الحرب الخفيّة بين ايران والعدو الإسرائيلي!
رنا علوان
أسبوع وخمسة أيام كانت كفيّلة بأن تُعيد العدو الصهيواميركي الى حجمه الطبيعي ، وذلك بعد سنواتٍ من كيل التهديد والوعيد ، أمّا النتيجة ، فخسارة فادحة للكيان لم يُشهد لها مثيل وفي عهد بيبي نتنياهو الذي اخذ منه جنون العظمة مأخذه ، لكن الأشد جنونًا منه هو ترامب الذي اعطاه الضوء الأخضر ، وبما أن عدونا خبيث لا يعرف الإستسلام ، “والأرجح لأسباب عقائدية لديه” ، كان لا بد من إستمرار المكر
فعقب إعلان وقف إطلاق النار بين الجمهوريّة الإسلاميّة والعدو الإسرائيلي ، أي بعد اثني عشر يومًا من القتال ، اتفق جميع الخبراء على أنّ هذه الهدنة التي أُعلن عنها بوساطة قطرية تقف على أرضيّة “هشّة” ، ما يدّل على ان المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب ستعاود كرتها في أي لحظة وقد تكون دون سابق إنذار … ما يُبقي الأمور حاليًا في “المنطقة الرمادية”
-استراتيجية طوق النار
عشرون عامًا والكيان الصهيوني يسعى عبر أدواته الأمنيّة إلى ضرب إيران ، في حين كانت الجمهوريّة الإسلاميّة تعتمد على إستراتيجية “طوق النار” في ملاحقة مصالح تل أبيب … هذه الإستراتيجية تعتمد على نمط معيّن من المواجهة ، يسعى الطرفان فيها إلى إلحاق أضرار متبادلة عبر ضرباتٍ غير مباشرة ، غالبًا ما تكون في الخفاء ، وذلك”برًا وبحرًا وجوًا” او عبر الفضاء السيبراني ” دون عتبة الحرب” … بُغية تحقيق أهداف عادة ما تُلاحَق في الحروب التقليدية المباشرة … وقد نفذ العدو الإسرائيلي على مدى سنوات عمليات سريّة داخل إيران ، شملت تفجيرات وهجمات بطائرات مسيّرة ، كما استهدفت شخصيّات ومواقع نوويّة وعسكريّة … في المقابل ، استهدفت إيران بدورها سفنًا مملوكة “لإسرائيليين” في الخليج ، وأطلقت صواريخ على منشآت في العراق مرتبطة بالعدو الإسرائيلي
كما شهدت ايران سلسلة من الأحداث والتطورات اللافتة وذلك بعد مرور أكثر من أربعين يومًا على نهاية الوعد الصادق ٣ ، لم يُنسب أي منها رسميًا إلى الطرف الآخر ، بل جرى تداولها في الإعلام المحلي على أنها “حوادث عرضيّة” أو ناجمة عن “أسباب تقنيّة” لا صلة لها بالعدو
حرب خفية أم تسرب غاز ؟!؟
مع التجميد المؤقت للتوتر بين الجمهوريّة الاسلاميّة الإيرانيّة والعدو الإسرائيلي ، دخلت “حرب الظلال” أو “الحرب الاستخباراتية” بين الجانبين في مرحلة جديدة ، بعد ان أكد جهاز مخابرات العدو الإسرائيلي ، أنه سيواصل تنفيذ عملياته في إيران حتى بعد وقف إطلاق النار
وفي يونيو الماضي ، وأكد مدير الموساد بخطاب علني نادر احتفى فيه بإنجازات الوكالة داخل إيران ، قائلاً : “سنكون هناك ، تمامًا كما كنا حتى الآن”
إذًا سلسلة من الحوادث وقعت خلال الأسابيع الأخيرة ، وقد نُسبت أسباب بعضها إلى “تسرّب غاز”، بينما لم يُعلن عن سبب واضح للبعض الآخر حتى الآن
(ما يلفت الانتباه هنا أن العدو الإسرائيلي لم يتبنَّ أيًّا من هذه العمليات ، فيما لم تُبدِ طهران هي الأخرى أي رغبة في توجيه أصابع الاتهام إلى العدو الإسرائيلي) ، ولا في نسب هذه الحوادث إلى تصعيد أمني مُباشر من جانبها ، ويبدو أن هذا الامتناع الإيراني متعمّد ، ويرتبط برغبتها في عدم فتح جبهة صدام مفتوح في الوقت الراهن
