العبيد الحقيقيون!
ابو زيزوم الغري
في حارتنا امرأة متزوجة من قريب لها . تزوجها رغماً عنها بحكم صلة القربى . وكثيرا ما تشتكي منه لأنه يسيء معاملتها . فهو رجل فظ ومتعجرف وجاهل بينما هي متعلمة وجميلة وفي مقتبل العمر . والناس متعاطفون معها لكنهم غير قادرين على مساعدتها بشيء كونها زوجة . وواتتها الفرصة الذهبية عندما قام زوجها في ساعة غضب بتطليقها . ففرت الى بيت أمها كما يفر العصفور من القفص . وفرح الجيران لخلاصها .
لكن شيئا غريبا وقع بعد ذلك ، وهو ان تلك الفتاة المتحررة وبدل ان تشق طريقها المستقل في الحياة عادت الى زوجها طواعية هذه المرة ، وبرغبة منها لا منه ، ودون ان تلزمه بتغيير شيء من سلوكه .
ولم تعد تتشكى منه كالسابق وانما على العكس باتت تتودد له وتدافع عن تصرفاته . والغريب انها راحت تبرر ذات الاعمال التي كانت تعاني منها !.
كم تشبه قصة تلك المرأة بعض شعوبنا العربية . فقبل ربع قرن كان الحكام المفروضون عليها يقبضون بيد من حديد على كل شيء . لا يستطيع المرء ان يخط حرفاً واحدا دون موافقة النظام . فلا إذاعة واحدة مستقلة ولا دار نشر ولا حتى نادي يستطيع التصرف خارج إرادة الأنظمة .
وكانت الناس ، وخصوصا المثقفون ، يصنعون الأهوال لإيصال كلماتهم وإعلان مواقفهم من قضايا الأمة ، ويلقون في سبيل ذلك المصائب والنكال . وفي محطة فارقة من عمر الزمن تفجرت ينابيع المعلوماتية بشكل يفوق خيال الحاكمين والمحكومين معاً .
وأضحى كل شخص حراً في قول ما يريد قوله وإيصاله الى أقصى الارض بكبسة زر . بات الشاب الطموح ومن داخل غرفته في المنزل قادر وهو مستلقٍ على السرير ان ينشىء قناة تزاحم قنوات الحكام وتستقطب مشاهدين اكثر منها . فماذا حصل ؟ الذي حصل ان كثيرين من الناس ، ومن المثقفين تحديدا ، وبعد ان جاد لهم القدر بالحرية المطلقة عادوا بمحض ارادتهم الى ربقة الحاكم التي خرجوا منها تواً فأدخلوا رؤوسهم فيها مختارين وصار عملهم الثقافي الرئيسي هو الدفاع عن الحكام على وسائل التواصل الاجتماعي ، وبحماس كما فعلت تلك الفتاة صاحبة القصة .
العبودية المتعارف عليها عند الامم والتي يستعبد فيها قويٌ ضعيفا ليست هي العبودية الحقيقية لأن المستعبَد ما دام يؤمن بأنه إنسان له الحق في الحرية سيجد سبيلا للإنعتاق مهما كلفه الأمر .
العبودية الحقيقية هي ذلك الانسان الذي يشعر في قرارة نفسه بأنه لا يستحق الحرية ، فيذهب بقدميه للبحث عن سيد يتحكم به . وطبعا سيبذل قصارى جهده لتبجيل السيد والمنافحة دونه .
ان حكامنا الان هم أسوأ حكام في كل هذا العالم . وتلك مسألة لا يختلف عليها إثنان من الناحية النظرية على الأقل .
أما عمليا فكثيرون الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن هذه الأنظمة المتهرئة وجرائمها القبيحة وسياساتها الخرقاء .
الحكام العرب لا يقدمون لتلك التيارات المدافعة عنهم الا الاحتقار . فعملها في خدمتهم عمل تطوعي لأن القائمين به أفراد ممسوخون تحت وطأة الظلام ما عادوا يؤمنون بأن وراء الجدران الصماء آفاقاً رحبة وشمساً يملأ نورها الأكوان .
فمنتهى تطلعاتهم ان ينتصر هذا الحاكم العربي على ذاك الحاكم او بالعكس ، وان تنتصر هذي الدولة العربية على تلك في صراع على شبر حدودي او مزاج الحكام النزق .
وبالنتيجة يصنف هذا المدافع وذاك المناقض له كلاهما في خانة واحدة هي اذناب الأنظمة .
وقديما كان الأذناب ينالون حظوة عند اسيادهم اما الان فمجرد متطوعين لا نصيب لهم الا لعنة التاريخ .
( ابو زيزوم _ 703 )
2019-09-15