الخطة الامريكية في سوريا!
اضحوي جفال محمد*
عدا الجولاني شخصياً فإن الاطراف الرئيسية المنخرطة في الوضع السوري باتت مفهومة للمراقب. وسأحاول تلمس ادوارها تباعاً وأبدأ في هذا المنشور بالدور الامريكي لأنه الاهم في هذه المرحلة.
أولًا ومن حيث المبدأ تنظر الولايات المتحدة الى النصرة كأداة انجزت مهمة امريكية على قدر كبير من الخطورة ودون ان تطلب مكافأة على ذلك. ففي السياسة لا توجد مكافآت وانما التزامات، ولا يبدو ان الولايات المتحدة ملتزمة بشيء تجاه من اسقطوا لها نظام الاسد.
الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في سوريا هو الاكراد، ولن تتخلى عنهم الا مكرهة. وما عدا ذلك علاقات مد وجزر مع جهات مختلفة. فاعتمدت الولايات المتحدة وسيلتين لحماية حلفائها الاكراد: كسب الوقت واضعاف النظام الجديد. كسب الوقت الى النقطة التي يصبح فيها الحكام الجدد عاجزين عن فعل شيء. وهذا العجز يتحقق بوسائل كثيرة ومتوفرة نستعرضها في ما يلي:
وُضع الحكام الجدد تحت ضغط وجوب حفظ الامن ومنع الاعمال الانتقامية وحماية الاقليات. فوجد الجولاني نفسه ملزماً بتوزيع قواته على كل المحافظات لتأمين ذلك كي يكون عند حسن ظن الرعاة الذين يملكون قرار رفع العقوبات عن النصرة وعن سوريا فما عادت لديه قدرات عسكرية قادرة على الاضطلاع بمهام كبيرة.
الى جانب ذلك تم التركيز الغربي على دفع السوريين كشعب للمطالبة مبكراً بحقوقهم المدنية وحرياتهم العامة. لا اقول ان السوريين يحتاجون داعياً غربياً يذكرهم بأن لهم حريات وحقوقاً تستوجب المطالبة بل اقول ان المطالبة بحريات منافية لمنهج النصرة أمر غير منطقي بعد ايام قليلة من وصولها للحكم. فيأتي الحديث الغربي المكثف عن تلك الحقوق مشجعاً للناس العاديين بأنهم ليسوا وحيدين في الساحة وانما هناك دول كبرى تؤازرهم وتتبنى مطالبهم. لذلك تحولت ساحة الامويين التي كانت في الجمعة الماضية ساحة احتفالات برعاية النصرة تحولت في هذه الجمعة الى ساحة تظاهر ترفع (حرية المرأة) رمزاً لعموم شعارات الحرية. فالتحولات تجري بسرعة غير معهودة.
يضاف الى ذلك ان كل يوم يمضي يفاقم الحالة المعاشية للسكان، فايران اوقفت ارسال الوقود، وروسيا اوقفت ارسال القمح، والمعسكر المقابل (الخليج) لن يرسل شيئاً دون إيعاز امريكي. ثم وحتى لو توفرت المواد فانها تحتاج ادارة نشطة لتوزيعها، وفي مثل هذه الظروف تنهار الادارة وتعمها الفوضى والفساد.
استطاعت الولايات المتحدة وبسرعة ان تجمع دول المنطقة على موقف موحد يتبنى الخطاب الامريكي بوجوب قيام ادارة تمثل الجميع وتحترم الحريات وتحمي الاقليات، ومعنى ذلك سياسياً ان تعمل الادارة الجديدة بالتوجيهات الامريكية. اما الشعارات البراقة التي يرفعها الامريكان والاوروبيون فمستحيلة في هذا الظرف وبهذه السرعة، وسيتم التخلي عنها حين يرضى الغرب عن الحكام الجدد لاسباب لا علاقة لها بالحقوق المثالية والحريات.
وللوصول الى اهداف الغرب الحقيقية بدأ تطبيق (سياسة المنحدر) والمصطلح هنا من اجتهادي، وهو يقابل مبدأ (خذ وطالب) دون ان تلتزم بشيء. فالوفود الغربية تتقاطر على دمشق، بدءاً برجال الاعلام ومروراً بالامم المتحدة ومنظمات حقوقية ودبلوماسيين اوربيين ثم الوفد الامريكي الذي وصل اليوم برئاسة امرأة مكشوفة الرأس والصدر لعل الجولاني يأمرها بالاحتشام كما فعل مع المذيعة. هذه الوفود المتسلحة بمبادىء القانون الدولي تدفع الجولاني دفعاً الى تقديم تنازلات دون مقابل. لم يعدوه حتى وعداً برفع العقوبات وانما ينصحونه بخطوات ضرورية باتجاه ما يسمونه (الضوء في نهاية النفق) وقد سمح الجولاني لنفسه بالتدحرج على المنحدر. وباعتقادي انه ارتكب الخطأ القاتل الذي سأشرحه في المنشور الخاص بالوضع الداخلي السوري.
كل تنازل يصدر من الجولاني، حتى ولو جاء بطريقة اعلامية، لن يدفع الغربيون عليه ثمناً، لأنه ببساطة لن يستطيع الرجوع عنه. فالرجوع عن موقف سياسي يثير مشكلة كبيرة لا تقاس بالامتناع عن اتخاذ الموقف نفسه. مثلاً: قال الجولاني ان الارض السورية لن تستخدم لمهاجمة اسرائيل.. هذا قرار كبير بكل المقاييس فما هو ثمنه السياسي؟ مؤكد انه تنازل سياسي ليس له ما يقابله. اذن هل يستطيع الجولاني التراجع عنه والقول على سبيل المثال ان لنا أرضاً محتلة يحق لنا تحريرها بالقوة عندما تسمح لنا الظروف!. اسهل من ذلك بكثير ان لا يقدم هذا التنازل اصلاً، اما وانه الزم به نفسه فالتراجع عنه صعب.
الوفد الامريكي الذي وصل دمشق يحمل قائمة شروط جديدة ليس بينها ما تحقق في الايام الماضية من تعهدات تجاه اسرائيل والاقليات والنساء. فلا وقت عند الامريكان للاجترار. واذا رفض الجولاني الشروط او بعضها يقال له اذن لا تطالب برفع العقوبات. اما اذا وافق فسيقول له الوفد ان رفعها ليس من صلاحيتنا وبعضها ليس من صلاحية الولايات المتحدة بأكملها، فبعض العقوبات صادرة من مجلس الامن ورفعها يحتاج موافقة اعضاء المجلس بمن فيهم روسيا والصين. ولن يكتفي الوفد الامريكي بمقابلة السلطات وانما يلتقي منظمات حقوقية وممثلين عن مكونات اجتماعية لتأكيد الدعم الامريكي لهم.
وبالنتيجة يريد الامريكان اضعاف الحكام الجدد الى الدرجة التي تجعل الثقل الاكبر لسوريا شرق الفرات وليس غربها، كما اصبحت كردستان العراق اثقل من كل العراق ايام الهيمنة الامريكية. فهل سيتمكنون من ذلك؟ نستكمل الصورة في منشوراتنا عن الاطراف الاخرى.
( اضحوي _ 1986 )
2024-12-23