الأردن وطوفان الأقصى!
جمال الطاهات
مستشار الرئيس جو بايدن للأمن القومي، نشر في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، بتاريخ (14/10/2023) مقالاً تحت عنوان (مصادر القوة الأمريكية: سياسة خارجية لتغيير العالم)، وجاء في مقدمته: ” لا شيء قدر لا راد له في السياسة الدولية. والعنصر الحاسم في قوة الأمة، ليس ديمغرافيتها وجغرافيتها ومواردها الطبيعية. فالتاريخ يوضح أن هذه ليست عناصر كافية لتقرير أي دولة ستشكل المستقبل. العنصر الحاسم هو القرارات الاستراتيجية التي تصنعها الدول، كيف ينظمون أنفسهم داخلياً، بماذا يستثمرون، مع من يختارون التحالف، ومن يختار التحالف معهم، ما هي الحروب التي خاضوها، أو التي ردعوها، أو التي اختاروا عدم التدخل فيها”.
وهذه الأفكار لا تعكس فقط رؤية تاريخية استثنائية للفريق الحاكم في واشنطن، بل هي مؤشرات في النظرية السياسية، أشرت لها للحديث عن الأردن وخياراته تجاه طوفان غزة، وأمواجه الارتدادية. فكل حرب هي مفتاح لمسارات سياسية معقدة. وكل حرب تكشف ما لدى الأطراف من عناصر قوة وضعف.
إذ فتحت عملية طوفان الأقصى الأبواب على للعديد من الاحتمالات، وقدمت فرصاً لتحولات استراتيجية استثنائية على مسارات الصراع ومآلاته، وهي مصدر للعديد من المخاطر على الأردن، إذا لم يحسن التعامل معها. وليس مطلوباً من الأردن البحث عن أدوار تفوق إمكاناته، ولكن عليه أن يطور نفسه ليصبح قادراً على توظيف مزاياه، من أجل تعزيز أمنه واستقراره، والحصول على فرص رفاهه، ليخرج من دائرة الضعف والاستجداء، ويستطيع تقديم المساعدة المباشرة للأشقاء الفلسطينيين في نضالهم من أجل حقوقهم المشروعة.
وبالعودة إلى ما قاله مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، فلا بد من التوقف عند غياب القرار الاستراتيجي في عمان. فالأردن الذي يحظى بشبكة تحالفات دولية وإقليمية مهمة، لكنه يعجز عن توظيفها، وينتظر نهاية المعارك، ليأتي العالم إليه ويطلب منه القيام بأدوار هامشية بعد انجاز كل الترتيبات. ودولة تمتنع عن التفكير الاستباقي، تحكم على نفسها بإحدى خيارين: الأول ان تتحول الأدوار الإقليمية للدولة إلى مجرد مكاسب للمستبد الفاسد وعائلته، أو أن يتحمل الأردن عبء ومخاطر تحوله إلى عائق يمنع انفاد ما تمخضت عنه الحرب بمستوياتها العسكرية والسياسية.
وحتى يتجنب الأردن هذه الخيارات، لا بد من القيام بثلاث خطوات من قبل ثلاثة أطراف:
الأول هو الحركة الشعبية، لا بد ان تستبق ما هو آت، بالمطالبة بالديمقراطية والإصرار على استرداد الدولة، حتى لا يدخل الأردن بنفق مثل عام 1950، فيقوم بضم الضفة بالقوة، ويربط المعارضين لهذا الضم بأذناب الخيل ويجرهم من سجون الضفة الغربية إلى سجن المحطة. وهذا يتطلب شعارات إصلاحية دستورية حاسمة تضمن أن تكون كل السلطات فيها منتخبة، وتمنح المؤسسات فرصة استقلال ضميرها المهني، وتعزز من آفاق وسلطات الحكم المحلي، وتخرج العائلة الحاكمة من ممارسة الحكم، بعد أن تقيد لقب الإمارة وامتيازاتها بعائلة الملك من الدرجة الأولى فقط.
