الخطوط العربية الحمراء!
ابو زيزوم الغري .
حوكم طه حسين قبل قرن على محاضراته ( في الأدب الجاهلي ) لأن آراءه تلك إعتُبرت ماسةً بصدقية القرآن .
والحقيقة انها آراء نقدية لا تمس الدين مباشرة اذا لم تلق عاطلا عن العمل يتعسف في إلصاقها بالدين . وكانت تلك المحاكمة أحد أهم أسباب إشتهار الرجل .
وحدثت ضجة مماثلة على صادق جلال العظم بسبب كتابه ( نقد الفكر الديني ) الذي نشره بعد هزيمة حزيران ، فتألق بسبب تلك الضجة أيما تألق .
وحوكم المطرب اللبناني مارسيل خليفة وسُجن بسبب أغنية ( انا يوسف يا أبي ) لأن هناك من رآها متجاوزة على الدين رغم ان الكلمات لمحمود درويش وليست لخليفة الذي لا يتمنى أبدا لو ان تلك المحاكمة لم تحصل فقد حققت له الكثير من الشهرة .
ثم جاءت قضية العصر : رواية الكاتب الهندي سلمان رشدي ( آيات شيطانية ) التي انتفض ضدها العالم الاسلامي بأسره ، فكانت النتيجة الوحيدة لذلك الانتفاض نقل سلمان رشدي من كاتب مغمور الى كاتب عالمي يبيع ملايين النسخ .
وفي مقدمة المشترين لأعماله المسلمون المعترضون أنفسهم لأن الفضول أحرقهم للتعرف على ما قاله بشأن زوجات الرسول !.
هذي مجرد أمثلة على طريقتنا الغوغائية في تحقيق الشهرة لكل من يتطاول على مقدساتنا دون ان نفكر مجرد تفكير بتصحيح هذا الخلل الخطير في تفكيرنا .
فنحن هنا لسنا أكثر من أبواق دعاية مجانية لأشخاص لا نعرفهم ولا يعرفهم الا قليل من الناس كي يصبحوا بعد ذلك نجوماً لامعة في عنان السماء .
جادلت احد الناشطين في هذا المضمار أيام ( الرسوم المسيئة ) بحق الرسول التي نشرتها صحيفة دانماركية قبل عقد ونصف . قلت له ان الذي تقومون به غير صحيح .
قال والغضب يتفجر من عينية : أتريدنا نسكت ونبينا يساء له ؟ قلت : نعم اريدكم ان تسكتوا . فكاد ان ينتحر من شدة الانفعال . وعلا صوته حتى اجتذب كل من حولنا . وردد اكثر من مرة ان الرسول خط احمر . فلم أفهم ما يقصده بهذا المصطلح الرنان لأن الكلمات عندنا تفقد معانيها احيانا بسبب إسباغ تفكيرنا المشوّه عليها . فالقول ( خط احمر ) يعني عند كل سوي ان اجتيازه ممنوع . أي ان الردع سيواجه من يحاول الاجتياز . فهل هذا ما يعنيه العرب أيضا ؟ طبعا لا . ففي مفهومنا ان الذي يحاول التجاوز على خطوطنا الحمراء سيتلقى سيلاً من الإدانات والشتائم ويواصل مسيره محفوفا بالسلامة . وينال الرفاه والشهرة بفضل زعيقنا من حوله .
ومع ان الصورة الكاريكاتورية تلك قد لا تعتبر إساءة بنظر البعض كونها جعلت عمامة الرسول الأكرم على شكل قنبلة ، والسلاح عند المسلمين ليس معيبا فالإمام يمتشقه على المنبر في خطبة الجمعة .
أقول ومع ذلك فإن تلك الصورة قد نُشرت في صحيفة محلية باللغة الدانماركية ومرت عليها سنوات قبل ان يقوم شخص ما ولسبب ما بالتذكير بها وتسليط الضوء عليها فثارت ثائرة المسلمين .
فحققوا بثورتهم العارمة ان أعادت كبريات الصحف الأوربية نشر الصورة على صدر صفحاتها الاولى تضامنا مع صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية ، وأصبح الرسام المحلي مليونيرا .
في المجتمعات العربية المحافظة جداً عندما يحصل إنتهاك للعرض يُسكت عنه فلا يسمع به أقرب الأقربين . قد يحصل بسببه قتل وقد تتطور احداث كثيرة في الخفاء لكنهم ورغم كل بساطتهم وجهلهم ادركوا ما لم ندركه اليوم وهو ان إذاعة الأحداث السيئة التي لا نستطيع منعها يزيد السوء سوءاً ، ويكمل المخطط الذي خطط له العدو بأيدينا هذه المرة .
يقال ان الموسيقار محمد عبد الوهاب في بداياته حملت عليه الصحف المصرية بلا رحمة . فحملها وكانت كثيرة ومضى الى احمد شوقي شاكيا . فوضعها شوقي فوق بعضها وقال لعبد الوهاب : قف فوقها . فلما وقف سأله شوقي : بماذا تشعر ؟ قال : أشعر أني ارتفعت . قال شوقي : نعم ان هذه المقالات الناقدة كلها دعاية لك وسترفعك .
الان يستطيع أي طالب للشهرة ان يسيء لرمز مقدس من رموزنا فنتبارى نحن بنشر صيته حتى تطوف سمعته الآفاق . ونتوقف عند هذا الحد يملؤنا شعور بالإغتباط والفخر لأننا أدينا الواجب على أكمل وجه وانتهى الامر . يتساءل البعض : هل من المعقول ان نتجاهل مثل هذه الإساءات ولا نقوم بالرد عليها حسب إمكانياتنا ؟ وانا أتساءل بدوري : ماذا سيحدث لو اننا تجاهلنا المسيء الذي لا نستطيع ردعه ؟ والجواب معروف : سيبقى مجهولا ومغموراً كآلاف المسيئين الذين لم يحصلوا على دعايتنا المباركة .
( ابو زيزوم _ 702 )
2019-09-14