عالم اليوم هو عالم انتقل من صراعات الكبار المتقابلة الى صراعات الكبار المتخاتلة وهي صراعات مركبة هجينة معقدة غامضة وغير يقينية النتائج، بيد ان وقودها الصغار وشعوبهم وتجارها الكبار دون شعوبهم.
وعلى رأي المفكر الامريكي (صموئيل هنتجتون) في مقالته ثم كتابه الذي يحمل عنوان (تصادم الحضارات) فان العالم كان ومايزال محكوم بالصراعات وآخرها الصراع بين الحضارات.. وان الصراعات انفجرت برغبات ونزوات الملوك والاباطرة والامراء بعد وستفاليا 1648، وبين رموز الامم والقوميات بعد الثورة الفرنسية وبين تحالف النازية والفاشية ضد الغرب الرأسمالي الغربي والشمولية الشيوعية اثناء الحرب العالمية الثانية وبين الشمولية الشيوعية والليبرالية الغربية اثناء الحرب الباردة لتصل الى حروب قائمة بين الغرب وبقية العالم.
ومن نوادر زمان عالمنا المعاش تنمر تايوان على الصين بينما ترى الصين في كل الرأسمالية التي تحتضن تايوان نمراً من ورق ! .. ومن نوادر زمان عالمنا ان اوكرانيا تناطح روسيا بقرون من خشب .. وان اسرائيل تتمرد على الولايات المتحدة الامريكية متناسية انها ماتزال غير مفطومة من الثدي الامريكي المسلح بالمال المنهوب والاسلحة الفتاكة والعنصرية القاتلة. في عالم تعيش فيه كثرة شعوب خيرة مبعثرة وقلة عصابات شريرة منظمة ماعادت الحرب العالمية الثالثة قادمة بل هي قائمة بعد ان اصبحت مصداقية الامم المتحدة في مهب الريح عندما دب الخلل والعطل في تشكيلاتها كافة وسط بورصة حروب واسواق ارهاب تزدهر.. وسط معامل صناعة وشركات تجارة سلاح تتقدم وتنتشر.. وسط مسارات سلام تتراجع وتتقهقر.. وسط امن غذاء عالمي يهدر..
ان الحرب العالمية الثالثة قائمة ولم تعد قادمة بوجود اوروبا الخرفة التي لاتجيد غير التورط في شراك الرأسمالية الغربية المتوحشة والملغمة بالمصائد الامريكية لحساب قوى يمينية فاشية جديدة ونازية متجددة في اوروبا.. وهي حرب قائمة وليست قادمة لحساب جماعات ارهابية متأسلمة يتم تشغيلها بعناية امريكية اسرائيلية في بلدان الشرق الاسلامية وغير الاسلامية.. وهي حرب قائمة وليست قادمة لحساب تطرف يميني صهيوني ديني معولم.. اما ماحصل ويحصل في اسرائيل فهو صراع مابين طرفيين صهيونيين احتلاليين هما الطرف الصهيوني الديني والطرف الصهيوني العلماني، فان انتصر الطرف الصهيوني الديني سيضر بالقضية الفلسطينية، وان انتصر الطرف الصهيوني العلماني سوف لاينفع القضية الفلسطينية، وبكل الاحوال فان العصيان المدني والتظاهر الاحتجاجي الذي حصل داخل اسرائيل يعبر عن شرخ عمودي وافقي في هذا الكيان، كما انه يكشف خدعة الديمقراطية التي سوقتها اسرائيل للعالم عن نفسها.. ويبقى الثابت في اسرائيل وفي عالم الشمال الرأسمالي المتوحش متمثلاً بغير المسموح لحرب أهلية بين أطراف الصهيونية داخل الكيان وخارجه ن وغير مسموح تفتيت المؤسسة العسكرية والامنية داخل الكيان. اما حملة الجنسية العربية من المطبعين فانهم وسط هذه الحرب العالمية القائمة بلعوا السنتهم رافعين اياديهم مرة بالاستسلام ومرة بالدعاء من اجل بقاء كراسيهم وعروشهم سواء انتصرت او انهزمت جبهة الشعوب الخيرة او جبهة القلة الشريرة..
نعم نحن نعيش اليوم عالم جفت فيه الاخلاق وتصحرت الوطنية وتنمر الفساد ورحلت عنه الانسانية.. عالم تسييد فيه المتعطشين للدماء والمال والرذيلة.. عالم تبددت منه الاحلام وعمت فيه الكوابيس.. عالم اصبحت فيه الخيرات استثناءاً والشرور قاعدة .. ولكن رغم كل ماتقدم فان هذه المرة وبهذه الحرب العالمية القادمة فان العالم يتغير ليس لصالح قطب واحد كان يتحكم في التغيير واللاتغيير بل سيكون لصالح شعوب اقطاب متعددة.