الازمة الاوكرانية!
ابو زيزوم
كانت اوكرانيا ثاني اكبر جمهورية سوڤيتية سكانيّاً بعد روسيا ، وهي الاقرب للروس قومياً ودينياً وطائفياً ، فشعبها سلافي يدين بالمسيحية ويتبع الكنيسة الشرقية ، لذلك عوملت بشكل مميز خلال الحقبة الشيوعية . ومن بين أوجه التمييز لها إلحاق شبه جزيرة القرم بها رغم ان الاغلبية الساحقة في القرم تتكلم الروسية كلغة ام .
المبادىء والشعارات الاممية المتزمتة في الحقبة الشيوعية لم تمنع قادة الاتحاد السوڤييتي وأغلبهم روس من التفكير بطريقة قومية والتحسب للمصير الذي آلت إليه احوالهم بعد سبعين عاماً من تشكيلهم ذلك الكيان العملاق ، فلم ينزعوا من روسيا اي اقليم بل أضافوا إليها اقاليم عديدة بعضها مختلف كلياً عن الروس كالأنگوش والتتر والشيشان والداغستان وغيرها كثير . لذلك عندما تفكك الاتحاد السوڤيتي عام 1991 لم يواجه الروس اي مشكلات حدودية عدا حالات شديدة الصغر مع جورجيا .
الحالة العكسية الوحيدة كانت تبرعهم بالقرم لأوكرانيا التي تتواجد فيها قيادة اسطول البحر الاسود ، كدليل عملي على انعدام اي تحسس بين الجمهوريتين والشعبين . بينما رأيناهم كيف فتتوا الامة التركية الى خمس جمهوريات ودقوا بينها اسفين الفرقة .
التحسس مع الاوكران سياسي اكثر مما هو اجتماعي ، نشأ بعد انفراط عقد الاتحاد السوڤييتي عندما بدأ الغرب يستدرج اوكرانيا الى معسكره فاستفز ذلك روسيا وقامت باحتلال القرم عسكرياً عام 2014 ثم اجرت فيها استفتاءً اسفر عن تصويت اغلب شعبها لصالح الانضمام الى روسيا . بعد ذلك حرّكت السكان الاوكرانيين من اصل روسي ونسبتهم تقارب الـ %20 يتمركزون في الشرق والجنوب الشرقي بمحاذاة الحدود الروسية ، حرّكتهم للتمرد والمطالبة بالانفصال وأمدّتهم بالعون العسكري حتى باتوا عملياً خارج سلطة اوكرانيا .
هذه القضية بحد ذاتها لا تعنينا لولا انها بدأت تكتسب طابعاً دولياً يقع في صميم الصراع العالمي على رسم موازين القوى في عالم غير مستقر . انها كقضية تايوان وكقضية نووي ايران باتت مادة اساسية في الصراع الاستراتيجي بين الغرب والشرق. فالغربيون يعملون على مد حلف شمال الاطلسي (الناتو) الى حدود روسيا مباشرةً ، وهو امر خطير بالنسبة للروس .
تخشى روسيا من ضم اوكرانيا ودول البلطيق الى حلف الناتو مما يعني وضع الخنجر في خاصرتها ، وتفكر باستباق اي خطوة بهذا الاتجاه من خلال فرض امر واقع جديد . الغربيون مترددون بشأن ادخال اوكرانيا في الحلف طالما ان شرقها تحت هيمنة الروس كي لا يجدوا انفسهم امام مواجهة حتمية مع روسيا . وانما يسعون لمساعدتها في بسط سيطرتها على كل ارضها قبل جلبها الى الحلف . اما الروس فيخططون لتقسيمها والاستحواذ على شرقها قبل ان يقدم لها الغرب دعماً يؤهلها للعمل العسكري المؤثر .
الولايات المتحدة حددت رد فعلها في حال تعرض أوكرانيا لغزو روسي ؛ قالت انها لن ترسل جيشها للقتال هناك ولكنها ستتخذ اجراءات عقابية كبرى بينها ايقاف انبوب الغاز الروسي الى اوربا واخراج روسيا من النظام المصرفي العالمي (سويفت) . النقطة الاولى تبدو تشجيعاً لروسيا على الغزو ، ولا يتسع المجال لتحليل النقاط الاخرى الاقتصادية فنتركها الى وقت آخر .
( ابو زيزوم _ 1151 )
2021-12-14