الثاني هو الملك، بأن يدعو لمؤتمر دولي في عمان، لطرح مبادرة أردنية واضحة، عناوينها هي: رفض التهجير، ورفض الإلحاق، وتعزيز شروط الاستقلال الفلسطيني في طريق حل الدولتين. وتقديم مبادرة واضحة لتسوية النزاع، تفكك مبررات إدامة تدمير غزة وقتل اهلها. ويمكن للملك أن يستند إلى وادي عربة، وما تضمنته من امتناع إسرائيل عن أي خطوة من شأنها تهديد الأمن الوطني الأردني، لتبرير مبادرته، ومطالبه الواضحة، ورفضه للإملاءات الإسرائيلية القادمة. وإذا لم يقم بهذه الخطوة، فإنه يضع نفسه في مواجهة الشعب الأردني. إذ أن إحجام الملك أو عجزه عن تقديم مبادرة الآن، يفهم فقط على أنه يعلن استعداده لأن يكون طرفاً في تنفيذ الإملاءات الإسرائيلية بعد أسابيع. فهو رسالة للطرف الأقوى (واشنطن وتل أبيب)، بانه يسيطر على الأردن، وهو جاهز لتوظيف الأردن أرضاً ومؤسسات، لما يريدونه. فلا يغرنكم دموعه ودموع زوجته (فقد تكون هذه البكائيات مقدمات لتبرير إجراءات كارثية)، فما لم يقل قولاً بيناً قي السياسة الدولية، فإنه مستعد لأن يقبل بما سيعرض عليه. غياب القول المبين، هو إعلان عن استعداده لتنفيذ ما سيطلب منه.
الثالث هو القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية، وبالذات بقايا فصائل منظمة التحرير مع القيادات الوطنية الفلسطينية المستقلة عبر الشتات، عليها أن تعيد التأكيد بشكل حاسم على أن شلال الدم الفلسطيني على مدار عقود، ليس للبيع ولا للإيجار، ولا للمزايدة. وعليها أن توضح بما لا يدع مجالاً للشك بان الهوية الوطنية الفلسطينية، واستقلال القرار الوطني الفلسطيني (خط أحمر).
فحتى لا نجد أنفسنا من جديد امام نسخة أكثر تشوهاً من اتفاقية وادي عربة، وللقيام بما يلزم لمساندة الفلسطينيين وحماية الأردن الآن وفي المستقبل، لا يد من حركة شعبية تعمل على تمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد، وبناء دولته الحقيقية التي تعبر عن وجدانه وتخدم مصالحه. وحتى لا نخون دم الشهداء، لا بد من الارتقاء فوق الحزن والدموع، نحو العمل من اجل اليوم التالي لوقف إطلاق النار. فالتاريخ هو مسيرة متصاعدة تتخللها حروب لتعديل المسارات أو فرض التحولات. ولكن المسارات الجديدة ترسم بالدم والنار معاً. فلا الدم ينفرد برسمها ولا النيران.
أخيراً، إن اللحظات التاريخية التي يُدفع ثمنها دم ودمار، سيعاب الجميع أنهم فرطوا بها. فنحن نخون دم الشهداء عند تقاعسنا عن السير خطوات حاسمة باتجاه الحلم الذي استشهدوا من أجله. وشعوبنا لم تبخل يوماً امام أي نداء للمضي قدماً نحو التقدم والارتقاء، وغالباً ما خذلتها النخب، التي تعجز عن اشتقاق الخيارات الصحيحة لمتابعة المسار نحو الهدف الدي من اجله استشهد الشهداء. ونحن في الأردن لدينا خيار واحد لتجنب التفريط بالدم والتحول إلى تابع، وهو استمرار النضال من اجل استرداد الدولة سلطة وموارد.
2023-11-02

تعليق واحد
النظام الاردني عميل من المهد الى اللحد،،، ليس هناك موقف اردني واحد يحسب له في جميع المعارك القومية العربية ، بل هو اداة مخابراتية واستخبارتية مهمة للصهاينة والامريكان . الاردن نظام متسول يبحث عن لقمة عيش الملك على حساب خيانته للامة التي ينتمي لها .
للاسف هذا الشعب لا يستحق هذه الزعامة اطلاقا