسي في تركيا. كما أنه يفتح الباب أمام إعادة النظر في تاريخ المنطقة، بما في ذلك المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق العديد من الشعوب.
المجازر العثمانية والواقع الراهن
من بين المجازر التي سُجلت ضد العثمانيين، كانت مجزرة “التل” عام 1516 في حلب واحدة من أكثرها وحشية، حيث قُتل ما بين 90 إلى 200 ألف مسلم علوي، غالبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ. لم تقتصر هذه الجرائم على سوريا، بل شهدت مصر أحداثًا مشابهة بعد عام واحد فقط. أما في العراق، فقد نفذت السلطات العثمانية عام 1842 مجزرة بحق أكثر من 10 آلاف مسلم شيعي في كربلاء، وكان معظم الضحايا من المدنيين العزل.
أثرت “مجزرة التل” بشكل جذري على التوزيع الديموغرافي للطائفة العلوية، حيث دفعت الناجين إلى النزوح نحو الساحل السوري بحثًا عن الأمان، وهو ما أدى إلى تغييرات اجتماعية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
السياسات التركية المعاصرة.. استمرارية أم قطيعة؟
اليوم، يتكرر المشهد مع أبناء الطائفة العلوية في سوريا، الذين يتعرضون لأعمال عنف وتصفية ممنهجة. هذه الأحداث لا يمكن فصلها عن الإرث العثماني، حيث إن الفكر القائم على الإقصاء لا يزال حاضرًا.
دور تركيا في اضطرابات المنطقة لم يكن خفيًا، فمع صعود حزب العدالة والتنمية، شهدت المنطقة تحولات كبيرة. قبل عام 2007، كانت تركيا العلمانية تسعى للاندماج مع الغرب، لكن مع وصول الإخوان إلى السلطة وتعديل الدستور، تغيّرت أولويات أنقرة. بات واضحًا أن سوريا والعراق ومصر أصبحت أهدافًا رئيسية في مشروع التوسع التركي.
إن العلاقة بين صعود الإسلام السياسي في تركيا والمخططات الإقليمية الأخرى، بما فيها المخططات الإسرائيلية، تثير تساؤلات عديدة. ففي الوقت الذي يتمدد فيه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية، تستهدف الجماعات المسلحة المدعومة من أنقرة أبناء الطائفة العلوية، مما يخلق بيئة مشحونة تدفع بعض الفئات نحو التفكير في الانفصال كخيار للبقاء.
سواء كان ما يجري اليوم امتدادًا للماضي العثماني أو نتيجة لظروف سياسية مستجدة، فإن الواقع يُشير إلى أن السياسات التركية لا تزال تُثير مخاوف العديد من شعوب المنطقة. وبينما يسعى البعض إلى استعادة النفوذ العثماني تحت شعار “العثمانية الجديدة”، تبقى ذاكرة المجازر والتغيرات الديموغرافية شاهدًا على تاريخ دموي لم تطوَ صفحاته بعد.
2025-03-12