الجبهة العراقية وطوفان الأقصى!
رنا علوان

تجلى موقف الحكومة العراقية في بيانها الذي صدر [يوم السبت 7 أكتوبر 2023] إثر اعلان عملية طوفان الأقصى ، بدعمها الثابت للقضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وتأييدها التام لحركة المقاومة الفلسطينية في مواجهة سياسة القمع والتعنت التي يمارسها العدو الإسرائيلي في مجمل الأراضي الفلسطينية بالضفة وقطاع غزة
وقد ترافق الموقف الرسمي الداعم لغزة وعملية طوفان الأقصى من قبل الحكومة العراقية مع الموقف الشعبي والفصائل العراقية المسلحة الأكثر ارتباطًا بإيران
لكن هذا الموقف انتقل [ من مرحلة الدعم والتأييد إلى مرحلة الانخراط ] نتيجة استهداف العدو الغاشم لمستشفى المعمداني ، والتي راح ضحيتها الالاف من الشهداء معظمهم من الاطفال والنساء
فما كان من الفصائل العراقية الموالية للمحور الا ان تفاعلت مع الحدث مُعلنة أن “كل القواعد الأمريكية في العراق وسوريا باتت هدفًا مشروعًا لها ]
وقد افتتحت ذلك القرار ، بإطلاقها اكثر من طائرة مسيرّة نحو قاعدة “عين الأسد” الجوية الأمريكية في محافظة الأنبار على مدار يومي 18 و19 من أكتوبر الجاري
كما استهدفت في الوقت نفسه قاعدة “حرير” الجوية بإقليم كردستان
فضلاً عن ذلك ، تم استهداف قاعدة التنف العسكرية التابعة للتحالف الدولي في منطقة المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن ، بثلاثة مسيرات أدت إلى إصابات مباشرة للقاعدة
هذا إلى جانب القيام بتفجير خط أنابيب الغاز التابع لحقل “كونيكو” بريف دير الزور شمال شرق سوريا في منطقة سيطرة الأكراد
وقد أعلنت أيضًا المقاومة الإسلامية العراقية مسئوليتها عن كلا الحادثين ، وأشارت بعض المصادر إلى أن مهمة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في هذه الاستهدافات اقتصرت على الجوانب التنسيقية فقط ، لكن الاستهداف كان من قبل الفصائل العراقية المباشرة وتحديدًا “تشكيل الوارثين” [ وهو فصيل حديث التشكيل تأسس في أكتوبر 2019 تابع لحركة “حزب الله النجباء”، والذي يتلقى تعليماته من فيلق القدس مباشرةً ]
موقف المقاومة النبيل هذا ، تزامن وموقف زعيم التيار الصدري ، الذي ألقى كلمة طالب فيها بدعم شعبي عربي واسع للمقاومة الفلسطينية عبر الاحتشاد بالقرب من الحدود العراقية-الأردنية
وهذه الدعوة قد أثارت حفيظة البعض من قُراء السياسة ، حيث تم تفسيرها ، بأن [ الاحتشاد في هذا المكان تحديدًا ، له توجُسات تدور حول مساعي العدو الإسرائيلي لا تقف عند حد التهجير إلى الأردن ومصر فقط ]
فمن وجهة الصدر انها مساعٍ قد تصل إلى محافظة الأنبار العراقية ، بإعتبارها متاخمة للحدود الأردنية
معلنًا أن مثل هذه التصورات من شأنها منح العدو الإسرائيلي فُرصًا أوسع لتهجير اصحاب الارض بغية الحصول على مزيد من التمدد داخل الاراضي المُحتلة
ومع تحقق معادلة وحدة الساحات باتت المصالح الأمريكية في المنطقة ، لاسيما في العراق وسوريا ، تحت مرمى نيران فصائل المقاومة بشكل مباشر ، ما يعنى بالضرورة إبقاء واشنطن في حالة من التأهب الدائم لأن الاستهدافات التي بدأت بالقواعد العسكرية سوف تتطور لتشمل مقار السفارات الأمريكية نفسها
ناهيك عن ان اتساع رقعة الحرب على غزة وتصاعد حدته ، تُنذر بخلق عبئ ثقيل ، ومرتفع التكلفة للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة
إن عملية “طوفان الأقصى” ألقت بتبعات كبيرة على الفصائل المسلحة التابعة لإيران في كل من العراق ولبنان وسوريا بإعتبارها جزءًا من محور المقاومة والممانعة،