لذلك سعت إيران الى تفسير هذه الحرائق على انه امر عرضي طبيعي في بعض الحالات ، مثل الحريق في شمال شرق إيران قرب مطار مشهد الدولي ، قالت السلطات الإيرانية انها كانت تقوم بـ”حرق أعشاب مسيّطر عليه”، وعزت حريقًا في طهران إلى حريق قمامة … لكن في معظم الحالات ، ألقت السلطات باللوم على تسربات الغاز
كما نذكر انه في 28 يونيو/ حزيران 2025 (أي بعد أربعة أيام فقط من إعلان وقف إطلاق النار) ، أفادت بعض وكالات الأنباء بوقوع انفجارات غامضة في غرب العاصمة طهران
وفي اليوم التالي مباشرةً ، سُجّل انفجار في مصفاة تبريز ، وقد أرجعت وسائل الإعلام الإيرانيّة سببه إلى حادث عرضي في خزان نيتروجين … ثم ، في الأول من يوليو/ تموز ، سُمع دوي انفجارات في منطقة شهرري جنوب شرقي محافظة طهران
وفي 14 يوليو/ تموز ، وقع انفجار داخل مجمّع سكني في منطقة “برديسام” بمدينة قم … أما في 19 يوليو/ تموز ، فقد اندلع حريق مريب في الوحدة 70 بمصفاة نفط آبادان ، أسفر عن مقتل أحد العاملين في المصفاة
ويُرجّح أن يكون مُنفذ هذه العمليات هو وحدة “قيصرية”، وهي الوحدة المسؤولة داخل الموساد عن تنفيذ العمليات السريّة المعقدة ، والتي تشمل الاغتيال الانتقائي الفجائي ، والتخريب ، والاختراق الأمني
كما أن وحدة “متسادا”، المعروفة بـ”فرع العمليات الخاصة”، هي المسؤولة عن تنفيذ العمليات شبه العسكرية والتخريبية خارج حدود العدو الإسرائيلي
في المقابل ، وقعت حوادث مشابهة داخل الكيان الغاصب ، ففي 30 يونيو/حزيران ، أفادت بعض المصادر العبرية بأن مجموعة من المستوطنين الصهاينة شنّوا هجومًا على أحد المراكز الأمنية الإسرائيلية التي كانت مزوّدة بأنظمة أمنية متطورة ، وتمكنوا من اقتحامه وإضرام النار فيه
ثم ، في 25 يوليو/ تموز ، أعلنت حكومة العدو الإسرائيلية أن عطلًا فنيًا “غير اعتيادي” قد طرأ على منظومة توزيع الكهرباء ، ما أدى إلى انقطاع واسع للتيار في تل أبيب … هذا الخلل لم يقتصر على انقطاع الكهرباء فقط ، بل تسبب كذلك في سلسلة انفجارات وحرائق غريبة في معدات الضغط العالي ، من بينها محطات توزيع ومحولات كهربائيّة رئيسيّة
ومن الجدير ذكره أن حوادث مشابهة كانت قد وقعت في الأسبوع الذي سبقه في منظومة الكهرباء داخل القدس المحتلة
ومنذ يومين اعلنت القناة 12 التابعة للعدو الإسرائيلي عن خبر وصفته “بالصدمة” ومفاده
ان إيران استطاعت ان تتسلل إلى مصانع “القبة الحديدية”عبر عملاء “إسرائيليين”!!!… القناة 12 الاسرائيلية روت تفاصيل مروّعة عن شبكة تجسس إيرانية داخل الكيان الإسرائيلي
يبدو انه في سياق هذه “المعركة “، تسعى إيران بالتعاون مع حلفائها الإقليميين ، إلى استهداف مصالح العدو الإسرائيلي ، داخل الأراضي المُحتّلة وخارجها ، كجزء من إستراتيجيّة تهدف إلى موازنة التفوق الذي يُعلن عنه العدو الإسرائيلي في مجال « حرب المعلوماتيّة » والتقنيّة
عودة مُرتقبة للحرب
تتعاظم احتمالات العودة إلى مواجهة عسكريّة مباشرة بين إيران والعدو الإسرائيلي ، كنتيجة طبيعيّة للتصعيد المُتزايد في ما يُعرف بـ”الصراع شِبه المُتماثل”
كما ان فشل الولايات المُتّحدة والعدو الإسرائيلي في تحقيق أهدافهما خلال الحرب التي دامت اثني عشر يومًا ، فضلًا عن غياب صيغة أمنيّة جديدة في منطقة غرب آسيا ، يطرح احتمالًا جادًا بإستئناف موجة ثانيّة من الهجمات ضد إيران
