البصرة.. اِحتضار آخر أنهر “فينسيا الشرق”!
شكري الحسن – أكاديمي وخبير بيئة عراقي.
لم تفعل الحكومة المركزية والمحلية شيئاً يذكر إزاء معالجة الوضع الصحي لمياه البصرة لحد الآن، ولم تجرِ حتى الساعة أية مداواةٍ لأنهر “فينسيا الشرق” المُحَتضرة.
نهر العشار في حقبة الستينات
في يومٍ ربيعي من أيام السبعينيات، جذبتني شقيقتي الكبرى بقوة من معصمي بعدما كدتُ أنزلق من على ضفة نهير العشار؛ إذ كنتُ هائماً بالمنظر الآسر الجمال لمائه الرقراق وأسماكه اللعوبة وهي تلتقط ببراعةٍ فتات الخبز الذي ألقيه نحوها.
هذه الجملة الأخيرة تختصر ماضي أنهر “فينسيا الشرق” المحفوفة بغابات النخيل وأشجار الفاكهة الغنّاء المتوغلة في قلب مدينة البصرة جنوبي العراق كالأوردة الدموية. قبل نحو مائة عام، كان هنالك نحو “635” نهيراً عذباً يتلوى بسلاسة عبر غياهب بساتين البصرة. كانت تؤدي دورها الطبيعي المتقن في الإرواء والبذل بتناغمٍ دقيقٍ مع حركة المد والجزر لشط العرب العظيم من دون حاجةٍ إلى أي جهد بشري يذكر.
لكن، لم يتبقَ من تلكم الأنهر سوى ما يعادل عدد أصابع اليدين؛ لقد اندرس القسم الأعظم منها وجفَّ تماماً مع تقادم الزمن فيما رُدم القسم الآخر وشُغلت الأرض من فوقه بمساكنٍ فاخرةٍ ومتاجرٍ عامرةٍ، أما ما نجى منها اليوم.. فهو أقرب إلى بِرْكةٍ ملؤها النفايات والقذارة والعفن.
ترى.. ماذا تخبأ لنا ذاكرة أنهر مثل بويب والخورة والعشار والخندق والترك وغير ذاك؟ كل ما تبقى لدينا ذاكرةٌ صوريّةٌ باليةٌ.. تعيدنا بالكاد إلى أولئك المفتونين بالجمال والناشدين الأشعار والمغتسلين في السواقي والمجدفين أبلام متهادية فوق كف الماء.
أما حاضراً، فالواقع مغاير جذرياً.. بلا شك.
حملتُ عدّتي المكّونة من أجهزة مخبرية حقلية برفقة بعضٍ من طلابي المتطوعين، وقصدنا نهير العشار. عند وصولنا، أجبرتنا رائحة العفونة على تكميم أنوفنا فتراجعنا قليلاً، لكن كان لابد من إنجاز المهمة أياً كان التحدي. انحدرتُ صوب الضفة بحذرٍ، وفيما كنت أتعثر بأكداس الأزبال المتناثرة هناك، كان طلابي يحرصون على الإمساك بي خشية الوقوع.. في موقفٍ أعاد إلى ذهني قبضة شقيقتي قبل أربعين عاماً خلت.
حين دنوتُ، بدا “الماء” ساكناً.. بلونٍ رمادي مخضرٍ مشوبٌ ببقعٍ سوداءٍ. لم أشاهد كائناً حياً واحداً يسبح في تلك البِرْكة النتنة. كان علينا إجراء الفحص بأسرع وقت ممكن، فالروائح لم تعد تسمح لنا بالبقاء طويلاً. ذُهل الطلاب حينما وجدوا أن مقدار الأكسجين المذاب في الماء كان “صفراً” على نقيض متطلبات البيئة التي تشترط أن لا يقل المقدار عن أربع درجات كحدٍ أدنى. وحين سألني أحدهم عن رأيي بذلك، أجبت بأسى: “إنه ميت.. النهر ميت سريرياً”!
تطوّع أحد طلابي بمهمة لم يسبقه إليها أحد؛ راح يمشي متتبعاً مجرى نهير العشار من بدء تفرعه عن شط العرب وحتى نهايته في منطقة البصرة القديمة لمسافة ناهزت 10 كيلومترات.. مُحصّياً عدد مذبات المجاري التي تصب فيه. ثمّ جاء بالنتيجة: “ألف وثلاثمائة وأثنان وخمسون مذباً”.