فبالإلتفاتة الى تصريح وزير الخارجية الايرانية حسين أمير عبداللهيان ، في معرض إجابته عن تساؤلات بشأن “ساعة الصفر” التي ستقوم فيها الفصائل المسلحة العراقية واللبنانية الموالية لإيران بالرد على أفعال العدو الإسرائيلي بحق المقاومة الفلسطينية في غزة
[ قال إن حالة التنسيق بين الفصائل في أكمل صورها ، وأن كافة السيناريوهات والاحتمالات بشأن تفاعلها مع الكيان الإسرائيلي محسوبة بدقة ، وأن الرد على الاحتلال [حال قرر غزو قطاع غزة ] سيغير ليس فقط من خريطة الأراضي المُحتلة ، ولكن أيضًا من قواعد التفاعل الإقليمي ككل
لكن ما عاد وكشفه وزير الخارجية الإيراني مساء امس الإثنين 24/ اوكتوبر ، أن الولايات المتحدة بعثت إلى حكومة بلاده رسالتين حول تطورات الوضع في غزة
وقال عبد اللهيان في مؤتمر صحفي أعقب مشاركته في اجتماع وزراء خارجية [دول مجموعة 3+3] ان “الرسالة الأولى قالت إن الولايات المتحدة غير مهتمة بتوسيع الحرب ، والثانية طلبت فيها من إيران والدول والأطراف الأُخرى ضبط النفس”
وتابع عبد اللهيان “الولايات المتحدة تقول إنها غير مهتمة بتوسيع نطاق الحرب ، لكنها أظهرت في الأسبوعين الماضيين ، أنها متورطة “حتى اخمص قدميها” في توسيع وتصعيد الصراع في غزة ، من خلال إرسال آلاف شحنات الأسلحة والدعم الكامل للنظام الصهيوني”
واعتبر عبد اللهيان ان هناك ازدواجية في الموقف الأميركي ، موجّهًا بدوره رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه [ كفى نفاقًا ، وهل المجازر وقصف المدنيين وتدمير المستشفيات تتوافق مع شعاراتكم!؟!؟]
ولفت الى ان حزب الله وصل إلى [ مستوى من القوة ] أجبر الأميركيين على إرسال عشرات الرسائل لهم مطالبين بعدم فتح جبهة ضد العدو الإسرائيلي
ختامًا ، ان العراق الذي سبق وعانى من خبث الشيطان الاكبر والذي تمثل بغزو عسكري شامل نفذته أميركا وبريطانيا ما بين 20 مارس/آذار 2003 و18 ديسمبر/كانون الأول 2011 بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل ، مما أدى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين ، وخسائر بشرية قُدرت بمليون شهيد ومصاب وملايين المشردين ، وخسائر مادية تقدر بتريليونات الدولارات ، ناهيك عن المسروقات التي تم أخذها ، وانزلاق البلاد في عنف طائفي بلغ ذروته خلال 2006-2007 ، وكل ذلك بعد اختراع الشيطان لخديعة الحادي عشر من سيبتمبر
ان ثقل الموقع الجيوسياسي او الجيوبولتيك للعراق وتأثيره على المنطقة ، يشكل خطر مباشر وقوي على العدو الإسرائيلي وهذا ما شهدناه في السابق والذي تمثل في حرب الستة ايام ، بعد ان استخدم العدو عنصر المباغتة ، وقد تمثل دور العراق فيها بما عُرف [بعملية البرق] والتي تُعدّ أكبر هجوم جوي عراقي تم ممارسته على العدو الإسرائيلي عام 1967 ، وكادت ان تقلب جميع الموازين
حيث دخلت الطائرات العراقية إلى قلب أجواء الأحتلال في اليوم الثاني من الحرب ، واستطاعت تحقيق الكثير من الأهداف التي أذهلت الخبراء العالميين ، كما اصبحت تُدرّس في الكثير من الأكاديميات العسكرية العالمية ، لما فيها من الجرأة ، ولم يكف طفل أميركا المُدلل منذ ذلك الحين عن الانتقام من العراق بسببها
ولكن يقول الباحث والمحلل جي لارون في كتابه “حرب الأيام الستة- تدمير الشرق الأوسط” إن تلك الحرب لم تكن ناجمة عن مجرد احتكاك إقليمي بل إن السبب الحقيقي يعود إلى دور السياسات الأمريكية والسوفيتية في خضم الأزمة الاقتصادية التي كانت تعصف بالعالم في تلك الفترة ، إضافة إلى أن عودة سوريا كطرف مركزي في الصراع قد زاد من حدة التوتر وعجل بالحرب التي شنها العدو الإسرائيلي يوم 5 يونيو/حزيران
2023-10-25