الجمال في عيون الأطفال !
ابو زيزوم .
لم يزد عمره على العامين الا قليلا ، يتمايل بمشيته خارجاً من الفراش الى حيث يسرح كل صباح في ارجاء الحديقة الزاخرة بالزهور والشجر والسواقي الرقراقة . كل شيء في نظر الطفل جميل ، وما نهاره الا رحلة استمتاع بالألوان الزاهية . نادرة احلام الأطفال في منامهم ، اغلبها صور مبهمة لثدي الام يداعب الشفتين . اما رؤى اليقظة فأنوار تتراقص في الوعي البكر سرعانما يتشربها الذهن الشفاف وتستقر فيه الى الأبد .
كان يتوقف عند كل عارض يظهر أمامه ويتأمله برهة ثم يمد اليه يده الصغيرة ليجذبه اليه قبل ان يتجاوزه الى غيره . وانجذبت عيناه الى بريق ممتع يصدر من لوحة بديعة لم يرها من قبل فمال اليها بحبور . لم تكن الألوان التي اجتذبته بإغراء سوى ثعبان كبير يلف طوله على عرضه في ذلك الجانب من حديقة المنزل وعيناه ترمقان الطفل الذي اقبل يدب بخفة نسمة . لوّح الثعبان بلسانه المشعر كأنه يرسل تحذيرا ، لكن الطفل يحث خطاه غير آبه لشيء . لم يفهم ان حركة اللسان والفحيح المصاحب لها بمثابة إلقاء حجة وتعبير عن حجم الخطر القابع بين طيات الألوان الباهرة .
واصل تقدمه برغبة ثابتة لبلوغ ذلك الوشي البديع ، وليس في نفسه الا الإحساس الطافح بتفرس الجمال وملامسته . لم يبق دونه سوى خطوات قليلة من قدميه المتقاربتين ، وبدأ الثعبان يُخرج بعضه من بعضه كأنه يحل ضفيرة . واذا به ينساب نحو الاتجاه الآخر . لحركته الرشيقة قوة السحر في اجتذاب العيون . امتد متمهلا ، واكتسى وجه الطفل بغشاوة أسف لإبتعاد هذا المنظر الخلاب عن يديه . واستعاد الأمل عندما عرقلت الساقية مسار الثعبان الذي رفع عنقه بحثا عن سبيل يجنبه الماء . أيقن الطفل انه نال بغيته ، ومد يده للاستحواذ على تلك اللوحة المنمقة . إقتضى منه الحال ان يجلس كي تصل أصابعه الى تلك الحراشف البيضاء وما يعلوها من زخرف فتان .
إلتفت الثعبان برقبته الطويلة المتربصة فأصبحت انيابه على مبعدة شبر من جبهة الطفل . لم تكن اليد الصغيرة الناعمة قد مست الوشاح المطرز بتناسق عجيب . واشرق وجهه بابتسامة وادعة لأن الثعبان الجميل لم يفلت من قبضته . لم يكن الثعبان في إلتفاتته ينظر الى الطفل المتهالك على تمسيد ظهره وانما أوجس حركة في الجهة الاخرى من المكان . واندلعت صرخة الام وأقبلت كالإعصار ، فوثب الثعبان مبتعدا ، وبكى الطفل لفقدانه .
( ابو زيزوم _ 865 )
2020-05-19