وقد جاء تصريح عباس عراقجي ، لشبكة “فوكس نيوز” -والذي أكد فيه استمرار تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية- ليثير ردّ فعل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، الذي غرّد مهددًا بشنّ هجوم جديد على إيران “إذا اقتضت الضرورة”
في المُقابل ، ووفقًا لمجلة “نيوزويك”، فقد سبق أن حذر عدد من القادة العسكريين الإيرانيين من أنهم في حالة جهوزيّة تامة ، وقادرون على إستئناف الحرب مع العدو الإسرائيلي في أي لحظة ، بل وتوّعدوا بأنه ، في حال تعرضهم لهجوم مشترك من واشنطن وتل أبيب ، فإنهم لن يتراجعوا ، ولن يُظهروا أي رحمة
بعيدًا عن هذه التصريحات السياسية والعسكرية ، نلمس إصرارًا عند العدو الإسرائيلي على اعتماد إستراتيجية “الهجوم الاستباقي”، وتفضيله مبدأ “المفاجأة” ، لذلك يُتوقع أن تكون الضربة الأولى في الجولة المُقبلة من التصعيد من نصيب العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة ،
لكن ولأن عنصر المُفاجأة قد استُخدم مسبقًا ، فإن تكرار التكتيك ذاته يتطلب ابتكارًا تقنيًا جديدًا
(هذا الابتكار قد يتمثل في اغتيال شخصيّة سياسيّة أو عسكريّة رفيعة المستوى ، أو تنفيذ عمليّة اختراق أمني على غرار “حادثة أجهزة النداء اللاسلكية ، ما يُعرف بالبيجر ” في لبنان ، أو تفجير منشأة رمزيّة أو حساسة داخل الأراضي الإيرانيّة ، بما يؤدي إلى إرباك مركز القيادة ، وتفكيك حلقة القرار ، وتهيئة الأرضية لعدوان جديد يستهدف العمق الإيراني
ختامًا ، انتصرت الثورة الإيرانية على نظام الشاه التابع لأميركا ، والداعم “لكيان العدو الصهيوني” ، فما كان من الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع الدول الغربية والأنظمة العربية التابعة لها ، ان شنت حروبًا متعدّدة الأشكال ، للقضاء على هذه الثورة وتقويضها ومنعها من الإستقرار والتقدّم وتحقيق استقلالها الوطني على كافة المستويات
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم لا يزال الهدف الأميركي الغربي الصهيوني والعربي الرجعي هو محاصرة إيران الثورة وإضعاف قدراتها لكونها لعبت دورًا مهمًا ، ولا تزال تلعبه حتى اليوم في إسناد المقاومة ضدّ الاحتلال الصهيوني ، ومكّنتها من إلحاق الهزيمة به في لبنان وغزة ، كما أسهمت إسهامًا هامًا في دعم المقاومة العراقية ضدّ الاحتلال الأميركي وكذلك ضُدّ تنظيم داعش الإرهابي صنيعة الأميركيين وإلحاق الهزيمة به ، كما كان لها دور هامّ في دعم الدولة السورية في حربها ضدّ قوى الإرهاب التكفيري المدعوم أميركيًا انطلاقًا من التحالف الاستراتيجي الذي جمع طهران بدمشق منذ بدايات الثورة الإيرانية حيث وقف الرئيس الراحل الخالد حافظ الأسد منفردًا بين الرؤساء العرب إلى جانب هذه الثورة التحررية المنتصرة ، التي عوّضت سورية عن خسارتها لمصر بعد توقيع الرئيس أنور السادات لإتفاقية كامب ديفيد مع كيان العدو الصهيوني
والجدير ذكره ان ايران تُعتبر العائق الوحيد امام تنفيذ اتفاقية ابراهام ، الذي يجهد عرابها ترامب لإتمامها في اسرع وقت ، كوّن الارض باتت خصبة لذلك
2025-08-14
